فراشة باسمة

بالنسبة لي، الثقافة ليست شيئاً آخر غير التحريض على التنوير والتحرير. هذان هما المشروعان اللذان يمكنني أن أفهم من خلالهما المدينة التي تطرح نفسها عاصمة للثقافة. الثقافة التي لا تملك مشروعها في تحرير الفرد من مختلف أشكال السلطات هي محض استهلاك. الثقافة التي يناهض مشروعها استبداد السلطة الدينية من جهة، ويقف جنباً إلى جنب مع استبداد السلطة السياسية، هي ثقافة عبودية أو مصالح. الثقافة التي يتغير موقفها تجاه الحرية بتغير (دين أو عقيدة أو انتماء أو عرق أو أصل) من يطالب بها، هي ثقافة كاذبة ومزيفة.

الثقافة لا تفرق بين سلطة وأخرى، ولا بين مطالب بالحرية وآخر، مهما اختلف شكل السلطة أو الفرد أو الجماعة. الحرية قيمة مطلقة وكل شيء يتبعها لا العكس. المثقف الذي يدعم الحركات المناهضة لاستبداد السلطة الدينية، ثم يقف صامتاً (أو معادياً) للحركات المناهضة لاستبداد السلطة السياسية، هو فاقد لمصداقية التنوير.

التنوير أشار إليه كانط على أنه خروج الإنسان عن حالة قصوره وعجزه، والتحرر هو جرأة اتخاذ الموقف للتخلص من هذا القصور. الشعوب العربية في ربيعها العربي أرادت الخروج من قصور عبوديتها نحو اكتمال حرياتها. أرادت أن تقود قصورها نحو الديمقراطية، أن تعيش تجربتها الديمقراطية الخاصة، وأن تكتمل بها وتتطور تدريجاً من خلالها.

الشعب البحريني، ليس خارج هذا السياق. طالما كان سباقاً، أراد أن يخرج من قصوره الخاص. أراد أن يطالب بحقوقه كشعب راق ناضج، لا كتابع ذليل. أراد أن يكون سيد نفسه، أن ينتخب حكومته بنفسه، أن يحاسب هو قصورها، أن يبتكر مؤسساته الشرعية التي تمكّنه من مواجهة قصور الاستبداد والفساد والتوزيع غير العادل لثرواته. السلطة تريد إبقاء الشعب في ذل قصوره إليها، في عبوديته المطلقة لها، في ركوعه وخضوعه واستسلامه. تريد أن لا يخرج عن عجزه أبداً، أن يكون تحت رحمتها، وتكون هي المتحكم المستأثر بكل شيء.

في مدينتي التي كنت أحلم أن أحتفي معها كعاصمة الثقافة العربية لعام 2012، صُدمت بالزلزال المكارثي الذي ارتجّ بنا منذ إعلان حالة السلامة الوطنية حتى اليوم. لا أحد يمكن أن يصدق، ما لم يكن قد عاش فعلاً ما حدث في البحرين خلال الأشهر القليلة الماضية. حلم 14 فبراير عرّى وجه هذه المدينة التي تتوج نفسها اليوم عاصمة الثقافة العربية. جعلها تخلع قناع الثقافة والتنوير والتسامح والتعدد والتعايش والحرية الذي كانت تروجه عن نفسها. وانكشف وجه ثقافتها الحقيقية، إنها ثقافة القتل، والعنف، والانتقام، والقصاص، والقمع، والتنكيل، والتعذيب، والإذلال، والتخوين، والكراهية، والسحق، والتجويع، والحرمان، والهتك، والدهس، والبلطجة، والوشايات، والتشفي، والميليشيات المسلحة، والتقسيم المجتمعي وإشعال الفتن الطائفية والمحاكم العسكرية. إنّها ثقافة تكميم الأفواه وأي صوت يطالب بخروجه عن قصوره السياسي.

في المدينة التي تتوّج نفسها اليوم عاصمة الثقافة العربية، صار من يطالب بخروج مؤسسات الدولة عن (قصور) استملاك القبيلة هو طائفي! ومن يطالب بخروج الشعب عن قصور عبودية السلطة هو خائن! من يطالب ببرلمان غير قاصر (كامل الصلاحيات) هو عميل! من يطالب بحكومة غير قاصرة (منتخبة من قبل الشعب) هو صفوي! من يطالب بدستور غير قاصر (يضعه الشعب) هو مجوسي! وصار من يقبل أن يعيش كامل قصوره وعبوديته شريفاً وطنياً!

في مدينتي التي ترفع شعار عاصمة الثقافة العربية لعام 2012، عشت أعنف صدمة ثقافية لمفاهيمي النظرية التي لطالما تغنيت بها، رأيت كيف تجعلها السلطة ــ عبر لعبتها المترهلة ــ تتكسر على أرض الواقع كأبشع ما تكون، رأيت كيف يسقط المثقفون فيها قبل البسطاء. رأيت كيف أننا بحاجة لرفع شعار تخليص المدينة من قصورها، لتكون مكاناً آمناً للحلم، قبل أن نحلم أن تكون عاصمة للثقافة.

http://al-akhbar.com/node/34861

DSC_6570

باسمة القصاب

يدعو أوباما في كتابه “جرأة الأمل”، من يريد أن يفهم الديمقراطية، أن يراها “كحوارٍ يجب إجراؤه، لا كبيت يجب بناؤه”.

ما الفرق بين ديمقراطية البيت الذي يجب بناؤه، وديمقراطية الحوار الذي يجب إجراؤه؟

ديمقراطية البيت تُعطي معنى البناء الثابت (المستقر) غير القابل للتغيير. البيت المصمّم وفق مقاسات معديه ووفق مرئياتهم الخاصة. البيت يفرض على من يجيء تالياً أن يتكيف مع مقاسه المُسبق وتصميمه الذي لم يشارك في اختياره. عليك أن تكون خاضعاً لحدود هذا البيت وإلا لا مكان لك في غرفه وفي ساحته الخاصة، وإذا فرضت المستجدات من حولك إحداث تغيير ما، فإنك لا تغير أكثر من أثاثه أو بعض ديكوراته، ويبقى البناء هو ذات البناء. الهدم قرارٌ صعب ومكلّف وثقيل، وإعادة البناء غالباً ما تتطلب معارك وتضحيات وأثمان باهظة.

ديمقراطية الحوار الذي يجب إجراؤه، تفتحك على الممكن (الحوار) لا على الحاصل (البيت). هي مختلفة، من حيث أنها عملية استمرارية غير مرهونة ببناء مستقر يجب عليك أن تتوارثه جيلاً بعد جيل، وتبقيه كما هو إلا مع تعديلات طفيفة هنا أو هناك. البناء يتوقف بعد الانتهاء من انجاز خريطة البناء، بينما الحوار عملية جارية ومستمرة وغير منتهية. الحوار قابل للتغيير والنقض والتبديل ويمتلك القدرة على التلاؤم والتكيف مع المستجدات والمتغيرات وما يطرأ من أحداث. لذلك يمكننا أن نرى إلى الحوار على أنه تراكم والبناء على أنه وقف. ففي حين أن التراكم لا ينتهي ولا يقف عند سقف معين، فإن البناء له طاقة استيعابية محدودة يقف عندها.

في ديمقراطية الحوار ليس مفروضاً عليك أن تسكن بيتاً قديماً آيلاً للسقوط وغير قابل للترميم. البيت الذي تم تشكيله قبل قرون وفق مقاس القبيلة، هو بيت لا يستوعب مقاس الدولة الحديثة ولا يجيد التعامل مع مؤسساتها إلا من خلال قوانين القبيلة لا قوانين الدولة. ستبقى الدولة في هذا البيت غير منجزة حسب أستاذ علم الاجتماع عبد الهادي خلف. وسيبقى نظام القبيلة معطِّلاً دائماً لأي تغيير يتطلب الهدم. وسيكتفي في حال باغتته المستجدات وفرضت نفسها عليه، أن يغيّر قطع أثاث هنا وهناك، وأن يبتكر ديكورات حديثة هنا وهناك.

لا يمكن لديمقراطية أن تنجز إصلاحا حقيقياً داخل بيت أهلكه الاستبداد والفساد والسرقات. بيت ضلُع في مخططات ومؤامرات تستهدف شعبه. بيت أعمدته من تأزيم. الديمقراطية بحاجة إلى حوار يُجريه ميدان الشعب، لا بيتٌ تُجريه السلطة. حوارٌ قادر على مسائلة هذا البيت ومحاسبته وقلع رموز فساده. فخارج هذا البيت تنتظرنا العديد من القضايا والملفات العالقة والمتعلِّقة، بحاجة أن نوجِد لها حلاً. حلّها في الميدان العام الذي لا يوجد فيه بيت يملكه أحد من الناس، بل كل الناس.

 

ميدان

عدسة حسين المحروس


باسمة القصاب

هل يمكن لخطاباتنا أن تغادر خصوصية لونها الواحد، وأن تأتلف مع لون غيرها، دون أن تتواجد معه في مختبر عمل واحد؟

مساء اليوم الأول من الاعتصام في الدوار (١٥ فبراير)، كتبت على صفحتي في الفيس بوك وفي تويتر: لن يتحول (دوار الؤلؤة) إلى (ميدان تحرير) حقيقي، ما لم يشعر الجميع على اختلاف توجهاتهم الدينية والفكرية، أنه المكان الذي يمثلهم جميعاً، وأنه يعبر عن مطالبهم ورؤاهم، لا أنه يمثل طيف واحد، أو لون واحد.

يبدو أن هذه العبارة لا مست حينها هواجس كثيرين علقّوا وأرسلوا. استشعروا مثلي أن بعض الهتافات بدت كأنها تنطق عن ثقافة خاصة. ورغم تفهمي للخلفية الدينية التي ترجلت منها تلك الهتافات بشكلها العفوي، إلا أني لم أجد بداً من الإشارة أنها تناسب سياقات دينية خاصة، لا تجمعاً مدنياً عاماً يدعو إلى الديمقراطية والحرية، ولا فضاءاً عاماً يشترك فيه الشيعة والسنة والإسلاميين وغير الإسلاميين. كان ذلك في اليوم الأول.

في اليوم التالي استطعت أن ألمس بوضوح، تراجع هذا النوع من الهتافات، وتكثيف الشعارات ذات الخلفية الوطنية العامة. شعار “لا سنية لا شيعية كلنا وحدة وطنية” كان الأبرز. سنجد أيضاً تنوعاً ملفتاً فيمن يصعدون المنصة ليلقوا خطاباتهم الوطنية، واستحضار لأناشيد وطنية.

الصديقة سعاد الخواجة من جانبها، وضعت على صفحتها في تويتر مساء (١٦ فبراير): أثناء مروري على الدوار، أحدهم على المنصة يصيح في الميكرفون: “نداء لأخواتي.. عليكن بالحشمة”. بعد قليل تعود سعاد لتضع تويت آخر يشير إلى أن شاب آخر قد تدارك الأمر، حين أمسك الميكرفون ليقول فيما يشبه الاعتذار: “إنها مسألة حرية شخصية”.

كان تداركاً سريعاً إذن. الخطاب الذي ينطق عن مخزون ديني، تم لفته إلى أن الميدان مكان مدني. والمكان المدني قابل لكل الصور المتنوعة. بل أنه يتسع ويثرى بكثرة ما يستوعب من تنوعات.

الخطاب بدأ يتنقح أكثر بعد العودة بتاريخ(١٩ فبراير)، إثر ما عرف بيوم تحرير الدوار. بدا أكثر حرصاً على الاحتفاء بالتنوع الوطني المتواجد هناك، وأكثر اهتماماً بتشجيع هذه التنوعات لتصعد منصة الكلام. الأسود الذي كان طاغياً على نساء الدوار في اليوم الأول بدأ يداخله اللون. الألوان بدأت تشعر أنها ليست وجودات شاذة وسط السواد. والأسود بدأ ينسجم مع الألوان التي راحت تمازجه في حضور جميل. من هنا يمكننا أن نتحدث عن إئتلاف عملي، لا كلامي. فالألفة يخلقها الإلتقاء لا التباعد. لا ينشأ الإئتلاف وسط تباعد يفصل بين مكانين أو جماعتين، بل عبر اجتماعهما معاً في مكان واحد يأتلف بهما، قبل أن يأتلف بخطابهما.

هكذا تتعلم خصوصياتنا أن تغادر مناطقها إلى منطقة عامة ليست تخصها وحدها. وبهذا يُشهد لميدان اللؤلؤة أنه أول مختبر حقيقي يجمع ألوان فكرية مختلفة من إسلامية وعلمانية، يتهجون فيه حروفهم الأولى المشتركة، ويصوغون من فوق حشيشه، ومن تحت لؤلؤته الشامخة أعمدتها، أبجديات خطاب وطني مشترك

طفلة  طفل

❑ الثلاثاء ١٥  فبراير ٢٠١١

طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة، تجلس عند خيمة صغيرة فُرشت لحمايتها من البرد، تحمل لافتة مكتوب عليها “نحن أهل سلم”. آخر يحمل علماً كبيراً للبحرين، يفوق طوله بكثير، تكاد لا تلحظه لولا أن ترى علماً يبدو كأنه يتحرك وحده. فتيات يلتففن حول مجموعة من الأوراق البيضاء الكبيرة، يكتبن عليها شعارات باسم الوطن. شباب يفترشون الأرض، بعد صباح طويل، يتناولون وجبة خفيفة، أسألهم: وماذا عن نظافة المكان. يقولون: الفضلات نلقيها في هذه الأكياس، لا تقلقي فالنظافة أولاً. ابتسم وأغادر. تلك بعض التفاصيل القريبة. لكن ما إن ترفع بصرك قليلاً، ستجد حولك ألوفاً، وقوفاً، يتحلقون حول شعارات وهتافات تصدح حول دوار اللؤلؤة. الدوار المركزي في العاصمة والذي صار يوصف الآن بميدان تحرير البحرين، أو ميدان اللؤلؤ.

الآن عصر ١٥ فبراير. المحتجون وصلوا قبل قليل إلى الدوار قادمين من مراسم دفن الشاب علي مشيمع. قُتل برصاص الأمن إثر خروجه في مسيرة احتجاج سلمية أمس. الصباح كان ملتهباً وغاضباً. السخط الشبابي على رجال الأمن بلغ أقصاه، انفجر بعد قتل شاب آخر هو فاضل المتروك في مسيرة تشييع الأول وتخلف جرحى. صار الأمر أكثر هيجاناً. الجميع يصر على “سلمية”، لكن الشعارات لم يكن ممكناً كبح جماح غضبها.

بعد عنف الأمن المتواصل من صباح ١٤ حتى صباح ١٥، انسحب رجال الأمن. تزامن ذلك مع خطاب الملك الذي أبدى أسفه على فقد الشابين وأمر بتشكيل لجنة تحقيق. الإنسحاب بدا مراجعة من قبل الحكومة لعنفها، أو محاولة لامتصاص الغضب الذي بلغا سقفاً عالياً جداً. تُرك للمحتجين أن يمارسوا شعاراتهم في دوار اللؤلؤة. كانت هادرة ومنفعلة. مكبرات الصوت لم تحضر الميدان بعد. جماعات كثيرة تتوزع المكان يهتف كل منها بغضب.

لا تبدو الشعارات أنها تعبر عن المطالب الأولية التي دعت إليها البيانات السابقة لـ١٤ فبراير. المطالبة “باصلاح النظام” تحولت بعد أحداث اليوم الأول إلى مطالبة “باسقاط النظام”. هذا عن الهتافات المتفرقة. لكن ماذا عن البيانات التي تمثل المعتصمون؟ لا تزال الرؤية غير واضحة في ذلك الصخب. 

لا شك أن الألوف التي افترشت دوار اللؤلؤة والمنطقة المحيطة، استلهمت من ثورة ميدان التحرير في مصر الكثير. سلمية الحركة هي الإلهام الاكبر. مع المساء كان ثمة تنظيم قد بدأ. مكبرات الصوت تحضر إلى الميدان. يتكشل مسرح يلتف حوله المعتصمون والمشاركون. تختفي التجمعات الصغيرة هنا وهناك، يتحول الجميع إلى مركز واحد حول نصب اللولؤة. يُعلن عن بدء تشكيل لجنان منظمة. يُدعى الجميع للمشاركة. تُنصب بعض الخيم. يُعد مسرح للخطابة. تُوظب شاشة بث مباشر. تُوفر بطانيات ووجبات طعام.

تبقى الشعارات بحاجة إلى أن تنفضّ عن ارتجالها المنفعل. أن تأتي بمقاس يسع التنوع والتعدد والاختلاف. أن تأتي محمولة على قلب وطن. ثمة من يعد (من فوق المنصة) بتوحيد الشعارات وتقنينها.

الوصول إلى الدوار يصير أكثر صعوبة. كذلك الخروج. شباب ينظمون حركة السيارات. يبدو الجميع وكأنه يتقبل الازدحام بروح مرحة. المكان يبدو أريحيا رغم سخونة الشعارات وانفلاتها. الوجوه تبدو أقل تجهماً وأكثر تبسماً. ربما شعور بأن شيء من الغضب أزاحه التعبير. ثمة ما يوحي بأن الناس هنا بدأت تتنفس. الأهم، أن لا رجال أمن يهددون الكلام. الطقس يلهم الأنفاس أن تستحضر قلب الوطن.

 

❑ الأربعاء ١٦ فبراير ٢٠١١

يوم قبل المجزرة.. يصلي المعتصمون سنة وشيعة صلاة ظهر واحدة. صفاً واحداً لا صفين. اللؤلؤ يحمي ظهورهم وفي عيونهم فضاء وطن.

الشباب يعيدون طلاء نصب اللؤلؤة. بالأمس، كتبوا انفعالاتهم الهائجة بعد عودتهم من دفن  الشهيد الأول. كتبوا: الشعب يريد إسقاط النظام. كتبوا: الله خلق الإنسان ليعيش حراً. كتبوا وكتبوا.. لكنهم اليوم أكثر تعقلاً وأكثر هدوءاً. ها هم يعيدون النصب نحو البياض، بل يزيدونه نصوعاً لؤلؤياً..

تمر مسيرة مناوئة تهتف باسم النظام. تحمل أعلام البحرين. من طريق الدوار تحديداً تمر، حيث المعتصمين. إستفزازاً؟ ربما. هتافات تناقض الهتافات. تتعالى الأصوات. الشباب المعتصمون يتجهون نحو مناوئيهم: سلمية سلمية، يقولون. يمدون لهم شيئاً من الحلوى. يبتعد المناوؤن عن الطريق.

قبل المجزرة بساعات.. أرى خيمة تجلس عند بابها سيدة أجنبية. وحدها تجلس وسط كل هذه الحشود المجتمعة. ألتقط لها صورة. تبتسم. أسألها ما إذا كانت صحافية. تهز رأسها بالنفي: فقط أعيش هنا في البحرين. كيف ترين الحدث؟ أسألها. بانفعال سعيد تقول: رائع ما أرى، جميل هذا الحراك، الناس رائعين ولطفاء، أنا سعيدة بتواجدي هنا.

قبل المجزرة بساعات أيضاً.. ألتقط صورة لفتاة تحمل حاسوبها الشخصي وتستند إلى جذع شجرة. ترافق عائلتها التي تجلس في طمأنينية بسيطة. وقريباً منها، أرقب لجنة الاسعافات الأولية تعد نفسها. تنظم أدويتها وأدواتها وترتدي ما يشير إليها. تختصر لها مكاناً صغيراً، وخيمة. شباب وشابات بلباسهم الأبيض يجهزون لطارئ بسيط يأتي. هل كان أحدهم يتوقع لوهلة، أن الطارئ الذي سيأتي فجراً بعد ساعات قليلة، لن يحتمله مجمع طبي كامل (السلمانية)، وسيفزع له طاقم طبي كامل.

قبل المجزرة بساعات أيضاً.. بالكاد أستطيع الحركة داخل الدوار.أخيراً أصل المنصّة بعد جهد وزحام. كلما اقتربت من المنصة صار الزحام أشد والحركة أصعب. المنصة هي هدفي عصر ذلك اليوم. مكنني من  الوصول توقف الهتافات استعداداً للصلاة، وانفضاض الناس إلى حد ما عن المنصة. أطلب الإلتقاء بأحد المنظمين. يسألني أحدهم: أي صحيفة تمثلين. أجيب: صحافة حرة تمثل نفسها. يأتيني أحد الشباب. نأخذ طرفاً للحديث. أسأله في كثير من الأمور. أقف أكثر عند الشعارات التي تبدو منفلتة وغير مروضة. يخبرني أنهم يعملون على التقنين. يشرح لي عن صعوبة التحكم في انفعالات الغاضبين: “لأول مرة نعيش تجربة كهذه. العدد كبير. وصل بالأمس في ذروته إلى ما يقارب ٤٠ ألف. صعب أن نتحكم في كل الشعارات والهتافات الصادرة من كل هذا الجمع. نحتاج قليلاً من الوقت لنسيطر على الإنفعالات ونوجهها. نعد بذلك”.

أسأله عن شعار ” الشعب يريد إسقاط النظام” إلى أين تذهبون بهذا الشعار؟ يؤكد: “لا يتجاوز اسقاط الحكومة، نريد مملكة دستوية. هذا سقفنا المتفق عليه. الناس لبسها الشعار لفرط ما ثبّتته التجربة المصرية. نحن نعمل على توجيه الشعار وتعديله بما يتناسب مع مطالبنا. لا نحتاج سوى لقليل من الوقت”.

لكن.. لم يدرك الصباح الشعار ليتوجه نحو التقنين، ولم يدرك الصباح الميدان ليغسل وجهه بالضوء، ولم يدرك النيام أن يوقظهم سلام الأذان، فقد كان الليل يخطط لاغتيال الفجر، ولم تستيقظ الصلاة..

قدر

في مقالهِ “سقوط خرافة الاستقرار”، يرينا الكاتب المصري محمد حسنين هيكل، كيف أن أي مطلب تغييري في مجتمعات القمع والاستبداد، أو أية محاولة إصلاحية حقيقية، يجري تكميمها وإلغائها باسم المحافظة على الأمن والاستقرار في البلد. تحذّرك هذه الأنظمة، بأن عليك أن تتعايش مع واقعك المتهرئ بالفساد والنهب والاستبداد والقهر، لكن المستقر، كي لا تقع في فوضى غير مستقرة ستأتي. تصوّر لك أن ضياع الاستقرار هو مصيرك ومآلك الذي ينتظرك ما إن تخرج عن قبضة استقرارها. وحين تقوم بما يهدد ثباتها المميت، فإن أول ورقة لعب تحركها، هي ورقة الفوضى البلطجية، لتوهمك أن ليس لديك إلا خياران، إما هي وإما هذه الفوضى البلطجية.

حتى آخر قطرة رمق للسلطة، يرواح نظام (مبارك) عن مكانه بهذه الورقة. تحذير الشارع المصري أن ما يحدث زعزعة لاستقرار مصر، وأن “عليه أن يعي ما يدور حوله من أمثلة لعدم الاستقرار”. حتى آخر قطرة، يطالب الشعب بالحفاظ على مكتسب الاستقرار الذي يوفره نظامه.

إنها التفاهة التي توهمك أن القِدْرُ المشحون مستقرٌ على النار، فيما درجة الغليان داخله ترتفع منتظرة من يرفع الغطاء. هذه الأنظمة تُشبه هذا القِدْر الذي يبدو من الخارج مستقراً، لأنك لا ترى كيف أن النار (نار الفساد والتضييق على الحريات وإلغاء مواطنية الإنسان) تعمل على هز استقراره من الداخل، فتنسى أن لحظة الانفجار ستقع في لحظة ما. وحين يقع الانفجار، تحاول هذه الأنظمة أن توهمك أنه وليد لحظة التخلي عنها، لا أنه محصلة نارها.

ما الذي يحفظ استقرار (قِدْر) الدولة؟

يحفظه عدم الاستخفاف بقَدَر مواطنيها والمؤسسات التي هي مسؤولة عن حفظ قَدَرهم وأقدارهم. الاستقرار “معناه الحقيقي الاتساق مع مبادئ الحرية والعدل وكرامة الإنسان” [1]. أما الاستقرار بالنسبة للأنظمة المستبدة هو استقرار لقوتها المسيطرة على الدولة، لا استقرار الإنسان في الدولة ولا استقرار الحرية ولا استقرار العدالة ولا استقرار المساواة ولا واستقرار المجال العام ولا استقرار المجتمع المدني الذي تقر الدولة وجوده ودوره الحقيقي في المجتمع.

ماذا قدم استقرار (قِدْر) مبارك؟

لقد قوَّض (استقرار) نظام مبارك قَدْر مصر التي كانت تمثل عربياً الموقف والمبدأ والتاريخ والثورة والنضال والتنوير وأحالها إلى مصر فاقدة لأي دور حقيقي داخلي أو خارجي، عربي أو إقليمي.

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك الأحزاب السياسية والمؤسسات القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع، وقوّض المجال العام محيلاً إياه إلى مجال مخنوق من الكلام والحركة والفعل الحر.

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك قَدْر المواطن الحر وصاحب المبدأ “إن الحقيقة العارية أننا أصبحنا، بفضل الحكومة الحالية وبفضل سكوتنا عليها، مجتمعاً من المرتشين والمنافقين مهما حاولنا أن نهرب من هذه الحقيقة”[2].

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك من قدر كرامة المواطن المصري ” كرامة الإنسان في مصر.. كالأبقار والدجاج والأرانب والنمل.. أصبحت دماء المصريين رخيصة، وكرامتهم بلا قيمة.. لماذا يهان المصري في الخليج، ويموت في العراق، وينكل به في ليبيا، وأخيراً السودان؟” [3]

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك الاقتصاد في مصر، وأحاله إلى اقتصاد نهب وفساد ورشاوي واستيلاءات وسرقات. وفي الوقت الذي تبلغ الأموال تحت يد الأسرة الحاكمة حوالي 55 بليون دولار أمريكي، فإن متوسط دخل الفرد المصري يبلغ ٩٨ جنيهاً للفرد شهرياً، فيما خط الفقر ١٦٤ جنيهاً للفرد. لقد قوّض الطبقة المتوسطة، وأحال البلد إلى قلة من الأثرياء والسرّاق يستولون على المال العام، وأغلبية فقيرة غارقة في الديون.

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك مكانة رجل الدين وجعله مسبحاً باسم النظام. إصدار “تعليمات مشددة لأكثر من 54 ألف إمام بضرورة توحيد خطب الجمعة تحت موضوع واحد وهو “وجوب طاعة ولي الأمر”، والتشديد على أن مخالفته معصية لله وخروجا الإسلام عملا بنص القران الكريم “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” [4].

لقد قوّض (استقرار) نظام مبارك دور المثقف الذي وظيفته كشف تفاهة السلطة وفضح آليات استبدادها واستحواذها وقمعها، جعله أحد أدواتها وممثلاً رسمياً لها ومتحدثاً باسمهاً وحاملاً لحقائبهاً كما المثقف جابر عصفور (الذي لحم كتافه من قِدْر النظام) والذي صار مهمته المحافظة استقرار النظام بدلاً من إقرار الحرية. وراح يقرّ النظام ويُقْسم للنظام ويحمل حقيبة وزارة ثقافة النظام. وكما مع شاكر النابلسي المثقف الليبرالي (التافه) الذي راح يركّب الآداب السلطانية التي تجوز توريث الحكم في التراث، على الدولة المدنية الحديثة. وليعطي بذلك مشروعية لتحويل الجمهوريات إلى سلطانيات.

هل كان نظام مبارك نظام استقرار؟ أم كان قدراً يطبخ غليانه على مهل ليوهمنا في لحظة انفجاره أنه لم يكن يحمل انفجاره في بطن نظامه؟

***** 

احذروا الثورة قبل أن تأتي..

كل شيء يمكن أن يتدارك قبل انفجار القِدْر (الثورة)، لكن لا شيء يمكن ترقيعه بعد أن تقوم. ليس سوى الغضب والهيجان والانفلات وغير المتوقع. كل شيء يصبح خارج الترقيع وخارج اللملمة. الثورة لا تعترف بالترويض بل بالتحريض. زمن الثورة لا يعود أبداً للوراء، كل شيء يصبح أمامها. الثورة تخلق زمنها وتلهم ما بعدها. لا قوة يمكن لها أن تقمع ثورة يائسة صبّرت نفسها طويلاً. لا أحد يمكنه أن يوقف ثورة أجلت طويلاً تاريخ قيامها. ثورة بقت في ترقب إصلاح يأتي من تلقاء نفسه، أو من تلقاء إلحاح طويل مذل. لا أحد يمكنه أن يكبح انجرافها حين تسحبها سيول الشعب. الإصلاح والتغيير ومحاولات الترقيع تصبح تفاهة بعد أن تنفجر. لن تقنع بغير خلع جذري. خلعٌ يُسقط الأنظمة المستقرة، لينشئ استقراره الخاص بطريقته الخاصة..

هوامش:

[1] محمد حسنين هيكل: سقوط خرافة الاستقرار

[2] عمرو إسماعيل: نحو التغيير في مصر…ما نحتاجه الآن جمال عبد الناصر ديمقراطي

[3] من مدونة يا مبارك أنا خائف.

[4] http://naqed.info/oldforums/lofiversion/inde…‏

 

البوعزيزي

يقول الإمام علي: «ما دخل الفقر قرية إلا وقال للكفر خذني معك».
ويقول:«عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه».

****

الجوع يدخل في نسق الفقر. وبالفهم الحديث، يمكننا أن نقول أن الجوع يدخل في نسق الفقر والحرمان والبطالة والقهر والظلم والإحباط والفساد والاستبداد والطغيان . إنها تركيبة مدنية شديدة التعقيد وحالة إنسانية شديدة الإرباك .صعوبة تأويل الحدث التونسي تأتي من صعوبة فك هذا التركيب.

الشاب التونسي»الجائع»، الذي أشعل بجسده ثورة «الجياع»، هو نتاج هذا التعقيد وهذا الإرباك. الحالة الـ«بوعزيزية» وتداعياتها، لا تزال تُربك، ليس فقط الأنظمة التي باتت تخشى «من لا يجدون قوت يومهم»، أن يخرجوا شاهرين حريق أجسادهم عليها، بل لا تزال تُربك أيضاً الفقه الديني، الذي تورط في سؤال الحكم والتشريع.

****

هل يمكن للفقه الديني أن يسعفنا فعلاً في فك هذا التعقيد لإصدار الحكم عليه؟ هل يمكن أن يفهم حالة الإنسان وسلوكه في مثل هذا السياق المركب؟ هل «قتل النفس أو حرقها» في مثل هذه الحالة المعقدة يعد انتحارا بالمعنى الذي يحرمه الفقه؟

الإرباك الذي وجد الفقهاء أنفسهم فيه إزاء هذا الحدث، لا يُظهر أن الفقه الديني يمكنه تقديم تفسير وتفهّم وتحليل تعقيدات حالات الدولة أو حالات الإنسان في الدولة. وهذا ليس ذنبه في الحقيقة، فالفقه ليس وظيفته تقديم تفسير أو تحليل أو قراءة أو تفهم أو تعاطف للأحداث، هو مختص بإصدار حكم على الفعل الفردي كما يقره النص الديني. الفقه محكوم باستنطاق النص لا باستنطاق الواقع، حتى في أقصى حالته المقاصدية «فقه المقاصد».

ولعل هذا يفسر لنا ما أثاره التعاطف الذي أبداه بعض رجال الدين مع البوعزيزي، من جدل ديني وسياسي ومجتمعي كبير تحت عنوان «توظيف الفتاوى سياسيا وإخضاعها للظروف التي يعيشها البلد والموقف السياسي فيه». الفقه ليس مقبولاً منه إخضاع الفتاوي لظروف البلد والمواقف السياسية، أي ليس مقبولاً منه إسقاط الواقع على النص، بل النص على الواقع.

بعض الفقهاء الذين لاحقهم سؤال الجمهور:« ما حكم البوعزيزي؟»، لجأ إلى تبرير الظروف القاسية التي «أدت إلى غيابه عن الوعي وعرض نفسه للموت عن غير عمد، وهو ما قد يشفع له في رحمة الله الواسعة». الشيخ القرضاوي لم يُخفِ تعاطفه وترحمه ودعائه بالمغفرة، ونبه أن «الحكم بعد الابتلاء بالفعل غير الحكم قبل الابتلاء» «1» ..

****

ما الحكم الشرعي للبوعزيزي؟ هل نحن أمام حالة خلط أنساق هنا؟ يمكننا أن نقول أن المشكلة التي وجد الفقه الديني نفسه واقعاً في بلبلتها، تعود إلى أن السؤال في هذه الحالة ليس من اختصاصه أصلاً، بل من اختصاص فقه الدولة.

كيف؟
الفقه الديني علم يشرع للفرد ما يجوز وما لا يجوز والحلال والحرام، وفق نص ديني غايته فوز الإنسان في الآخرة. وتشريعاته المتعلقة بالدنيا ليست غايتها الدنيا بل الآخرة. فهو إن شرّع للفرد في الدنيا فعينه على الآخرة. لم ينشأ علم الفقه في رحم الدولة الحديثة، لذلك ليست لديه تشريعات لحالة الدولة المدنية المعقدة والمركبة والمنتقلة من حال إلى حال «الدولة في معناها المعجمي هي الانتقال من حال إلى حال»، ولا يمكنه أن يشرع لفقهها الدستوري، ولا أن يشرع لأنماط الاحتجاج السياسي وحدوده في المجتمع السياسي أو المدني الحديث .

والفقه وإن توفر على أحكام تخص الدنيا فإنها لا تتجاوز الحدود الدنيا «العبد وابتلاءاته الدنيوية»، ولا يمكنه أن يتجاوز هذه الحدود الدنيا ليشرع للحدود العليا «الدولة بتركيبتها المعقدة والمجتمع الحديث بعلاقاته المتشابكة».

أما فقه الدولة، فهوعلم أنشأته الدولة الحديثة بمتطلباتها وتعقيداتها وتحولاتها. وهو من اختصاص الفقهاء الدستوريين. يضعون التشريعات المعنية بقضايا الشأن العام، والقوانين المنظمة لعلاقة الفرد بالدولة والسلطة بالشعب، وفق آليات وضع الدستور في الدولة الحديثة. الدولة بهذه القوانين ليس لديها غاية أخروية. هي لا تبشر بجنة ولا تعد بأن تكون جنة. ولا تدعي أنها تعد إنسانها لفردوس ما. التجارب التي وعدت بذلك انتهى بها الأمر إلى أن تكون نيراناً مستعرة.
فقه الشريعة المختص بنار الآخرة لا يمكنه أن يحكم على نار الدولة أو على نار مشتعلة ضمن أحكام تخص الدولة لا تخص الآخرة.

****

لمن نوجه هذا السؤال إذن: «ما حكم البوعزيزي؟»
نوجهه لفقه الدولة. لأنه فعل احتجاج مدني ضد نظام الدولة الذي أرسى الجوع والفقر والحرمان والبطالة والقهر والظلم والإحباط والفساد والاستبداد والطغيان. النار التي أشعلها البوعزيزي في جسده هي نار الدولة التي أراد أن يكشف سعيرها في الناس. الاحتجاج ليس مسألة فردية.الفعل الفردي يمكن تفسيره على أنه انتحار، لكن الفعل الاحتجاجي العلني يحمل قضية ويوجه سؤاله مباشرة إلى الدولة. فقه الدولة هو الذي يستطيع أن يحكم عليه لأنه مختص بنار الدولة لا بنار الآخرة.

محمد البوعزيزي في فقه الدولة الحديثة، لا يُترحم عليه كما فعل الفقهاء في كأقصى ما يستطيعون، بل ينصب بطلاً وشهيداً ومؤسِساً وأباً لشرعية جديدة في الدولة، ويحفظ تراثه ليصبح تراثاً للأمة، لا للأمة المؤمنة بالفقه الديني، بل تلك المؤمنة بالفقه الدستوري.

****

الشيخ جمال قطب، أستاذ الدعوة في الأزهر يقول إن التصريحات بالرحمة والدعاء «للمنتحر» هي «تطييب خواطر» لأهل الضحية والمتعاطفين معهم: «فليس معقولا أن نقول لهم ابنكم كافر بشكل علني وواضح».

لكن في أغنيته الاحتجاجية، يصرخ زياد الرحباني في وجه الدولة: «أنا مش كافر بس الجوع كافر.. بس الفقر كافر.. والذل كافر.. أنا مش كافر.. لكن شو بعمل.. إذا اجتمعوا فيي كل الأشيا الكافرين». إنه الجوع الذي لا يدخل «دولة» إلا وقال للكفر خذني معك.

هامش:
«1» تصريحات رجال الفقه مأخوذة من صحيفة الشرق الأوسط 20 يناير 2011 العدد 11741

فراشة باسمة

ماذا يحدث عندما نلغي ما هو أدنى، باسم ما هو أعلى؟
أعني بالأعلى، ما ننسبه إلى الألوهية أو الآخرة أو المبدأ أو الأخلاق أو الوطن أو القانون أو المُثل أو الحزب أو الجماعة، والأدنى ما ننسبه إلى الإنسان من حياة دنيوية واحتياجات طبيعية ورغبات بشرية، أو ما ننسبه إلى تجاربه من فكر ومعرفة وفهم وممارسة .

نقول أعلى لأن الأولى طالما مثلت في تاريخ حياة الإنسان أصلاً لوجوده، وطالما شكلت مقدساته ويقينياته التي يدير باسمها صراعاته وحروبه وخلافاته، أو يدفع حياته ثمناً لها، أما الأدنى فهي غالباً ما تعتبر وجودات ثانوية يمكن أن يُستغنى عنها ويُضحى بها باسم الأولى ومن أجلها.

في كتابه «هل الرأسمالية أخلاقية؟» يسمي «سبونفيل» إلغاء الأدنى باسم الأعلى ملائكية. الملاك هنا لا يشير إلى مفهوم ديني بقدر ما يشير إلى مفهوم تجريدي، من حيث أن الملاك يمثل حالة «عليّة» في العادة، لكنها كممارسة الغائية، ليست مختصة بالأنظمة الدينية، بل تجدها في الأنظمة الإلحادية والشيوعية وفي الأنظمة القومية والفاشية بنفس الدرجة. فكلها تشترك في الإلغاء، وفي خلط الأعلى بالأدنى، وفي عدم القدرة على التمييز بين مجاليهما. الأمر الذي يترتب عليه تقديم خطاب عقلاني تافه بالمعنى الباسكالي.

****

تبرز الملائكية في مجتمعنا عبر خطابات تلغي إرادة البعض باسم الدين. مثال: في مقتبس من خطاب مناهض لقانون تنظيم مكبرات الصوت في المآتم والمساجد، معتبراً اقرار القانون محاولة لتقزيم للدين، يقول «اذا قزم الدين في هذا البلد وهو أعز ما يكون على مواطنيه الشرفاء الأصليين، فقد قزم كل صوت حر، وألغي كل حق، ووئدت كل حركة إصلاح».

الأعلى هنا هو الدين الذي يمثله هذا الخطاب، والذي يقدم نفسه أنه الصوت الحر، وكل الحق، وحركة الاصلاح في المجتمع. والأدنى الذي يلغيه هذا الخطاب قانون التنظيم، ومن يقول بالحاجة إلى قانون التنظيم. الخطاب ليس فقط يلغي القانون، لكنه يلغي أيضاً كل من يؤيد هذا القانون ويعتبره مقزِّماً للدين، وصوتا غير حر، وحركة ضلال، ولا حق له، ولا شرف، ولا أصل.

كذلك تبرز الملائكية عبر خطابات تلغي الإرادة السياسية للبعض باسم الدولة أو الحكم أو القانون. مثال الخطابات التي توصل رسالة اعلامية مفادها أن «الاصوات التي تدعو لفتح ملفات الفساد وتمارس نقدها العلني للدولة تقوم بالتحريض ضد النظام الحاكم وتبث الكراهية للنظام الحاكم». أو تلك التي تؤكد بأن «عدم إصدار بيان تنديد بشغب الشوارع تحريض على الإرهاب». أو تلك التي تقول «أن رفض قانون معينً يعني التشكيكك في شرعية الدولة والمؤسسات».

الأعلى في هذه النماذج هو النظام الحاكم أو الأمن أو الدولة. والادنى هو المعارض أو صاحب الرأي المختلف. هذه الخطابات ليست فقط تلغي إرادة المختلف وحرية تعبيره عن رأيه، بل تلغي المجتمع المدني والحياة المدنية، وتلغي الحيز العام الذي يصوغ فيه أفراد المجتمع اختلافاتهم ويعرضون فيه حقائقهم ويشكلون فيه رؤاهم المتعددة والمتباينة.

****

هل يمكن أن يقينا الأعلى من الوقوع في تفاهة الخلط؟
نعتقد أحياناً أن الحديث باسم حكمة الأعلى، يمكن أن تكسب حديثنا حكمة وحصانة وحصافة ويقيني من الوقوع في التفاهة والخلط. يمكن القول إن أكثر الحماقات أو التفاهات نرتكبها بسبب هذه الثقة. الثقة في أن الأعلى يمنح كلامنا شيئاً من علوه، حضور الأعلى يغنينا عن حضور الأدنى. يعمينا عن أن نرى الأدنى فنلغيه. ليست الآيدلوجيات فقط من يقوم بذلك، ولا الحركات الأصولية هي فقط من تقوم بذلك، بل حتى المشيخات تلغي الأدنى باسم الأعلى حين تستخدم الأعلى ذريعة لضرب الأدنى، فتقول إن دولة القانون أولى من حق الناس في الاعتراض، وأن الوطن أسمى من الاحتجاج.

التفاهة هنا ليست راجعة إلى أن الأعلى تافه في ذاته، لكنها تعود إلى أن الأعلى تافه في استخدامه، بمعنى أننا نستخدمه استخداماً تافهاً.

ما يجعل لهذا الاستخدام معقوليته وحضوره في وسائل الاعلام وفي الشارع السياسي أو الديني هو غياب الحيز العام. الحيز العام هو المكان الذي ليس في الدولة «النظام» ولا في حيز الأفراد الخاص «الجماعة أو الطائفة». هو المكان الذي يقع بين الدولة وبين الحيز الخاص، يتيح للآراء أن تتداول وتعبر عن اختلافاتها بحرية وبأمان. في هذا الفضاء المفتوح يمكننا تعرية التفاهات وكشف الخلط الذي تمارسه هذه الخطابات على اتباعها.

الحيز العام إذا ما تم التضييق عليه من قبل السلطة السياسية أو الدينية، كثرت التفاهات التي تضج بها خطاباتنا الدينية والسياسية والاجتماعية.
وكلما تم الغاء الحيز العام باسم الدولة، تراجع الأفراد إلى وكر حيزهم الخاص، وصار متنفسهم جماعتهم أو طائفتهم، وصارت هي «الأعلى» بالنسبة لهم، التي تلغي كل ما سواها.

****

هل الملائكية انتصار للأعلى؟ هل تعزز وجود الأعلى؟ أي هل الغاء الانسان باسم الله يعزز وجود الله، والحياة الدنيا باسم الآخرة، والفرد باسم الجماعة، والمواطن باسم الوطن، والعامل باسم العمل، والتعددية باسم الوحدة؟

على عكس ما تتمناه الملائكية، فإن الغاء الأدنى هو الغاء للأعلى. فإلغاء الإنسان هو الغاء لله. لأن وجود الله مقترن بوجود الانسان الذي هو صورته التي تشبهه على الأرض. الله لا يُعرف إلا بمعرفة الإنسان. كذلك الغاء المواطن باسم الوطن هو الغاء للوطن. لا وطن بلا مواطن. وكل ما يتعلق بالمواطن هو عينه ما يتعلق بالوطن.. وهكذا.. إلغاء الأدنى باسم الأعلى، يجعل الأعلى يبدو وكأنه وجود اقصائي قاس بغيض غاضب شرس دموي عنيف. في حين تعزيز قيمة الأدنى باسم الأعلى يجعل الاعلى يبدو متسعاً محباً رحباً متسامحاً ومثالياً. فما ترانا نختار؟

فراشة باسمة

كيف نفهم التفاهة بشكل غير تافه؟
إنها ليست لعبة لفظية، بل لعبة فكرية ومفهوم فلسفي. باسكال هو المنظر الفلسفي لفكرة التفاهة، ويعني بها خلط نسق أو مجال أو مستوى بآخر متمايز عنه. يحدد 3 أنساق متمايزة: نسق القلب، ونسق الذهن، ونسق البدن، من يخلط واحداً من هذه الأنساق بآخر يوقع نفسه في التفاهة. مثلاً، المعلّم الذي يطلب من تلاميذه أن يحبوه لأنه أستاذهم الفاضل الذي يمنحهم المعرفة، يوقع نفسه في التفاهة، لأن المعرفة التي يقدمها تختص بمجال الذهن، فهي مسألة فكرية، والحب مسألة تتعلق بالمشاعر والتقبّل، وجعل الأول شرطاً لحدوث الثاني خلطٌ أعوج وتافه. مثال آخر، أن يخلط صاحب مؤسسة تجارية بين عمله الذي يقوم على طلب الربح وبين غاية أخلاقية أخرى تختص بالوطن، كأن يقول مثلاً: إن الهدف من إرساء هذا المشروع التجاري هو خدمة الوطن والمواطن. أو أن مترشحاً للمجلس النيابي يقول: إنني أرشح نفسي استجابة لرغبة الناس في أن أمثلهم. أو أن ناصحاً يقول لمجموعة من الجياع والمحرومين: جوعكم امتحان من الله. أو أن داعية يقول في وصف زلزال أو كارثة بيئية وقعت في مكان ما من الأرض: هذا غضب الله على الفساد والفسق المنتشر في الأرض. هذه نماذج للتفاهات التي لا تخلو منها الخطابات الاجتماعية.

لكن لماذا نعتبرها تفاهة؟ لماذا لا نعتبرها غشاً أو خلطاً أو كذباً؟
هناك سببان. الأول أن باسكال فيما اعتقد أراد أن يستخدم التعبير الأكثر إيجاعاً لإدانة الخلط والغش والكذب. فالتفاهة لا تخلو من أن يداخلها شيء من هذه المفاهيم. والسبب الآخر، أن مفهوم التفاهة يعبر عن السطحية، سطحية الربط بين الأشياء. فالعقل هو عملية ربط وتركيب، وبمقدار ما يكون ربطك محكماً ومقنعاً، يكون عقلك أبعد عن التفاهة. التفاهة هي الوجه الآخر لعدم القدرة على استخدام العقل استخداماً محكماً. نطلق على الشخص الذي يخلو خطابه من فهم عميق لعلاقة الأشياء أو أسبابها: تافه وسطحي، لأنه لم يمسك بالعلاقات الحقيقية والأسباب الحقيقية التي تنتج مشكلات أو ظواهر سياسية واجتماعية تحتاج إلى فهم عميق.

هل الوقوع في التفاهة مقصود ومتعمد دائماً؟
التفاهة ليست بالضرورة خلط متعمد ومقصود. فالمرجعيات الفكرية التي تتحكم في أذهان الأفراد في مجتمع ما أو عند جماعة معينة، لها دور كبير في الانزلاق نحو الخلط. ليس هذا فقط، بل لها دور في تعميم هذا الخلط وتثبيته ونقله من جيل إلى جيل، أي في تداول التفاهة. التداول بما يتضمن من نشر وتثبيت وتعميم ونقل وإضافة، يعمل على إرساء التفاهة وتأصيلها حتى تبدو عبر الزمن وكأنها حقيقة غير قابلة للنقاش. ربط الزلازل والكوارث الطبيعية مثلاً بغضب الله هو خلط نسمعه في كل مرة نشهد فيها حدثاً مشابهاً، الخلط نسمعه متردداً على ألسنة الصغار والكبار والمتعلمين والأميين فضلا عن الدعاة ورجال الدين. مثل هذا الخلط صار أقرب إلى الحقيقة الدينية في ثقافة مجتمعاتنا. ليس هذا فقط، بل إنك حين تحاول فضح سطحيته وكشفها تُتهم أنك غير مؤمن بقدرة الله وحكمه أو أنك راض على الفساد المنشر على الأرض، وهو خلط آخر وتفاهة أخرى، وهكذا نجد أن تداول التفاهة ينتج، عبر تثبيتها، المزيد من التفاهات التي تنبني عليها.

من هم الذين يمارسون التفاهة؟
ليس البسطاء هم من يمارسون التفاهة، فأولئك تفاهتهم ناتجة عن بساطة وعفوية تخصهم ولا تعتدي على الآخرين، بل غالباً لا يترتب عليها إلزام يمارس سلطته على الآخرين. البسطاء أقرب أن يكونوا ضحية لتفاهات الكبار الذين يديرون خطابهم الاجتماعي والسياسي والديني إدارة لا تحترم تمايز المجالات عن بعضها. تحدثنا في المقال السابق عن الزعيم الاسماعيلي حسن الصباح كيف كان يمارس خلطا بين إرساء نفوذه على أتباعه واستثماره الرغبة باسم الجنة. من يمارس التفاهة هم أصحاب السلطة والقوة والنفوذ سواء في المجال السياسي أو الديني أو الاقتصادي أو الاجتماعي. إنهم أصحاب القوة الذين يملكون صناعة الرأي العام والتأثير فيه. يتأثر به أتباعهم في الشارع وفي السوق وفي المنتديات وفي المساجد وفي المآتم وفي الكتب وفي وسائل الاعلام. كثير من التفاهات يثبتها الإعلام والرأي العام العالمي عبر ما يعيده ويجتره علينا بشكل يومي ليل نهار حتى لا نعود نميز الخلط الذي فيه ويبدو وكأنه ينطلق من نسق واحد.

ما علاقة التفاهة بالاستبداد؟
العلاقة بينهما هي الطغيان. ممارسة التفاهة على سدة السلطة استبداد محصلته الطغيان. الطاغية يخلط بين القوة والمحبة والطاعة. فهو حين يمسك بالسلطة ومقاليد الدولة يريد من الجميع أن يحبه ويثق به ويواليه ويطيعه لأنه الأقوى الذي يمتلك السيادة السياسية. القوة لديه هي الرابط الذي يقتضي أن يقابل بالحب والطاعة وخروج المسيرات ورفع الصور والأعلام التي تنصبه محبوباً للجماهير وأسيراً لقلوبها.

القانون لا يسلم من سيطرة الطاغية الذي يسخره بقوته، فيخلط بين قوة القانون وقانون القوة، أي قوة تسلطه هو على القانون، والتفاهة الكبرى التي يمارسها تتحق حين يخرج طغيانه استخراجاً قانونياً، فيصير القانون الذي مجاله العدالة مخلوطاً بالطغيان الذي مجاله الاستبداد.

ولعل قصة الحاكم الذي جعل جميع وزرائه ورعيته يصدقون أنه يلبس أجمل وأفخم الثياب في الوقت الذي كان عارياً، هو نوع من تفاهة القوة التي تخلط بين القوة والحقيقة، وتمنعك أن ترى بعينك أو تدرك بحواسك غير ما توهمك به القوة أو خاصة القوة أو حاشية القوة، ولم يفضح هذه التفاهة غير طفل مازال يحتفظ بفطرته المتحررة من داء تفاهة الكبار.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=60777

فراشة باسمة

الموت

«لن يفكروا أبداً، لن يتصبروا، إنما فقط سيحترقون بالرغبة». حسن الصباح. رواية آلموت.
ليست دوافع الغضب وحدها ما يتم استثماره عند الإنسان الديني، بل الرغبة أيضاً. فكما أن خطابات الغضب «نجد تجلياتها مؤخراً في أحداث العنف الديني في مصر»، تستثمر دوافع الغضب والاعتزاز والفخر والانتقام والحسد والغيرة وتوجهها وتستخدمها، كذلك يجري استثمار الرغبة.
الرغبة في ماذا؟
الرغبة في الجنة، في معانقة الحور العين، في أنهار الخمر، في القصور الخلابة والحدائق الغنّاء، في متع الحواس ولذات الجسد، في كل ما هو محرّم أو ممنوع. الأعمال الفدائية أو الانتحارية أو الإرهابية «باختلاف محمولات مسمياتها» التي تنشط عند جماعات إسلامية هنا وهناك، ترتكز أساساً على هذا البنك. الرغبات البشرية الطبيعية التي يجري التعامل معها كمحظورات على الإنسان أن يتعالى فوقها، تستخدم نفسها للترغيب في تنفيذ تلك العمليات. لا يجري الحديث عن «الشهادة» إلا مقرونة برغبة معانقة الحور العين. خطابات الجهاد تجعل الشهادة «وسيلة» للوصول إلى الحور العين «الهدف»: «فما هي إلا لحظة واحدة وتعانق الحور العين». طرفة عين واحدة من شأنها أن تحول الحرام كلّه إلى مباح كلّه.
رواية «آلموت» لفلاديمير بارتول، واحدة من أروع الأعمال الأدبية التاريخية التي نشرت منذ العام 1937، لكنها اشتهرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. آلموت قلعة على جبل شاهق في خراسان بناها ملوك الديلم، استولى عليها عام 483هـ حسن بن الصبّاح، الزعيم الذي يجري وصفه بالداهية واشتهر بشيخ الجبل، ومنها بدأ دعوته الإسماعيلية الباطنية، وقدم نفسه نائباً للإمام المعصوم، وراح يدير عملياته التي طالت أكبر رجال الدولة السلجوقية عدوه الأول، وأرعبت الدولة العباسية. يعتقد أن حسن الصباح هو أول من أرسى أسس الفدائية.
خلال عشرين عاماً سيعمل حسن الصباح على تحويل «آلموت» ليس فقط إلى حصن حماية لا يخترق، بل إلى ما يشبه الجنة. في جانب مخفي من القلعة نكتشف حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة والقصور والجداول والأنهار والأودية التي تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، ونتعرف إلى فتيات صغيرات جميلات اشتراهن شيخ الجبل، وجعلهن يعشن كأميرات مدللات مدربات على الغناء والرقص والعزف والطاعة المطلقة لأوامره وحده. إنه بنك الرغبة. المكان الذي تستثمر فيه الرغبة وتدّخر لوقت معلوم.
وفي وجه القلعة الظاهر سيحرص ابن الصباح على اجتذاب الفتيان بين سن الثانية عشرة والعشرين، شرط أن لا يكون أي من هؤلاء الفتية قد ذاق الخمرة أو عرف النساء أو عاش أي متعة أو لذة من قبل. وسيوكل تدريبهم العسكري إلى يد قادة بارعين، ومعلمين يحفرون فيهم أصول المذهب واللغة والشعر والطاعة المطلقة له. لن يجد شيخ الجبل صعوبة في تحصيل فتية يقدمون أنفسهم بين يديه. الأتباع سيرسلون أبناءهم إلى القلعة إيماناً منهم بابن الصباح وأملاً في تحصيل الشهادة بين يديه.
سيشيع عن نفسه أن لديه مفتاح الجنة، وأنه قادر على أن ُيدخل الجنة من يشاء ساعة يشاء. بهذه الطريقة يتمكن من بسط نفوذه على أتباعه أكثر. «مكانة الناس في العالم تكون وفقاً لاستعدادهم إلى المعرفة. الأتباع كانت تطالب الأنبياء قديماً بمعجزات، وكان عليهم أن يقوموا بها إذا ما أرادوا المحافظة على نفوذهم. كلما انخفض وعي الجماعة كلما عظم حماسة من يحركها». يقول ابن الصباح. النفوذ يحتاج إلى أتباع بسطاء مؤمنين، وبقدر ما يتمكن صاحب النفوذ من تحقيق رغبات الناس «طلب المعجزات رغبة»، يكون إيمانهم به.
دخول الجنة سيكون مقصورا على من يتم اختيارهم للقيام بمهمة خاصة تتطلب تضحية بالحياة. سيدخلهم جنته لمدة ليلة واحدة. وهناك ستجد حواسهم شهقتها الأولى، ستُسلب قلوبهم وتُسحر ألبابهم ولا يعودون إلا أجساداً تنتظر أمر سيدها بالموت ليعود بها إلى جنة الرغبة. «وإذا ما اقتنع فدائيونا لدى صحوتهم بأنهم ذهبوا فعلاً إلى الفردوس، فسوف يكونون قد ذهبوا فعلاً لأنه لا يوجد أي فرق بين الجنة الحقيقية والجنة المزيفة فحيثما نكون واعين لوجودنا، نكون قد وجدنا… لن يفكروا أبداً، لن يتصبروا، إنما فقط سيحترقون بالرغبة». الرغبة هي الحقيقة الوحيدة التي صاروا يؤمنون بها ويعيشون من أجل أن يبلغوها.
هكذا سيتمكن ابن الصباح عن طريق استثمار الرغبة، من إحكام تنظيمه الحديدي، وتقديم نماذج تلقي نفسها إلى الموت بسعادة ولهفة. عندما طلب منه بعض مبعوثو السلاجقة التنازل عن آلموت والرجوع عن دعوته. اكتفى بالرد أن استدعى اثنين ممن أذاقهم جنته. أمر أحدهم أن يُلقِ بنفسه من أعلى البرج إلى الأرض، فانطلق الفتى برغبة طافحة وجذل ظاهر وارتقى البرج وقذف بنفسه إلى الأرض فتقطع جسده ميتاً. ثم التفت إلى الآخر وسأله: ألديك خنجر؟ فأجاب: نعم، فقال له: اقتل نفسك، فانتزع الفتى خنجره وغرسه في عنقه هاشاً إليه وفار دمه ثم خر صريعا، عندها قال ابن الصباح للرسل بين يديه: أبلغوا من أرسلكم أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا هذا مبلغ طاعتهم لي!!

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=59504

 

«إن ما حل بأمتنا من عقوبة إلهية بسبب بعدها عن دينها وتركها للجهاد في سبيل الله عز وجل.. فيا أصحاب الفضيلة العلماء: تعالوا قودوا أمتكم وادعوها إلى الله وارجعوا بها إلى دينها تصحيحاً للعقائد ونشراً للعلم وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وجهاداً في سبيل الله عزوجل وتحريضاً عليه «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال»… وإذا لم تستطيعوا ذلك في بلادكم فهاجروا في سبيل الله عزوجل.. والهجرة مرتبطة بالجهاد والجهاد ماض إلى يوم القيامة.. « «خطاب 1»
«سكوت الجماهير المؤمنة المعارضة سيحمل على تأييد القانون بلا ضمانات، وسيعتبر ضوءاً أخضر لتمريره، وإذا تأخر يوم المعارضة الجماهيرية الصارخة بعض الشيء، سقطت قيمة المواجهة، وهذا القانون لو مرر فلا عودة عنه إلا بالدماء الغزيرة، وقد لا تفيد الدماء» «خطاب 2»
النصان السابقان مقتطعان من نماذج خطابات اسلامية غاضبة. الأول يُظهر الله الغاضب الذي يعاقب الناس على تقصيرهم بالكوارث والأوبئة. والثاني يُظهر ما يجب أن تكون عليه الجماهير «المؤمنة» من غضب من أجل الله دائماً وأبداً. غضب «المؤمنين» يأتي على شكل تحريض على الجهاد أو على المواجهة الصارخة.
يستمد «المؤمن» غضبه من غضب الله. الله دائماً غاضب على هذه الأرض، إذ ليس يسود في هذا العالم إلا الكفر والعصيان والانحلال، وليس على وجه هذه الأرض ما يستدعي غير الغضب.
* * * *
في كتابه «الغضب والزمان» يقرأ الفيلسوف الفرنسي بيتر سلوترداك أشكال الترويض المستمر للغضب. وكيف أن الإيدلوجيات المختلفة عبر التاريخ، عملت على أن تعزز في الإنسان دوافع الغضب والاعتزاز والفخر والانتقام والحسد والغيرة والتسابق والتنافس وشوق الاعتراف ‍(1)، أي استثمار ما هو غريزي وحيواني فيه، من أجل تعزيز وجودها وفرض سيطرتها وإلغاء من يختلف معها، وهي إذ تقوم بهذا الاستثمار فإنها تعتمد على بنك الغضب. ما بنك الغضب؟
يلفتنا سلوترداك إلى أن طاقة الغضب التي في الإنسان وما يرتبط بها من دوافع أولية مثل الفخر والاعتزاز والانتقام والحسد والغيرة والتنافس، هي عرضة للاستثمار، فكما أن عقل الإنسان عرضة للاستثمار، وكما أن جسده عرضة للاتجار، كذلك قوة غضبه هي موضوع للتجارة. في بنوك الأموال تدخل رؤوس الأموال المجمّدة وغير المستخدمة ليتم تحريكها وتدويرها واستثمارها وتكثيرها. وفي بنوك الغضب تدخل مشاعر الناس وتخوفاتهم وغرائزهم وعصبياتهم واحباطاتهم ليتم تحريكها وتدويرها واستخدامها.
هناك إذن بنوك للعقول وبنوك للأموال وبنوك للأفكار، الفائدة التي نتحصل عليها من هذه البنوك هي ما تبرر وجودها، ما يعود علينا من أموال أو أفكار أو عقول يجعل هذه البنوك شرعية ومبررة وذات نفع عام. لكن ما الذي يبرر استثمار الغضب عند الإنسان؟ أليس الغضب هو ما يمثل الجانب الجاهل والغريزي الذي تحذرنا منه الأديان ونظريات التربية والأخلاق؟
التاريخ الإنساني صناعة غضبية بامتياز. القادة الذين حركوا الجماهير على مر التاريخ إنما حركوا بالأصل غضب هذه الجماهير. ينجح هؤلاء بقدر ما يتمكنوا من قيادة غضب الجماهير نحو غاياتهم وأهدافهم.
وبقدر ما يكون الغضب ذا طابع مقدس، يكون مبرراً ومشروعاً، بل مفروضاً وواجباً. الغضب باسم الإله يحضر باستمرار في النزاعات البشرية التي يقترن فيها الديني بالسياسي. يصير النزاع السياسي «الذي هو في أصله نزاع سيطرة واستيلاء وقوة ونفي للآخر» مبرراً ومقدساً باسم الغضب الديني، أي غضب الإنسان من أجل الإله. فالتاريخ الإنساني السياسي المشبع برائحة الدم، هو نفسه تاريخ الغضب باسم الإله.
* * * *
الغضب كما تقدمه نماذج الخطابات «1،2»، ليس غريزة إنسانية فقط، بل هناك غضب إلهي. هذه الخطابات التي تنتمي إلى الاسلام السياسي، تقدم الله بصورة الغاضب الدائم السخط على ما يقوم به الإنسان في الأرض. غضب الله سيستخدم قوى الطبيعة للانتقام من الإنسان على ما يأتيه من ذنوب وآثام، سيعرضه للهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير، سيعرضه للمجاعات والأمراض والأوبئة والأمراض الغريبة والمهلكة والحروب، سيهلك زرعه وحرثه ونسله، سيمنع عنه المطر والخير والحصاد، وسيزيد حرارة الأرض عبر الزمن، سيهلك أقواماً وأمماً وشعوباً، وسيبيد جماعات.
الإنسان المسلم مكلف بخلافة الله في الأرض، فهو مكلف بخلافة صورة الله الغاضبة. لهذا فهو يتماثل مع الله في غضبه فقط. الصورة التي يعرفها عن الله. المسلم يد الله الغاضبة في الأرض.
هل يليق أن يفرح المسلم في حين أن الله غاضب؟ الفرح عند هذا المسلم لا بنك له. الدنيا ليست مكاناً لاستثمار الفرح. بل هي مكان لعبور الغضب. أنت تتمثل صورة الله بقدر ما تكون غاضباً وساخطاً. لهذا ستغضب من الإنسان الآخر الذي يختلف معك وعنك، ستغضب من الغرب الذي يمثل بالنسبة لك شيطاناً منحلا أخلاقياً ومقياساً للفسق والفجور والفساد، ستغضب من الأديان الأخرى التي لا تتفق صورة إلهها مع صورة إلهك، ستغضب من المعتقدات الأخرى، من الثقافات الأخرى، من العالم، ومن الحياة نفسها.
الاسلام السياسي التي نعيش مآزقه اليوم، يشتغل برأسمال بنك الغضب. والغضب الإلهي هو أحد أهم مصادر هذا البنك. إنه رأسماله الحقيقي الذي يقنع به جمهوره كي يثقوا به ويودعوه غضبهم يتصرف فيه كيف ما يشاء. الغضب الإلهي غضب مشروع ومضمونة عاقبته. لا ينكسر هذا البنك ولا يفلس ولا يتعرض لأزمات اقتصادية. هو مأزوم دوماً وفي أزمة وجودية وتأزمه هو رأسماله.
ممثلو الله في الأرض سيمثلون حالة الغضب الإلهي. ولأنهم يد الله في الأرض، فإنهم من سيقيم العقاب على الأرض نيابة عن الله، لذا سينفذون عميات الثأر والانتقام والعقاب والقصاص، وسيفتخرون بغضبهم، وسيعترفون بما أنجزه هذا الغضب من قتل وسفك للدماء، وسيعلنون مسؤوليتهم عنه، وسيحذرون أعداءهم مما ينتظرهم من المزيد بكل فخر واعتزاز.
* * * *
على عكس الإله الغاضب الذي يغرقنا فيه الإسلام السياسي اليوم، ثمة إله باسم يداخلنا عليه الحسّ الصوفي: إله فرح محب متسع رحب متعدد كثير. من يتمثل هذا الإله، سيكون محباً رحباً متسعاً متعدداً مثله، وسيستثمر دوافع الحب والخير والسلام الموجودة في الإنسان، بدلاً من دوافع الغضب، وبعدها، قد يمكننا الحديث عن بنك السلام الإنساني، بدلاً من بنك الغضب الإسلامي.
[ (1) للتوسع في المفهوم انظر: أزمة المسلم الأخير ونهاية التدين. العادل خضر. ص 165-176.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=58343