قدر

 

في مقالهِ "سقوط خرافة الاستقرار"، يرينا الكاتب المصري محمد حسنين هيكل، كيف أن أي مطلب تغييري في مجتمعات القمع والاستبداد، أو أية محاولة إصلاحية حقيقية، يجري تكميمها وإلغائها باسم المحافظة على الأمن والاستقرار في البلد. تحذّرك هذه الأنظمة، بأن عليك أن تتعايش مع واقعك المتهرئ بالفساد والنهب والاستبداد والقهر، لكن المستقر، كي لا تقع في فوضى غير مستقرة ستأتي. تصوّر لك أن ضياع الاستقرار هو مصيرك ومآلك الذي ينتظرك ما إن تخرج عن قبضة استقرارها. وحين تقوم بما يهدد ثباتها المميت، فإن أول ورقة لعب تحركها، هي ورقة الفوضى البلطجية، لتوهمك أن ليس لديك إلا خياران، إما هي وإما هذه الفوضى البلطجية.

حتى آخر قطرة رمق للسلطة، يرواح نظام (مبارك) عن مكانه بهذه الورقة. تحذير الشارع المصري أن ما يحدث زعزعة لاستقرار مصر، وأن "عليه أن يعي ما يدور حوله من أمثلة لعدم الاستقرار". حتى آخر قطرة، يطالب الشعب بالحفاظ على مكتسب الاستقرار الذي يوفره نظامه.

إنها التفاهة التي توهمك أن القِدْرُ المشحون مستقرٌ على النار، فيما درجة الغليان داخله ترتفع منتظرة من يرفع الغطاء. هذه الأنظمة تُشبه هذا القِدْر الذي يبدو من الخارج مستقراً، لأنك لا ترى كيف أن النار (نار الفساد والتضييق على الحريات وإلغاء مواطنية الإنسان) تعمل على هز استقراره من الداخل، فتنسى أن لحظة الانفجار ستقع في لحظة ما. وحين يقع الانفجار، تحاول هذه الأنظمة أن توهمك أنه وليد لحظة التخلي عنها، لا أنه محصلة نارها.

ما الذي يحفظ استقرار (قِدْر) الدولة؟

يحفظه عدم الاستخفاف بقَدَر مواطنيها والمؤسسات التي هي مسؤولة عن حفظ قَدَرهم وأقدارهم. الاستقرار "معناه الحقيقي الاتساق مع مبادئ الحرية والعدل وكرامة الإنسان" [1]. أما الاستقرار بالنسبة للأنظمة المستبدة هو استقرار لقوتها المسيطرة على الدولة، لا استقرار الإنسان في الدولة ولا استقرار الحرية ولا استقرار العدالة ولا استقرار المساواة ولا واستقرار المجال العام ولا استقرار المجتمع المدني الذي تقر الدولة وجوده ودوره الحقيقي في المجتمع.

ماذا قدم استقرار (قِدْر) مبارك؟

لقد قوَّض (استقرار) نظام مبارك قَدْر مصر التي كانت تمثل عربياً الموقف والمبدأ والتاريخ والثورة والنضال والتنوير وأحالها إلى مصر فاقدة لأي دور حقيقي داخلي أو خارجي، عربي أو إقليمي.

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك الأحزاب السياسية والمؤسسات القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، وقوّض المجال العام محيلاً إياه إلى مجال مخنوق من الكلام والحركة والفعل الحر.

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك قَدْر المواطن الحر وصاحب المبدأ "إن الحقيقة العارية أننا أصبحنا، بفضل الحكومة الحالية وبفضل سكوتنا عليها، مجتمعاً من المرتشين والمنافقين مهما حاولنا أن نهرب من هذه الحقيقة"[2].

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك من قدر كرامة المواطن المصري " كرامة الإنسان في مصر.. كالأبقار والدجاج والأرانب والنمل.. أصبحت دماء المصريين رخيصة، وكرامتهم بلا قيمة.. لماذا يهان المصري في الخليج، ويموت في العراق، وينكل به في ليبيا، وأخيراً السودان؟" [3]

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك الاقتصاد في مصر، وأحاله إلى اقتصاد نهب وفساد ورشاوي واستيلاءات وسرقات. وفي الوقت الذي تبلغ الأموال تحت يد الأسرة الحاكمة حوالي 55 بليون دولار أمريكي، فإن متوسط دخل الفرد المصري يبلغ ٩٨ جنيهاً للفرد شهرياً، فيما خط الفقر ١٦٤ جنيهاً للفرد. لقد قوّض الطبقة المتوسطة، وأحال البلد إلى قلة من الأثرياء والسرّاق يستولون على المال العام، وأغلبية فقيرة غارقة في الديون.

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك مكانة رجل الدين وجعله مسبحاً باسم النظام. إصدار "تعليمات مشددة لأكثر من 54 ألف إمام بضرورة توحيد خطب الجمعة تحت موضوع واحد وهو "وجوب طاعة ولي الأمر"، والتشديد على أن مخالفته معصية لله وخروجا الإسلام عملا بنص القران الكريم "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" [4].

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك دور المثقف الذي وظيفته كشف تفاهة السلطة وفضح آليات استبدادها واستحواذها وقمعها، جعله أحد أدواتها وممثلاً رسمياً لها ومتحدثاً باسمهاً وحاملاً لحقائبهاً كما المثقف جابر عصفور (الذي لحم كتافه من قِدْر النظام) والذي صار مهمته المحافظة استقرار النظام بدلاً من إقرار الحرية. وراح يقرّ النظام ويُقْسم للنظام ويحمل حقيبة وزارة ثقافة النظام. وكما مع شاكر النابلسي المثقف الليبرالي (التافه) الذي راح يركّب الآداب السلطانية التي تجوز توريث الحكم في التراث، على الدولة المدنية الحديثة. وليعطي بذلك مشروعية لتحويل الجمهوريات إلى سلطانيات.

هل كان نظام مبارك نظام استقرار؟ أم كان قدراً يطبخ غليانه على مهل ليوهمنا في لحظة انفجاره أنه لم يكن يحمل انفجاره في بطن نظامه؟

***** 

احذروا الثورة قبل أن تأتي..

كل شيء يمكن أن يتدارك قبل انفجار القِدْر (الثورة)، لكن لا شيء يمكن ترقيعه بعد أن تقوم. ليس سوى الغضب والهيجان والانفلات وغير المتوقع. كل شيء يصبح خارج الترقيع وخارج اللملمة. الثورة لا تعترف بالترويض بل بالتحريض. زمن الثورة لا يعود أبداً للوراء، كل شيء يصبح أمامها. الثورة تخلق زمنها وتلهم ما بعدها. لا قوة يمكن لها أن تقمع ثورة يائسة صبّرت نفسها طويلاً. لا أحد يمكنه أن يوقف ثورة أجلت طويلاً تاريخ قيامها. ثورة بقت في ترقب إصلاح يأتي من تلقاء نفسه، أو من تلقاء إلحاح طويل مذل. لا أحد يمكنه أن يكبح انجرافها حين تسحبها سيول الشعب. الإصلاح والتغيير ومحاولات الترقيع تصبح تفاهة بعد أن تنفجر. لن تقنع بغير خلع جذري. خلعٌ يُسقط الأنظمة المستقرة، لينشئ استقراره الخاص بطريقته الخاصة..

هوامش:

[1] محمد حسنين هيكل: سقوط خرافة الاستقرار

[2] عمرو إسماعيل: نحو التغيير في مصر…ما نحتاجه الآن جمال عبد الناصر ديمقراطي

[3] من مدونة يا مبارك أنا خائف.

[4] naqed.info/oldforums/lofiversion/inde…‏

 

البوعزيزي

يقول الإمام علي: «ما دخل الفقر قرية إلا وقال للكفر خذني معك».
ويقول:«عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه».
****
الجوع يدخل في نسق الفقر. وبالفهم الحديث، يمكننا أن نقول أن الجوع يدخل في نسق الفقر والحرمان والبطالة والقهر والظلم والإحباط والفساد والاستبداد والطغيان . إنها تركيبة مدنية شديدة التعقيد وحالة إنسانية شديدة الإرباك .صعوبة تأويل الحدث التونسي تأتي من صعوبة فك هذا التركيب.
الشاب التونسي»الجائع»، الذي أشعل بجسده ثورة «الجياع»، هو نتاج هذا التعقيد وهذا الإرباك. الحالة الـ«بوعزيزية» وتداعياتها، لا تزال تُربك، ليس فقط الأنظمة التي باتت تخشى «من لا يجدون قوت يومهم»، أن يخرجوا شاهرين حريق أجسادهم عليها، بل لا تزال تُربك أيضاً الفقه الديني، الذي تورط في سؤال الحكم والتشريع.
****
هل يمكن للفقه الديني أن يسعفنا فعلاً في فك هذا التعقيد لإصدار الحكم عليه؟ هل يمكن أن يفهم حالة الإنسان وسلوكه في مثل هذا السياق المركب؟ هل «قتل النفس أو حرقها» في مثل هذه الحالة المعقدة يعد انتحارا بالمعنى الذي يحرمه الفقه؟
الإرباك الذي وجد الفقهاء أنفسهم فيه إزاء هذا الحدث، لا يُظهر أن الفقه الديني يمكنه تقديم تفسير وتفهّم وتحليل تعقيدات حالات الدولة أو حالات الإنسان في الدولة. وهذا ليس ذنبه في الحقيقة، فالفقه ليس وظيفته تقديم تفسير أو تحليل أو قراءة أو تفهم أو تعاطف للأحداث، هو مختص بإصدار حكم على الفعل الفردي كما يقره النص الديني. الفقه محكوم باستنطاق النص لا باستنطاق الواقع، حتى في أقصى حالته المقاصدية «فقه المقاصد».
ولعل هذا يفسر لنا ما أثاره التعاطف الذي أبداه بعض رجال الدين مع البوعزيزي، من جدل ديني وسياسي ومجتمعي كبير تحت عنوان «توظيف الفتاوى سياسيا وإخضاعها للظروف التي يعيشها البلد والموقف السياسي فيه». الفقه ليس مقبولاً منه إخضاع الفتاوي لظروف البلد والمواقف السياسية، أي ليس مقبولاً منه إسقاط الواقع على النص، بل النص على الواقع.
بعض الفقهاء الذين لاحقهم سؤال الجمهور:« ما حكم البوعزيزي؟»، لجأ إلى تبرير الظروف القاسية التي «أدت إلى غيابه عن الوعي وعرض نفسه للموت عن غير عمد، وهو ما قد يشفع له في رحمة الله الواسعة». الشيخ القرضاوي لم يُخفِ تعاطفه وترحمه ودعائه بالمغفرة، ونبه أن «الحكم بعد الابتلاء بالفعل غير الحكم قبل الابتلاء» «1» ..
****
ما الحكم الشرعي للبوعزيزي؟ هل نحن أمام حالة خلط أنساق هنا؟ يمكننا أن نقول أن المشكلة التي وجد الفقه الديني نفسه واقعاً في بلبلتها، تعود إلى أن السؤال في هذه الحالة ليس من اختصاصه أصلاً، بل من اختصاص فقه الدولة. كيف؟
الفقه الديني علم يشرع للفرد ما يجوز وما لا يجوز والحلال والحرام، وفق نص ديني غايته فوز الإنسان في الآخرة. وتشريعاته المتعلقة بالدنيا ليست غايتها الدنيا بل الآخرة. فهو إن شرّع للفرد في الدنيا فعينه على الآخرة. لم ينشأ علم الفقه في رحم الدولة الحديثة، لذلك ليست لديه تشريعات لحالة الدولة المدنية المعقدة والمركبة والمنتقلة من حال إلى حال «الدولة في معناها المعجمي هي الانتقال من حال إلى حال»، ولا يمكنه أن يشرع لفقهها الدستوري، ولا أن يشرع لأنماط الاحتجاج السياسي وحدوده في المجتمع السياسي أو المدني الحديث .
والفقه وإن توفر على أحكام تخص الدنيا فإنها لا تتجاوز الحدود الدنيا «العبد وابتلاءاته الدنيوية»، ولا يمكنه أن يتجاوز هذه الحدود الدنيا ليشرع للحدود العليا «الدولة بتركيبتها المعقدة والمجتمع الحديث بعلاقاته المتشابكة».
أما فقه الدولة، فهوعلم أنشأته الدولة الحديثة بمتطلباتها وتعقيداتها وتحولاتها. وهو من اختصاص الفقهاء الدستوريين. يضعون التشريعات المعنية بقضايا الشأن العام، والقوانين المنظمة لعلاقة الفرد بالدولة والسلطة بالشعب، وفق آليات وضع الدستور في الدولة الحديثة. الدولة بهذه القوانين ليس لديها غاية أخروية. هي لا تبشر بجنة ولا تعد بأن تكون جنة. ولا تدعي أنها تعد إنسانها لفردوس ما. التجارب التي وعدت بذلك انتهى بها الأمر إلى أن تكون نيراناً مستعرة.
فقه الشريعة المختص بنار الآخرة لا يمكنه أن يحكم على نار الدولة أو على نار مشتعلة ضمن أحكام تخص الدولة لا تخص الآخرة.
****
لمن نوجه هذا السؤال إذن: «ما حكم البوعزيزي؟»
نوجهه لفقه الدولة. لأنه فعل احتجاج مدني ضد نظام الدولة الذي أرسى الجوع والفقر والحرمان والبطالة والقهر والظلم والإحباط والفساد والاستبداد والطغيان. النار التي أشعلها البوعزيزي في جسده هي نار الدولة التي أراد أن يكشف سعيرها في الناس. الاحتجاج ليس مسألة فردية.الفعل الفردي يمكن تفسيره على أنه انتحار، لكن الفعل الاحتجاجي العلني يحمل قضية ويوجه سؤاله مباشرة إلى الدولة. فقه الدولة هو الذي يستطيع أن يحكم عليه لأنه مختص بنار الدولة لا بنار الآخرة.
محمد البوعزيزي في فقه الدولة الحديثة، لا يُترحم عليه كما فعل الفقهاء في كأقصى ما يستطيعون، بل ينصب بطلاً وشهيداً ومؤسِساً وأباً لشرعية جديدة في الدولة، ويحفظ تراثه ليصبح تراثاً للأمة، لا للأمة المؤمنة بالفقه الديني، بل تلك المؤمنة بالفقه الدستوري.
****
الشيخ جمال قطب، أستاذ الدعوة في الأزهر يقول إن التصريحات بالرحمة والدعاء «للمنتحر» هي «تطييب خواطر» لأهل الضحية والمتعاطفين معهم: «فليس معقولا أن نقول لهم ابنكم كافر بشكل علني وواضح».
لكن في أغنيته الاحتجاجية، يصرخ زياد الرحباني في وجه الدولة: «أنا مش كافر بس الجوع كافر.. بس الفقر كافر.. والذل كافر.. أنا مش كافر.. لكن شو بعمل.. إذا اجتمعوا فيي كل الأشيا الكافرين». إنه الجوع الذي لا يدخل «دولة» إلا وقال للكفر خذني معك.
هامش:
«1» تصريحات رجال الفقه مأخوذة من صحيفة الشرق الأوسط 20 يناير 2011 العدد 11741

ماذا يحدث عندما نلغي ما هو أدنى، باسم ما هو أعلى؟
أعني بالأعلى، ما ننسبه إلى الألوهية أو الآخرة أو المبدأ أو الأخلاق أو الوطن أو القانون أو المُثل أو الحزب أو الجماعة، والأدنى ما ننسبه إلى الإنسان من حياة دنيوية واحتياجات طبيعية ورغبات بشرية، أو ما ننسبه إلى تجاربه من فكر ومعرفة وفهم وممارسة .
نقول أعلى لأن الأولى طالما مثلت في تاريخ حياة الإنسان أصلاً لوجوده، وطالما شكلت مقدساته ويقينياته التي يدير باسمها صراعاته وحروبه وخلافاته، أو يدفع حياته ثمناً لها، أما الأدنى فهي غالباً ما تعتبر وجودات ثانوية يمكن أن يُستغنى عنها ويُضحى بها باسم الأولى ومن أجلها.
في كتابه «هل الرأسمالية أخلاقية؟» يسمي «سبونفيل» إلغاء الأدنى باسم الأعلى ملائكية. الملاك هنا لا يشير إلى مفهوم ديني بقدر ما يشير إلى مفهوم تجريدي، من حيث أن الملاك يمثل حالة «عليّة» في العادة، لكنها كممارسة الغائية، ليست مختصة بالأنظمة الدينية، بل تجدها في الأنظمة الإلحادية والشيوعية وفي الأنظمة القومية والفاشية بنفس الدرجة. فكلها تشترك في الإلغاء، وفي خلط الأعلى بالأدنى، وفي عدم القدرة على التمييز بين مجاليهما. الأمر الذي يترتب عليه تقديم خطاب عقلاني تافه بالمعنى الباسكالي.
****
تبرز الملائكية في مجتمعنا عبر خطابات تلغي إرادة البعض باسم الدين. مثال: في مقتبس من خطاب مناهض لقانون تنظيم مكبرات الصوت في المآتم والمساجد، معتبراً اقرار القانون محاولة لتقزيم للدين، يقول «اذا قزم الدين في هذا البلد وهو أعز ما يكون على مواطنيه الشرفاء الأصليين، فقد قزم كل صوت حر، وألغي كل حق، ووئدت كل حركة إصلاح».
الأعلى هنا هو الدين الذي يمثله هذا الخطاب، والذي يقدم نفسه أنه الصوت الحر، وكل الحق، وحركة الاصلاح في المجتمع. والأدنى الذي يلغيه هذا الخطاب قانون التنظيم، ومن يقول بالحاجة إلى قانون التنظيم. الخطاب ليس فقط يلغي القانون، لكنه يلغي أيضاً كل من يؤيد هذا القانون ويعتبره مقزِّماً للدين، وصوتا غير حر، وحركة ضلال، ولا حق له، ولا شرف، ولا أصل.
كذلك تبرز الملائكية عبر خطابات تلغي الإرادة السياسية للبعض باسم الدولة أو الحكم أو القانون. مثال الخطابات التي توصل رسالة اعلامية مفادها أن «الاصوات التي تدعو لفتح ملفات الفساد وتمارس نقدها العلني للدولة تقوم بالتحريض ضد النظام الحاكم وتبث الكراهية للنظام الحاكم». أو تلك التي تؤكد بأن «عدم إصدار بيان تنديد بشغب الشوارع تحريض على الإرهاب». أو تلك التي تقول «أن رفض قانون معينً يعني التشكيكك في شرعية الدولة والمؤسسات».
الأعلى في هذه النماذج هو النظام الحاكم أو الأمن أو الدولة. والادنى هو المعارض أو صاحب الرأي المختلف. هذه الخطابات ليست فقط تلغي إرادة المختلف وحرية تعبيره عن رأيه، بل تلغي المجتمع المدني والحياة المدنية، وتلغي الحيز العام الذي يصوغ فيه أفراد المجتمع اختلافاتهم ويعرضون فيه حقائقهم ويشكلون فيه رؤاهم المتعددة والمتباينة.
****
هل يمكن أن يقينا الأعلى من الوقوع في تفاهة الخلط؟
نعتقد أحياناً أن الحديث باسم حكمة الأعلى، يمكن أن تكسب حديثنا حكمة وحصانة وحصافة ويقيني من الوقوع في التفاهة والخلط. يمكن القول إن أكثر الحماقات أو التفاهات نرتكبها بسبب هذه الثقة. الثقة في أن الأعلى يمنح كلامنا شيئاً من علوه، حضور الأعلى يغنينا عن حضور الأدنى. يعمينا عن أن نرى الأدنى فنلغيه. ليست الآيدلوجيات فقط من يقوم بذلك، ولا الحركات الأصولية هي فقط من تقوم بذلك، بل حتى المشيخات تلغي الأدنى باسم الأعلى حين تستخدم الأعلى ذريعة لضرب الأدنى، فتقول إن دولة القانون أولى من حق الناس في الاعتراض، وأن الوطن أسمى من الاحتجاج.
التفاهة هنا ليست راجعة إلى أن الأعلى تافه في ذاته، لكنها تعود إلى أن الأعلى تافه في استخدامه، بمعنى أننا نستخدمه استخداماً تافهاً.
ما يجعل لهذا الاستخدام معقوليته وحضوره في وسائل الاعلام وفي الشارع السياسي أو الديني هو غياب الحيز العام. الحيز العام هو المكان الذي ليس في الدولة «النظام» ولا في حيز الأفراد الخاص «الجماعة أو الطائفة». هو المكان الذي يقع بين الدولة وبين الحيز الخاص، يتيح للآراء أن تتداول وتعبر عن اختلافاتها بحرية وبأمان. في هذا الفضاء المفتوح يمكننا تعرية التفاهات وكشف الخلط الذي تمارسه هذه الخطابات على اتباعها.
الحيز العام إذا ما تم التضييق عليه من قبل السلطة السياسية أو الدينية، كثرت التفاهات التي تضج بها خطاباتنا الدينية والسياسية والاجتماعية.
وكلما تم الغاء الحيز العام باسم الدولة، تراجع الأفراد إلى وكر حيزهم الخاص، وصار متنفسهم جماعتهم أو طائفتهم، وصارت هي «الأعلى» بالنسبة لهم، التي تلغي كل ما سواها.
****
هل الملائكية انتصار للأعلى؟ هل تعزز وجود الأعلى؟ أي هل الغاء الانسان باسم الله يعزز وجود الله، والحياة الدنيا باسم الآخرة، والفرد باسم الجماعة، والمواطن باسم الوطن، والعامل باسم العمل، والتعددية باسم الوحدة؟
على عكس ما تتمناه الملائكية، فإن الغاء الأدنى هو الغاء للأعلى. فإلغاء الإنسان هو الغاء لله. لأن وجود الله مقترن بوجود الانسان الذي هو صورته التي تشبهه على الأرض. الله لا يُعرف إلا بمعرفة الإنسان. كذلك الغاء المواطن باسم الوطن هو الغاء للوطن. لا وطن بلا مواطن. وكل ما يتعلق بالمواطن هو عينه ما يتعلق بالوطن.. وهكذا.. إلغاء الأدنى باسم الأعلى، يجعل الأعلى يبدو وكأنه وجود اقصائي قاس بغيض غاضب شرس دموي عنيف. في حين تعزيز قيمة الأدنى باسم الأعلى يجعل الاعلى يبدو متسعاً محباً رحباً متسامحاً ومثالياً. فما ترانا نختار؟

كيف نفهم التفاهة بشكل غير تافه؟
إنها ليست لعبة لفظية، بل لعبة فكرية ومفهوم فلسفي. باسكال هو المنظر الفلسفي لفكرة التفاهة، ويعني بها خلط نسق أو مجال أو مستوى بآخر متمايز عنه. يحدد 3 أنساق متمايزة: نسق القلب، ونسق الذهن، ونسق البدن، من يخلط واحداً من هذه الأنساق بآخر يوقع نفسه في التفاهة. مثلاً، المعلّم الذي يطلب من تلاميذه أن يحبوه لأنه أستاذهم الفاضل الذي يمنحهم المعرفة، يوقع نفسه في التفاهة، لأن المعرفة التي يقدمها تختص بمجال الذهن، فهي مسألة فكرية، والحب مسألة تتعلق بالمشاعر والتقبّل، وجعل الأول شرطاً لحدوث الثاني خلطٌ أعوج وتافه. مثال آخر، أن يخلط صاحب مؤسسة تجارية بين عمله الذي يقوم على طلب الربح وبين غاية أخلاقية أخرى تختص بالوطن، كأن يقول مثلاً: إن الهدف من إرساء هذا المشروع التجاري هو خدمة الوطن والمواطن. أو أن مترشحاً للمجلس النيابي يقول: إنني أرشح نفسي استجابة لرغبة الناس في أن أمثلهم. أو أن ناصحاً يقول لمجموعة من الجياع والمحرومين: جوعكم امتحان من الله. أو أن داعية يقول في وصف زلزال أو كارثة بيئية وقعت في مكان ما من الأرض: هذا غضب الله على الفساد والفسق المنتشر في الأرض. هذه نماذج للتفاهات التي لا تخلو منها الخطابات الاجتماعية.


لكن لماذا نعتبرها تفاهة؟ لماذا لا نعتبرها غشاً أو خلطاً أو كذباً؟
هناك سببان. الأول أن باسكال فيما اعتقد أراد أن يستخدم التعبير الأكثر إيجاعاً لإدانة الخلط والغش والكذب. فالتفاهة لا تخلو من أن يداخلها شيء من هذه المفاهيم. والسبب الآخر، أن مفهوم التفاهة يعبر عن السطحية، سطحية الربط بين الأشياء. فالعقل هو عملية ربط وتركيب، وبمقدار ما يكون ربطك محكماً ومقنعاً، يكون عقلك أبعد عن التفاهة. التفاهة هي الوجه الآخر لعدم القدرة على استخدام العقل استخداماً محكماً. نطلق على الشخص الذي يخلو خطابه من فهم عميق لعلاقة الأشياء أو أسبابها: تافه وسطحي، لأنه لم يمسك بالعلاقات الحقيقية والأسباب الحقيقية التي تنتج مشكلات أو ظواهر سياسية واجتماعية تحتاج إلى فهم عميق.


هل الوقوع في التفاهة مقصود ومتعمد دائماً؟
التفاهة ليست بالضرورة خلط متعمد ومقصود. فالمرجعيات الفكرية التي تتحكم في أذهان الأفراد في مجتمع ما أو عند جماعة معينة، لها دور كبير في الانزلاق نحو الخلط. ليس هذا فقط، بل لها دور في تعميم هذا الخلط وتثبيته ونقله من جيل إلى جيل، أي في تداول التفاهة. التداول بما يتضمن من نشر وتثبيت وتعميم ونقل وإضافة، يعمل على إرساء التفاهة وتأصيلها حتى تبدو عبر الزمن وكأنها حقيقة غير قابلة للنقاش. ربط الزلازل والكوارث الطبيعية مثلاً بغضب الله هو خلط نسمعه في كل مرة نشهد فيها حدثاً مشابهاً، الخلط نسمعه متردداً على ألسنة الصغار والكبار والمتعلمين والأميين فضلا عن الدعاة ورجال الدين. مثل هذا الخلط صار أقرب إلى الحقيقة الدينية في ثقافة مجتمعاتنا. ليس هذا فقط، بل إنك حين تحاول فضح سطحيته وكشفها تُتهم أنك غير مؤمن بقدرة الله وحكمه أو أنك راض على الفساد المنشر على الأرض، وهو خلط آخر وتفاهة أخرى، وهكذا نجد أن تداول التفاهة ينتج، عبر تثبيتها، المزيد من التفاهات التي تنبني عليها.


من هم الذين يمارسون التفاهة؟
ليس البسطاء هم من يمارسون التفاهة، فأولئك تفاهتهم ناتجة عن بساطة وعفوية تخصهم ولا تعتدي على الآخرين، بل غالباً لا يترتب عليها إلزام يمارس سلطته على الآخرين. البسطاء أقرب أن يكونوا ضحية لتفاهات الكبار الذين يديرون خطابهم الاجتماعي والسياسي والديني إدارة لا تحترم تمايز المجالات عن بعضها. تحدثنا في المقال السابق عن الزعيم الاسماعيلي حسن الصباح كيف كان يمارس خلطا بين إرساء نفوذه على أتباعه واستثماره الرغبة باسم الجنة. من يمارس التفاهة هم أصحاب السلطة والقوة والنفوذ سواء في المجال السياسي أو الديني أو الاقتصادي أو الاجتماعي. إنهم أصحاب القوة الذين يملكون صناعة الرأي العام والتأثير فيه. يتأثر به أتباعهم في الشارع وفي السوق وفي المنتديات وفي المساجد وفي المآتم وفي الكتب وفي وسائل الاعلام. كثير من التفاهات يثبتها الإعلام والرأي العام العالمي عبر ما يعيده ويجتره علينا بشكل يومي ليل نهار حتى لا نعود نميز الخلط الذي فيه ويبدو وكأنه ينطلق من نسق واحد.


ما علاقة التفاهة بالاستبداد؟
العلاقة بينهما هي الطغيان. ممارسة التفاهة على سدة السلطة استبداد محصلته الطغيان. الطاغية يخلط بين القوة والمحبة والطاعة. فهو حين يمسك بالسلطة ومقاليد الدولة يريد من الجميع أن يحبه ويثق به ويواليه ويطيعه لأنه الأقوى الذي يمتلك السيادة السياسية. القوة لديه هي الرابط الذي يقتضي أن يقابل بالحب والطاعة وخروج المسيرات ورفع الصور والأعلام التي تنصبه محبوباً للجماهير وأسيراً لقلوبها.
القانون لا يسلم من سيطرة الطاغية الذي يسخره بقوته، فيخلط بين قوة القانون وقانون القوة، أي قوة تسلطه هو على القانون، والتفاهة الكبرى التي يمارسها تتحق حين يخرج طغيانه استخراجاً قانونياً، فيصير القانون الذي مجاله العدالة مخلوطاً بالطغيان الذي مجاله الاستبداد.
ولعل قصة الحاكم الذي جعل جميع وزرائه ورعيته يصدقون أنه يلبس أجمل وأفخم الثياب في الوقت الذي كان عارياً، هو نوع من تفاهة القوة التي تخلط بين القوة والحقيقة، وتمنعك أن ترى بعينك أو تدرك بحواسك غير ما توهمك به القوة أو خاصة القوة أو حاشية القوة، ولم يفضح هذه التفاهة غير طفل مازال يحتفظ بفطرته المتحررة من داء تفاهة الكبار.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=60777

الموت

«لن يفكروا أبداً، لن يتصبروا، إنما فقط سيحترقون بالرغبة». حسن الصباح. رواية آلموت.
ليست دوافع الغضب وحدها ما يتم استثماره عند الإنسان الديني، بل الرغبة أيضاً. فكما أن خطابات الغضب «نجد تجلياتها مؤخراً في أحداث العنف الديني في مصر»، تستثمر دوافع الغضب والاعتزاز والفخر والانتقام والحسد والغيرة وتوجهها وتستخدمها، كذلك يجري استثمار الرغبة.
الرغبة في ماذا؟
الرغبة في الجنة، في معانقة الحور العين، في أنهار الخمر، في القصور الخلابة والحدائق الغنّاء، في متع الحواس ولذات الجسد، في كل ما هو محرّم أو ممنوع. الأعمال الفدائية أو الانتحارية أو الإرهابية «باختلاف محمولات مسمياتها» التي تنشط عند جماعات إسلامية هنا وهناك، ترتكز أساساً على هذا البنك. الرغبات البشرية الطبيعية التي يجري التعامل معها كمحظورات على الإنسان أن يتعالى فوقها، تستخدم نفسها للترغيب في تنفيذ تلك العمليات. لا يجري الحديث عن «الشهادة» إلا مقرونة برغبة معانقة الحور العين. خطابات الجهاد تجعل الشهادة «وسيلة» للوصول إلى الحور العين «الهدف»: «فما هي إلا لحظة واحدة وتعانق الحور العين». طرفة عين واحدة من شأنها أن تحول الحرام كلّه إلى مباح كلّه.
رواية «آلموت» لفلاديمير بارتول، واحدة من أروع الأعمال الأدبية التاريخية التي نشرت منذ العام 1937، لكنها اشتهرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. آلموت قلعة على جبل شاهق في خراسان بناها ملوك الديلم، استولى عليها عام 483هـ حسن بن الصبّاح، الزعيم الذي يجري وصفه بالداهية واشتهر بشيخ الجبل، ومنها بدأ دعوته الإسماعيلية الباطنية، وقدم نفسه نائباً للإمام المعصوم، وراح يدير عملياته التي طالت أكبر رجال الدولة السلجوقية عدوه الأول، وأرعبت الدولة العباسية. يعتقد أن حسن الصباح هو أول من أرسى أسس الفدائية.
خلال عشرين عاماً سيعمل حسن الصباح على تحويل «آلموت» ليس فقط إلى حصن حماية لا يخترق، بل إلى ما يشبه الجنة. في جانب مخفي من القلعة نكتشف حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة والقصور والجداول والأنهار والأودية التي تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، ونتعرف إلى فتيات صغيرات جميلات اشتراهن شيخ الجبل، وجعلهن يعشن كأميرات مدللات مدربات على الغناء والرقص والعزف والطاعة المطلقة لأوامره وحده. إنه بنك الرغبة. المكان الذي تستثمر فيه الرغبة وتدّخر لوقت معلوم.
وفي وجه القلعة الظاهر سيحرص ابن الصباح على اجتذاب الفتيان بين سن الثانية عشرة والعشرين، شرط أن لا يكون أي من هؤلاء الفتية قد ذاق الخمرة أو عرف النساء أو عاش أي متعة أو لذة من قبل. وسيوكل تدريبهم العسكري إلى يد قادة بارعين، ومعلمين يحفرون فيهم أصول المذهب واللغة والشعر والطاعة المطلقة له. لن يجد شيخ الجبل صعوبة في تحصيل فتية يقدمون أنفسهم بين يديه. الأتباع سيرسلون أبناءهم إلى القلعة إيماناً منهم بابن الصباح وأملاً في تحصيل الشهادة بين يديه.
سيشيع عن نفسه أن لديه مفتاح الجنة، وأنه قادر على أن ُيدخل الجنة من يشاء ساعة يشاء. بهذه الطريقة يتمكن من بسط نفوذه على أتباعه أكثر. «مكانة الناس في العالم تكون وفقاً لاستعدادهم إلى المعرفة. الأتباع كانت تطالب الأنبياء قديماً بمعجزات، وكان عليهم أن يقوموا بها إذا ما أرادوا المحافظة على نفوذهم. كلما انخفض وعي الجماعة كلما عظم حماسة من يحركها». يقول ابن الصباح. النفوذ يحتاج إلى أتباع بسطاء مؤمنين، وبقدر ما يتمكن صاحب النفوذ من تحقيق رغبات الناس «طلب المعجزات رغبة»، يكون إيمانهم به.
دخول الجنة سيكون مقصورا على من يتم اختيارهم للقيام بمهمة خاصة تتطلب تضحية بالحياة. سيدخلهم جنته لمدة ليلة واحدة. وهناك ستجد حواسهم شهقتها الأولى، ستُسلب قلوبهم وتُسحر ألبابهم ولا يعودون إلا أجساداً تنتظر أمر سيدها بالموت ليعود بها إلى جنة الرغبة. «وإذا ما اقتنع فدائيونا لدى صحوتهم بأنهم ذهبوا فعلاً إلى الفردوس، فسوف يكونون قد ذهبوا فعلاً لأنه لا يوجد أي فرق بين الجنة الحقيقية والجنة المزيفة فحيثما نكون واعين لوجودنا، نكون قد وجدنا… لن يفكروا أبداً، لن يتصبروا، إنما فقط سيحترقون بالرغبة». الرغبة هي الحقيقة الوحيدة التي صاروا يؤمنون بها ويعيشون من أجل أن يبلغوها.
هكذا سيتمكن ابن الصباح عن طريق استثمار الرغبة، من إحكام تنظيمه الحديدي، وتقديم نماذج تلقي نفسها إلى الموت بسعادة ولهفة. عندما طلب منه بعض مبعوثو السلاجقة التنازل عن آلموت والرجوع عن دعوته. اكتفى بالرد أن استدعى اثنين ممن أذاقهم جنته. أمر أحدهم أن يُلقِ بنفسه من أعلى البرج إلى الأرض، فانطلق الفتى برغبة طافحة وجذل ظاهر وارتقى البرج وقذف بنفسه إلى الأرض فتقطع جسده ميتاً. ثم التفت إلى الآخر وسأله: ألديك خنجر؟ فأجاب: نعم، فقال له: اقتل نفسك، فانتزع الفتى خنجره وغرسه في عنقه هاشاً إليه وفار دمه ثم خر صريعا، عندها قال ابن الصباح للرسل بين يديه: أبلغوا من أرسلكم أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا هذا مبلغ طاعتهم لي!!

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=59504

 

«إن ما حل بأمتنا من عقوبة إلهية بسبب بعدها عن دينها وتركها للجهاد في سبيل الله عز وجل.. فيا أصحاب الفضيلة العلماء: تعالوا قودوا أمتكم وادعوها إلى الله وارجعوا بها إلى دينها تصحيحاً للعقائد ونشراً للعلم وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وجهاداً في سبيل الله عزوجل وتحريضاً عليه «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال»… وإذا لم تستطيعوا ذلك في بلادكم فهاجروا في سبيل الله عزوجل.. والهجرة مرتبطة بالجهاد والجهاد ماض إلى يوم القيامة.. « «خطاب 1»
«سكوت الجماهير المؤمنة المعارضة سيحمل على تأييد القانون بلا ضمانات، وسيعتبر ضوءاً أخضر لتمريره، وإذا تأخر يوم المعارضة الجماهيرية الصارخة بعض الشيء، سقطت قيمة المواجهة، وهذا القانون لو مرر فلا عودة عنه إلا بالدماء الغزيرة، وقد لا تفيد الدماء» «خطاب 2»
النصان السابقان مقتطعان من نماذج خطابات اسلامية غاضبة. الأول يُظهر الله الغاضب الذي يعاقب الناس على تقصيرهم بالكوارث والأوبئة. والثاني يُظهر ما يجب أن تكون عليه الجماهير «المؤمنة» من غضب من أجل الله دائماً وأبداً. غضب «المؤمنين» يأتي على شكل تحريض على الجهاد أو على المواجهة الصارخة.
يستمد «المؤمن» غضبه من غضب الله. الله دائماً غاضب على هذه الأرض، إذ ليس يسود في هذا العالم إلا الكفر والعصيان والانحلال، وليس على وجه هذه الأرض ما يستدعي غير الغضب.
* * * *
في كتابه «الغضب والزمان» يقرأ الفيلسوف الفرنسي بيتر سلوترداك أشكال الترويض المستمر للغضب. وكيف أن الإيدلوجيات المختلفة عبر التاريخ، عملت على أن تعزز في الإنسان دوافع الغضب والاعتزاز والفخر والانتقام والحسد والغيرة والتسابق والتنافس وشوق الاعتراف ‍(1)، أي استثمار ما هو غريزي وحيواني فيه، من أجل تعزيز وجودها وفرض سيطرتها وإلغاء من يختلف معها، وهي إذ تقوم بهذا الاستثمار فإنها تعتمد على بنك الغضب. ما بنك الغضب؟
يلفتنا سلوترداك إلى أن طاقة الغضب التي في الإنسان وما يرتبط بها من دوافع أولية مثل الفخر والاعتزاز والانتقام والحسد والغيرة والتنافس، هي عرضة للاستثمار، فكما أن عقل الإنسان عرضة للاستثمار، وكما أن جسده عرضة للاتجار، كذلك قوة غضبه هي موضوع للتجارة. في بنوك الأموال تدخل رؤوس الأموال المجمّدة وغير المستخدمة ليتم تحريكها وتدويرها واستثمارها وتكثيرها. وفي بنوك الغضب تدخل مشاعر الناس وتخوفاتهم وغرائزهم وعصبياتهم واحباطاتهم ليتم تحريكها وتدويرها واستخدامها.
هناك إذن بنوك للعقول وبنوك للأموال وبنوك للأفكار، الفائدة التي نتحصل عليها من هذه البنوك هي ما تبرر وجودها، ما يعود علينا من أموال أو أفكار أو عقول يجعل هذه البنوك شرعية ومبررة وذات نفع عام. لكن ما الذي يبرر استثمار الغضب عند الإنسان؟ أليس الغضب هو ما يمثل الجانب الجاهل والغريزي الذي تحذرنا منه الأديان ونظريات التربية والأخلاق؟
التاريخ الإنساني صناعة غضبية بامتياز. القادة الذين حركوا الجماهير على مر التاريخ إنما حركوا بالأصل غضب هذه الجماهير. ينجح هؤلاء بقدر ما يتمكنوا من قيادة غضب الجماهير نحو غاياتهم وأهدافهم.
وبقدر ما يكون الغضب ذا طابع مقدس، يكون مبرراً ومشروعاً، بل مفروضاً وواجباً. الغضب باسم الإله يحضر باستمرار في النزاعات البشرية التي يقترن فيها الديني بالسياسي. يصير النزاع السياسي «الذي هو في أصله نزاع سيطرة واستيلاء وقوة ونفي للآخر» مبرراً ومقدساً باسم الغضب الديني، أي غضب الإنسان من أجل الإله. فالتاريخ الإنساني السياسي المشبع برائحة الدم، هو نفسه تاريخ الغضب باسم الإله.
* * * *
الغضب كما تقدمه نماذج الخطابات «1،2»، ليس غريزة إنسانية فقط، بل هناك غضب إلهي. هذه الخطابات التي تنتمي إلى الاسلام السياسي، تقدم الله بصورة الغاضب الدائم السخط على ما يقوم به الإنسان في الأرض. غضب الله سيستخدم قوى الطبيعة للانتقام من الإنسان على ما يأتيه من ذنوب وآثام، سيعرضه للهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير، سيعرضه للمجاعات والأمراض والأوبئة والأمراض الغريبة والمهلكة والحروب، سيهلك زرعه وحرثه ونسله، سيمنع عنه المطر والخير والحصاد، وسيزيد حرارة الأرض عبر الزمن، سيهلك أقواماً وأمماً وشعوباً، وسيبيد جماعات.
الإنسان المسلم مكلف بخلافة الله في الأرض، فهو مكلف بخلافة صورة الله الغاضبة. لهذا فهو يتماثل مع الله في غضبه فقط. الصورة التي يعرفها عن الله. المسلم يد الله الغاضبة في الأرض.
هل يليق أن يفرح المسلم في حين أن الله غاضب؟ الفرح عند هذا المسلم لا بنك له. الدنيا ليست مكاناً لاستثمار الفرح. بل هي مكان لعبور الغضب. أنت تتمثل صورة الله بقدر ما تكون غاضباً وساخطاً. لهذا ستغضب من الإنسان الآخر الذي يختلف معك وعنك، ستغضب من الغرب الذي يمثل بالنسبة لك شيطاناً منحلا أخلاقياً ومقياساً للفسق والفجور والفساد، ستغضب من الأديان الأخرى التي لا تتفق صورة إلهها مع صورة إلهك، ستغضب من المعتقدات الأخرى، من الثقافات الأخرى، من العالم، ومن الحياة نفسها.
الاسلام السياسي التي نعيش مآزقه اليوم، يشتغل برأسمال بنك الغضب. والغضب الإلهي هو أحد أهم مصادر هذا البنك. إنه رأسماله الحقيقي الذي يقنع به جمهوره كي يثقوا به ويودعوه غضبهم يتصرف فيه كيف ما يشاء. الغضب الإلهي غضب مشروع ومضمونة عاقبته. لا ينكسر هذا البنك ولا يفلس ولا يتعرض لأزمات اقتصادية. هو مأزوم دوماً وفي أزمة وجودية وتأزمه هو رأسماله.
ممثلو الله في الأرض سيمثلون حالة الغضب الإلهي. ولأنهم يد الله في الأرض، فإنهم من سيقيم العقاب على الأرض نيابة عن الله، لذا سينفذون عميات الثأر والانتقام والعقاب والقصاص، وسيفتخرون بغضبهم، وسيعترفون بما أنجزه هذا الغضب من قتل وسفك للدماء، وسيعلنون مسؤوليتهم عنه، وسيحذرون أعداءهم مما ينتظرهم من المزيد بكل فخر واعتزاز.
* * * *
على عكس الإله الغاضب الذي يغرقنا فيه الإسلام السياسي اليوم، ثمة إله باسم يداخلنا عليه الحسّ الصوفي: إله فرح محب متسع رحب متعدد كثير. من يتمثل هذا الإله، سيكون محباً رحباً متسعاً متعدداً مثله، وسيستثمر دوافع الحب والخير والسلام الموجودة في الإنسان، بدلاً من دوافع الغضب، وبعدها، قد يمكننا الحديث عن بنك السلام الإنساني، بدلاً من بنك الغضب الإسلامي.
[ (1) للتوسع في المفهوم انظر: أزمة المسلم الأخير ونهاية التدين. العادل خضر. ص 165-176.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=58343

 

 

« تفحص الأوراق التي بين يديك، تملّ منها، والمسها، وشم رائحتها، وانظر كم هي ضاجة بالحركة، وكم هي مُحرقة أو باردة، وفقاً لما ضمنها صاحبها من أفكار، ولعلك إذا فعلت تنتبه إلى الحياة بين أصابعك». المقطع يصف حال الفيلسوف ابن سينا، وهو غارق في دهشة ما عثر عليه من كتابات ومخطوطات في مكتبة السامانيين الملكية.
وبالنسبة لي، الكتاب الذي لا يجعلني أنتبه إلى الحياة بين أصابعي، ولا أضج بالحركة الموجودة فيه، ولا أحترق بأفكاره، ولا يصدم برودتي، هو كتاب لا أعول عليه. استطيع أن أقول عن رواية «ابن سينا.. أو الطريق إلى أصفهان» للكاتب الفونسي جيلبرت سينويه، انها من ذلك النوع الذي ملأني بالحركة والتاريخ والسيرة والمعرفة معاً، بالنار بالنور في الوقت نفسه، وبتعقد الحالة الإنسانية، وأنها توفرت على الصدمة أو الدهشة التي تستحق القراءة والتوقف طويلاً، ربما..

فيم الصدمة؟
قبل أن أقرأ هذه الرواية، كانت النعوت التي أعرف من خلالها ابن سينا تنحصر في كونه فيلسوفاً إسلامياً أو طبيباً مسلماً أو عالماً فقيهاً أو شيخاً رئيساً .. الخ. تنمط صورة ابن سينا في مخيلتي. ربما لم أضعه في صورة جاهزة قبلاً، بل لم تكن معرفتي به تتجاوز تلك التعريفات العامة، لكن المؤكد أن الإطار الذي يمكن لعقلي أن يضعه فيه لن يتجاوز التالي: عمامة كبيرة على الرأس مع جلباب، لحية كثيفة، رجل شديد الجدة والصرامة، قليل الكلام والابتسام، منصرف كلياً إلى العبادة والعلم، زاهد في ملذات الجسد بكل أنواعها، عاكف على النهل من العلم وحده، محافظ على طقوس العبادة وملتزم بالأحكام والشرائع والنصوص الدينية.
الرواية كسرت هذا الإطار بالكامل، أو لأقل أنها حطمته تماماً إلى غير رجعة. صاغت نموذج ابن سينا في صورة مختلفة لا يمكن أن أضعها داخل واحد من الإطارات المشهورة أو المعترف بها، وقدمته كحالة فردية خاصة منفلتة خارج الشكل النمطي للشخصية الاسلامية كما يقدمها التراث. بدا ابن سينا غير ملتزم إلا بولعه الشديد بالمعرفة والعلم. وبعيداً عما قد يستثيره ذلك لدى البعض من تقديرات أخلاقية، وبعيداً عما هو مقبول أو غير مقبول ثقافياً ودينياً، فإني اعتقد أن هذه الصدمة كانت هي ما أعطت لشخصية ابن سينا في الرواية دهشتها الخاصة.
نعم، كان ابن سينا منكباً على العلم كما لم ينكب على شيء آخر، بدأ رحلة تلقي العلوم وحفظ القرآن وعمره لم يتجاوز العاشرة، ثم تلقى علوم الفقه والأدب والفلسفة والطب، وترك ما يقارب ال 200 مؤلف في الفلسفة والطب. يصر على أنه مسلم شيعي ولا يقبل أن يُنسب إلى غير ذلك، لكنه رغم ذلك لم يكن منكباً على العبادات والطقوس. يمارس عبادته بطريقته الخاصة. يقول «العلم والعمل في مقام الصلاة، انهما يمهّدان لنا طريق الجنة وينجياننا من متاهات الخطيئة». له وسيلته الخاصة في التقرب إلى الله، وسيلة العقل والعلم كما يقول: «دع الآخرين يقتربون من الله بكل وسائل التقوى، واقترب أنت منه بكل وسائل العقل، وستسبق الجميع». موقن أن وسيلته «العقل» ستمكنه من الفوز بسباق القُرب من الله بكل جدارة.
كلما تحيّر في مسألة أو ضاق بأمر تردد إلى بيت الله، وفي مهابة صمت الجامع صلّى وابتهل، حتى يفتح له المُغلق ويسهل المتعسر: «الله هو المرآة». يقول في سيرته التي خطها بنفسه. «إنه تجلّي الحقيقة الذي لا يفوقه تجلّ». ستدهشنا هذه العلاقة المتحررة من صيغ التقوى المعروفة، المأخوذة بالثقة والفتح والكشف.
سيغربلنا ابن سينا خلال الرواية مع تناقضاته والتباساته في تفاصيل هذه العلاقة. سنجده حين يستعصي عليه مشكل علمي لا ينفك، ينقض على إبريق الخمر الذي يرى أنه يساعد على التركيز، وإذا لم يسعفه، سوف لن يلبث أن يفترش سجادة الصلاة يسأل الله حل معضلته الفلسفية أو العلمية. إنها سبيله إلى النجاة منذ القديم. هل تعجبتم؟ نعم من هذا إلى ذاك مرة واحدة!! هكذا يروي عن نفسه.
لا يخشَ ابن سينا الجهر بشربه الخمر، ولم يؤثر ذلك على جديته أو مكانته العلمية بين علماء عصره، يروي سيرته: كنت أرجع بالليل إلى داري، واشتغل بالكتابة والقراءة، فمهما غلبني النوم، أو شعرتُ بضَعف، عدلتُ إلى شُربِ قَدح من الشراب، ريثما تعود إلي قوّتي، ثم أرجع إلى القراءة، ومهما غلبني أدنى نوم أحلمُ بتلك المسائل بأعيانها.
كذلك لم يكن ابن سينا، وهو المهموم بالعلم والفلسفة والطب، مغادراً جسده، بل كان مستجيباً لرغباته وشهواته الجسدية فيما يتعلق بعلاقته بالمرأة. ستطالعنا الرواية به يقصد ماخوراً في طريق عام، ويقيم علاقة عابرة مع إحدى المومسات. سيسبب ذلك صدمة تلميذه واستنكافه فعل شيخه: «سامحك الله ايها الرئيس، أنت سيد طالبي العلم لا شك في ذلك، لكنك أيضاً سيد طالبي اللذة في المعمور كله»، «اسمع اليك أحياناً فلا أفهمك أيها الشيخ، ويشهد الله أني لا اشعر بذلك حين تحدثني في أمور العلم»، وسيجيبه ابن سينا بغير متكلف، «لولا الخطيئة لم تكن المغفرة»، لم يكن ابن سينا يرى في ذلك ذنباً كبيراً، بل كان يراه خطيئة «للخطيئة مذاق الصلاة أحياناً.
لهذا لم أستطع تصنيف ابن سينا، لا بتصنيفاتنا العصرية المعروفة ولا بتلك التراثية المسكوكة، ولأننا اعتدنا ضمن ثقافتنا الدارجة أن نعتمد تصنيف الناس كمدخل أولي لفهمهم والتعامل معهم، فقد حاولت عبثاً أن أعثر لابن سينا على إطار يصنفه ضمن نموذج، لكن دون فائدة.
بعد انتهائي من قراءة الرواية، وقعت على مقولة لإدمون عمران المليح «وهو بالمناسبة مفكر مغربي من أصول يهودية توفي مؤخراً» يقول «من منّا لم يشعر مرة في حياته بالرغبة في أن يكون مزدوجاً، بل متغرّباً أو غريباً عن ذاته، وهي العلامة التي تدل على تعقد الشرط الإنساني»
ويبدو أن هذه المقولة كانت تحمل إجابة من نوع ما. ابن سينا كان أقرب لهذا: التغرّب كعلامة على تعقد الشرط الإنساني.
كأنه كلما كانت الحالة الإبداعية عند الإنسان أكبر، كان التغرب عنده أكبر والازدواج، وتعقد الشرط الإنساني أكبر وأكبر. لهذا كان إنسان ابن سينا منفلتاً خارج الشروط المجمع عليها، وداخل رؤيته الخاصة فقط.
تعقد الشرط الإنساني يبرز في سيرة ابن سينا وانتقالاته المتعددة والكثيرة بين موائد الملوك وبين بُسُط الفقراء. يبرز في تعقّد تكوين عائلته المكونة من أب وأخ اسماعيليين، وأم يهودية، وابن شيعي. يبرز في تعقد موقفه ضد دين أمه وأخيه وأبيه وتحرّجه منهم، في الوقت الذي يتخذ من أخص أصدقائه إلى نفسه ورفيق سفره ورحلاته مسيحياً. يبرز في علاقته بالحكام والأمراء ومحاولته الإبقاء على ذاته المستقلة رغم قربه الحميم منهم. في ما يجزل له هؤلاء من العطاء أو المطاردة. في التزامه بأعباء الطب والوزارة والتعليم والتأليف في وقت واحد. في قلة ساعات نومه، وانصراف ليله إلى الدرس والكتابة والقراءة. في اشتغاله على نفسه بالعلم دون معلم. كانت حياة ابن سينا كما قدمتها الرواية ضرباً من الاغتراب والازدواج والتعقيد، وهذا يكفي ليجعلها رواية ضاجة بالحركة التي يمكن لمسها وشمها والإحساس بمشاغبتها بين يديك.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=57147

 

(1
مع ثلة من أصدقاء ومحبي الفلسفة، جاء احتفالنا باليوم العالمي للفلسفة في 18 نوفمبر الماضي. الاحتفال يقام للمرة الأولى في البحرين منذ أقرت اليونيسكو في 2002 الخميس الثالث من نوفمبر كل عام يوماً عالمياً للفلسفة. ميزته أنه جاء عفوياً وحميمياً ومرحاً، وبطريقة غير مُمأسسة ولا جماهيرية ولا متكلّفة ولا معقدة التنظيم، اقتصر على عدد من المشاركين والمهتمين والأصدقاء الذين تعنّوا له بشغف وتفرغوا له بحب، ما أتاح لنا الدخول في قراءات متعددة وطرح الإشكالات والتحاور حولها بطلاقة ومرونة كبيرتين.


لم يقتصر برنامج الاحتفال على النص الفلسفي الصرف «كما في فعالية قراءة نص كانط « ما الأنوار؟»، بل تداخل مع الرواية «قراءة في رواية الفيلسوف: ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، والسينما «مشاهدة ومناقشة فيلم الفيلسوف تولستوي: المحطة الأخيرة»، والرسم «ورشة النص الفلسفي والتشكيل»، والموسيقى «فلسفة العود عند إخوان الصفا»، وفي كل أمسية كان ثمة تعارف جديد ينتظرنا مع مهتمين جدد من حقل جديد، وكانت الفلسفة هي الجامع الذي يفتح الحقل على الآخر بسلاسةٍ وحيوية ومتعة. كان كل حقل مهيئاً للانسجام مع الآخر الذي يبدو بعيداً. ترددت مثلاً بشأن مدى تذوق الرسامين للنصوص الفلسفية، لكني تفاجأت بهم يدخلونها بمرح رشيق وبفلسفة خاصة. تلك التي جعلت النصوص تبدو فرحة باللون مزهوة بفعل الفرشاة فيها. يمكنني أن أقول أن الاحتفاء أتاح لي أن أتذوق أكثر مقولة سيوران «المعرفة هي ثمرة فوضى حميمية». الفوضى التي تجمع حقول مختلفة، وتخلق بينها بهجة كشف مشتركة، وتمازج ملون حميمي. وبالمناسبة، المقولة فتحت أيضاً شهية عدد من الفنانين المشاركين في ورشة الرسم، وصارت موضوعاً للوحاتهم وحواراتهم وضحكاتهم العابرة ليلتها. لماذا هي بالذات؟ ربما لأن الرسم، في شيء من أصله، هو فوضى أنيقة.

(2)
على رأس صفحتي الخاصة في الفيس بوك وضعت المقولة السابقة لسيوران. الكاتب الصحفي عقيل سوار ترك لي تعليقاً يستشكل الفوضى التي أحتفي بها. كتب: «السؤال كيف «نُعرِّف» الفوضى الحميمية من تلك التي أصبحت بعد سيوران «الفوضى الخلاقة» في خضم الفوضى العارمة التي تجتاحنا؟ هل من حالة العراق مثلا حيث أصبح الضحايا قتلة؟ أم مما تتوعدنا به حالتنا البحرينية؟».


في رأيي الخاص، أن ما يجري في مناطقنا في الحالة العراقية أو الحالة البحرينية لا علاقة له بفوضى الفلسفة الحميمية، بل بفوضى السياسة العنيفة، وفارق كبير بين فوضى الفلسفة وفوضى السياسة.


فالأولى، أي فوضى الفلسفة، ناتجة عن تفكيك الأطر «الثقافية والدينية والعرقية والسياسية والطائفية والقبلية والجماعاتية والمؤسساتية» التي تحكم فكر الإنسان، هي تعمل على تضييق سلطة تلك الأطر وفك هيمنتها على عقل الإنسان. ولأن التفكيك عملية تقتضي الشك والسؤال والحيرة، ولأنها تتضمن النبش والحفر والتقليب والتنقيب والكشف و«الخروج عن» و«التحرر من»، لذلك فالفلسفة فوضى بهذا المعنى. باعتبار ما تفسده من اطمئنان الإنسان ليقينياته الجاهزة التي ألقتها عليه ثقافته.
الفلسفة تطرح الإشكالات التي تُحرج سلطة الأطر وتُهد‍‍ِّد إحكامها. لا يمكن للفلسفة أن تعمل من داخل إطار. من لم يملك جرأة أن يتجاوز إطاره لا يمكن له أن يرى خارجه. الفلاسفة عبر التاريخ كان يبدأ تنويرهم الخاص بعد أن يتحرروا من سلطة إطاراتهم الفكرية والثقافية والدينية التي شكلتهم في مراحل حياتهم الأولى. ما إن يتجاوزوها حتى تبدأ إشكالاتهم الفكرية تغوص عميقاً في مآزق مجتمعاتهم. إنها إشكالات من صميم واقعهم ومن صلب ثقافتهم.


الفلسفة تقوم على جعل الإنسان يصل إلى فهمه بنوره الخاص. الفوضى هنا ناتجة عن تعدد الأفهام، والفلسفة تحتفي بهذا التعدد. لهذا فهي فوضى حميمية يكتمل بعضها بالبعض الآخر ويتداخل.


أما فوضى السياسة، فهي مختلفة تماماً، هي فوضى ناتجة عن احتكاك الأطر بعضها مع بعض، عن اصطدامها بعضها ببعض، عن اصطكاكها بعضها ببعض. السياسة فوضى القوة. من يملك القوة يتسيد ومن لا يملك يُسحل. هكذا نجد الأطر السنية تتذابح مع الأطر الشيعية في العراق مثلاً، والأطر الدينية هنا أو هناك، تتقاتل مع من يمثلون لها خصوماً دينيين.
السياسة بما هي فوضى القوى، تستنفر الأطر وتجعل الجماهير ترتهن إلى إطاراتها أكثر وأكثر. تجعلها ملتفة حول إطاراتها التي تعتقد فيها خلاصها ونجاتها وأمنها وحماية هويتها ووجودها الخاصين. السياسة تُعلي صوت الإطار «صوت الطائفة حيناً والجماعة حيناً والحزب حيناً والقبيلة حيناً والعرق حيناً والدين حيناً واللغة حيناً» وتحشد له وتصور خارجه أعداء يستهدفون الكبو بإطارنا الخاص لإعلاء أطرهم الخاصة. لذلك هي فوضى دموية عنيفة لا حميمية فيها.
(3)


يمكننا أن نفهم الفرق بين الفوضى الحميمية (الفلسفة) والفوضى العنيفة (السياسة)، بتأملنا الفرق بين دائرة الفيلسوفة هيباتيا التي كانت تشتعل بطلابها فكراً داخل مكتبة الإسكندرية في القرن الرابع الميلادي، وبين خارجها، حيث ساحة الجدل العام «أجورا»، يشتعل بها أصحاب الأطر الدينية والسياسية حرباً في الوقت نفسه «1». بين «فوضى» درس هيباتيا الذي جمع المتناقضين في دائرة يسمي بعضهم بعضاً أشقّاء، يحترم كل منهم الآخر ويتساوى به، وبين فوضى أجورا التي راحت تستعر بالمختلفين، وتحتفي بمذابحهم وتحشدهم للموت، تلك الفوضى التي سريعاً ما سيعلو صديد أوارها، وستجتاح المكتبة العظيمة، لتحرق كتبها عن آخرها، ولتحول كل شيء إلى فوضى تشبهها بلون الدم، ولتنتهي بسحل هيباتيا في شوارع أجورا، وهي حية!!


لا يمكن أن نتجاوز فوضانا العارمة ما لم نتجاوز فوضى أطرنا المستحكمة، ولن يحدث ذلك دون فلسفة تحرر أذهاننا من صيغ هذه الأطر، وتطلقنا نحو فضاء حميمي إنساني نتشارك فيه.
هامش:
(1) «نفس هيباتيا الأخير». صحيفة الوقت. العدد 1443- 2 فبراير

أعود للكتابة في صحيفة الأيام، البيت الأول الذي احتضن عدداً من أبرز الأسماء في صحافتنا اليوم، والتي بقت دائماً مكاناً أليفاً قادراً على احتضان الجديد، والمزيد. علاقتي مع صحيفة الأيام جاءت متقطعة وغير منتظمة، ربما لأن علاقتي بالكتابة كانت كذلك، وربما لأني لم أستطع بلورة ذاتي الكتابية قبل 2006م. لكن «الأيام» كانت دائماً باباً مفتوحاً، ويداً ممدودة.
هذه العودة، تعيدني إلى أجواء خاصة، تحديداً إلى 2001، حيث كل شيء في هذا الوطن ساخن وملتهب ومتحرك. السجون للتو أُفرغت من السجناء السياسيين. المنفيون والمبعدون يتقاطرون من الخارج. الميثاق يشهد تدشينه الجماهيري. الجمعيات تتشكل على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها السياسية والمهنية والاجتماعية. حرية الرأي تبلغ منطقة متقدمة وغير مسبوقة. الحوارات الساخنة تشغل الصحف والمنتديات والملتقيات. الشارع في لهفة الكلام والندوات تقام في كل مكان. كل شيء أشبه بالحلم الذي لم نعشه. هنا سأجد نفسي مدفوعة إلى الكتابة.
مقالي الأول الذي نُشر في صفحة «قضايا»، كان يحمل عنوان «فهل يغيرنا الحب؟». سؤال يقصد أن يستوقف فينا أفق التغيير الذي بدأنا نعيش ملامحه حينها، ويدعو اختلافاتنا لفتح قلبها على جامع الوطن. الكاتب سعيد الحمد الذي كان ولا يزال يحمل همّ القضايا التي تثقل كاهل هذه الصفحة، قال لي حينها ناصحاً، وباسماً: «اسمعي يا باسمة.. هذه الصفحة سياسية، وأنت تكتبين بلغة رومانسية، تخففي من رومانسيتك في الكتابة لتناسبي مزاج هذه الصفحة». الآن تغير نمط كتابتي كثيراً جداً، لكني لا أعرف هل تخلصت من (وصمتي) بالرومانسية أم لا، وفي الحقيقة لم تكن تقلقني هذه الوصمة – ما لم تكن تمثِّل وهماً ساذجاً وسطحياً – بل ربما العكس، فإذا كانت الرومانسية تحضر في مفهومنا العام على أنها حلم، والسياسة على أنها واقع، فإنه بدون الحلم يصبح الواقع غلاظة لا يمكن احتمالها ولا الاستمرار فيها.
يمكنني أن أعرِّف الرومانسية – في حدِّها غير الساذج – بأنها أنوثة تخفف من تبجُّح السياسة وواقعها الذكوري. فإذا كان الواقع يغصُّ بما تبنيه حضارات الذكورة من مآسٍ، كما في تعبير أنسي الحاج: «الرجل بنى حضارة الموت، حضارة القتل، حضارة الحرب، حضارة الغزو والنهب والاضطهاد»، فإن الأنوثة هنا (الحلم أو الرومانسية) تمثَّل اللطافة الذي تقترح وجوه أخرى محتملة للحضارة، وتمهّد لإحلالها بدل تلك المتصدّعة والعنيفة. «إحلال السلام محل العنف، واللين محل القسوة، والمتعة محل الواجب، والجمال محل الفعالية، والسحر محل السلطة» (1).
في 2001، كان أكثرنا – بنسبة 98.4%- يعيش أنوثة الحلم أو رومانسيته بدرجة أو بأخرى، قبل أن ترتد بنا ذكورة الواقع من جديد. جميعنا كنا فيما نحلم به من إحلال الواقع المُرّ بالآخر الذي لم نعشه: إحلال السلام محل العنف، واللين محل القسوة، والسحر محل السلطة، والائتلاف محل الخلاف، والتكامل محل التنابذ، والحوار محل الطرش، والإندماج محل النفور، والمساواة محل الاستئثار، والعدل محل الفساد، والوطن محل الحزب والجماعة والقبيلة والطائفة. وجميعنا لم نكن نتمنى أن نفيق من الحلم. لا أحد ينكر هنا كم سَحَرَنا هذا الحلم وكم بهرنا وكم حوّلنا وكم استفز قلوبنا ومشاعرنا وتوقيعاتنا ومواثيقنا وحِراكنا، وكم فتح شهيتنا لصفحة جديدة. هل كان يمكن أن يحدث شيء لولا أن السلطة السياسية اختارت حينها أن تدخل قلوب الناس عن طريق الحُلم؟ ولولا أن رومانسية هذا الشارع (بحدها الإيجابي) اختارت التعاطي مع هذا الحلم من أجل إحلال واقع جديد محل القديم؟!
مجموعة «أُوال» الحوارية الإلكترونية، هي إحدى تجليات الانفراج السياسي، وواحدة من المجموعات الحوارية والمنتديات التي سيّرها عطش الشارع للحوار المفتوح في ذلك الوقت، استقطبت عدداً من أبرز الصحفيين والمثقفين والكتاب والسياسيين. كان كل منهم لا يزال يحاول لملمة صيغة توافقية تبقي الحُلم في داخله وفي خارجه بمأمن من التصدّع. في هذه المجموعة شهدتُ لأول مرة الحوار بوصفه شهقة المختلفين، الرقي الذي يبقيك في احترام جميع الآراء وأنت تنصت لها من زوايا المختلفين. كانت القلوب لا تزال مساحة التقاء، والأفكار لا تزال بضة طرية (ولنسمها رومانسية أو حالمة) في مختبر حوارنا الافتراضي، نعم هكذا كانت، قبل ان يترهل كل شيء في مختبرات واقعنا الذي سنعيشه فيما بعد، وقبل أن تتشتت الأسماء، ليبرز بعضها داخل دهاليز السياسة بعنف أحياناً، ويتطرف بعضهم في رجم بعض.
وهكذا سريعاً ما يصرع الواقع الصورة الرومانسية التي نحلم بها، لكننا نظل نتمنى أن لا يغادرنا الحلم، أو لا أقل من أن يبقى فينا شيئاً منه، بعد أن يفقدنا الواقع براءتنا.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=54918

 

سألتني زميلتي (الإسلاموية): هل وجدت ثمة ما يُلفت في معرض الكتاب؟

قلت لها: لن أفيدكِ برأيي في شيء يا عزيزتي، فما أقصده أنا في معرض الكتاب يختلف عما تقصدينه أنت، أنت تقصدين دور نشر إسلاموية شيعية على نحو دار الهادي والأعلمي والمحجة البيضاء والكلمة الطيبة والولاية وأهل البيت، وأنا أقصد دور نشر فكرية ثقافية على نحو دار الساقي والجمل والمنظمة العربية للترجمة والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهما وجهتان مختلفتان تماماً. دور النشر الأولى تزرع اليقين وتثبّته، أما الثانية فتصدم اليقين وتهدِّده، فهل تراني أفيدك؟

صرخَت: لا لا.. اتركيني في يقيني، ولن أسالك عن رأيك المهدِّد مرة أخرى. ضحكنا معاً.

قبل الألفية الجديدة، لم أكن أعرف غير دور النشر الأولى، منها أستمد كل قراءاتي، وبها أصيغ يقيناتي ومفاهيمي ونظرتي إلى الحياة

والله والآخر، أما الأخرى فلم أقاربها، بل لم تكن موجودة في خارطتي الذهنية. عندما أصادفها في معرض الكتاب أرى إليها بتعالٍ وانتقاص، أنها كتب مترفة ذات عناوين معقدة وفارغة، لا تقدم ما يبصّر الإنسان بهدف دنياه وآخرته، أي قيمة يمكن أن تكون لمثل هذه الكتب. الآن، لا أجدني إلا هناك، حيث الإنسان يختبر وجوده الخاص ومفاهيمه الخاصة ورؤيته الخاصة وتجربته الخاصة، بل وجنته وناره الخاصتين.

مؤخراً أيضاً، قررت أن أقوم بجرد مكتبتي الخاصة. أخليتها تماماً تقريباً من الكتب الإسلاموية، تلك التي شكلت منطقة تديني نهاية الثمانينات وخلال التسعينات، قبل أن أغادر إلى منطقتي الأخرى الآن. هذه الكتب قرأتها بشغف ولهفة الجيل الذي عاصر تدفقها إذ ذاك: "الأربعون حديثاً"،"الآداب المعنوية للصلاة" ،"جهاد النفس" ،"أسرار الصلاة" ، وغيرها الكثير للإمام الخميني الذي بهرنا حينها بعرفانيته بقدر ما حيّرنا بسياسته. "القلب السليم"، "الذنوب الكبيرة" ،"جنة الخلد"، "الاستعاذة"،"القصص العجيبة" ،"التأمل" لـ(عبد الحسين دستغيب) الذي أخذنا حينها في ذنوبنا الكبيرة وقلبه السليم، وكتب أخرى كثيرة للمطهري ومحمد جواد مغنية وجعفر السبحاني والكوراني وحسن أبطحي وأسماء ليس يسعها المقال هنا. تبرعت بهذه الكتب كلها لمن رغب بها من الزملاء والزميلات الذين لا يزالون يبحثون عن طاعة وتسليم وامتثال ويقين يقيهم شر النار ويدخلهم الجنة. أعلنت أن لم تعد لي حاجة فيها. أبقيت لنفسي فقط القليل جداً مما له رائحة ذاكرة حميمية عندي، فقد أعود يوماً لأسترجع الذاكرة، لا النص.

استنكرت إحدى الزميلات: يعني صارت هذه الكتب (كُخّة) بالنسبة لك الآن؟

قلت: ليس هكذا، هذه كتب قرأتها بكلّي في مرحلة من مراحل حياتي، ولست أتنكر لها، بل هضمت عصارتها بشغف حينها، لكن عصيرها الآن، ما عاد يغوي ذائقتي التي تجاوزَتها، فتلك لا تزال تتحرك بين جنة ونار متعاليتين أزليتين جامدتين معدتين سلفاً، في حين، راحت ذائقتي تعيد رسم جنتها ونارها بوعي تصنعه ذاتي لحظة بلحظة، وشرابها حب هامل..