فراشة باسمة

الظفاري المتمرّد أحمد الزبيدي: 69 عاماً من العزلة

defbook

“100 عام من العزلة”، الرواية الأشهر للاستثنائي الراحل حديثاً غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014)، كتبها في المكسيك عام 1965 وطبعت بعد عامين. يروي فيها حكاية عائلة تعيش في مكان معزول في أمريكا اللاتينية، تكاثرت على مدى 6 أجيال لمدة 10 عقود حتى صارت قرية كاملة تنتشر فيها الخرفات والخوارق والمعجزات، فحيثما وجدت العزلة وجد كل ذلك.

حتى ذلك الوقت، كانت “ظفار” الواقعة جنوب عمان، تعيش عزلتها عن العالم جيلاً وراء جيل، أريد لهذه المنطقة التي اتخذها الحكم عاصمة له وأدارها مثل إقطاعية خاصة، أن تكون معزولة وسط ثالوث الجهل والمرض والفقر، وأن يتربع الخوف عازلاً أكبر يحيل دون أية مواجهة أو رفض للاستبداد.

في 1965، أي في العام نفسه الذي ألّف ماركيز روايته (100 عام من العزلة)، كانت ظفار قد قرّرت أن تخرج على خوفها وعزلتها القسرية مهما كلّف الثمن. في التاسع من يونيو/ حزيران أعلنت ”جبهة تحرير ظفار” الكفاح المسلَّح رسمياً ضد الحكم الذي استرسل في غلق بوابة عمان عن كل العالم، وجعلها تتكاثر جيلاً بعد جيل وسط الجهل والفقر والمرض والخوف. لم تنجح الثورة في تحقيق هدفها العسكري في تحرير ظفار، وتم وأد الحلم كاملاً في منتصف السبعينات، لكن رغم ذلك، فإن هذه الثورة (بكل ما لها وعليها)، كانت البوابة التي أخرجت ظفار من بدائيتها وظلامها المطبق، وشكّلت بداية انفتاحها على العالم والتعليم والصحة.

ما علاقة كل ما سبق بالكاتب الروائي العماني أحمد الزبيدي (مواليد 1945)؟

“69 عاماً من العزلة” هي عمر الزبيدي وخلاصة تجربته كما أراها، فبينه والعزلة علاقة شائكة ومتوترة. كل شيء في حياة الزبيدي قادم من العزلة أو مهدّد بها. لعبت العزلة دورها في حياته منذ ساعة ولادته، وفي المقابل، لعب الزبيدي دوره في التمرد عليها طوال حياته، وأحياناً اختارها كموقف.

الزبيدي هو ابن ظفار، مولود في تيه عزلتها الأولى، وابن تاريخها العصي الذي تمردّت فيه على عزلتها المفروضة عليها. عاصر أحداثها الملتهبة بكل تداعياتها المعقّدة والملتبسة، قبل أن تُلجم الثورة، ويُلجم الكلام، ويصير تاريخاً ممنوعاً من التداول، وممنوعاً من الخوض فيه أو توثيقه أو حفظه، أي قبل أن تتحوّل ثورة ظفار إلى تاريخ معزول أيضاً.

الزبيدي الظفاري، تخرج من المرحلة الابتدائية بالمدرسة السعيدية بظفار عام 1960. ثم انتقل إلى العاصمة مسقط، ارتبط اسمه بتاريخ الحركة الوطنية العمانية مبكراً، فتم (عزله) نفياً إلى المهجر خارج عمان. نشط في صفوف الحركة الطلابية في القاهرة خلال المرحلتين الإعدادية والثانوية، ومنها ذهب دمشق لمواصلة دراسته الجامعية في القانون، وهناك بقى 15 عاماً، ثم إلى العراق التي قضى فيها مرحلة انتقالية. كرَّس جهده في سبيل وحدة الحركة الطلابية العُمانية، وترأس رابطة الطلاب العُمانية بدمشق، واللجنة التحضيرية لاتحاد الطلاب العُمانيين منذ تأسيسها 1968، وحتى انعقاد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للطلاب العُمانيين في بغداد 1973.

“عفا الله عما سلف” التي أُعلنت شعاراً بعد الانقلاب العسكري المدعوم من قبل بريطانياً في 1970، وأُعلن بها انتهاء حكم وبداية حكم آخر، وأُعلن معها البدء بمرحلة إصلاحية جديدة في تاريخ عمان، لم تُنه مرحلة (العزل) عن الزبيدي، فبعد دعوة العُمانيين المعزولين (المنفيين) والمهجرين كافَّة إلى العودة تحت هذا الشعار عاد الزبيدي، لكنه اعتقل إثر وصوله مسقط وبقى معتقلاً حتى أواخر 1971.

كان يراد للزبيدي أن يعتزل موقفه الصريح المناوئ للأنظمة الشمولية الاستبدادية، أن يعتزل مواقفه تجاه المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة الاجتماعية. لكنه بقى ذاهباً فيها أكثر. لقد عاد الكثير ممن شاركوا في الثورة المسلّحة في ظفار واندمجوا مع الدولة، وصار كثير منهم من رجالات السلطة ومضوا على نهجها، وأغلقوا ذاكرة الثورة داخل صندوق تاريخهم كمن يريد طيّه ونسيانه. لكن الزبيدي الذي لم يشارك (فعلياً) في الثورة المسلّحة، ولديه رؤيته النقدية تجاه الكثير مما حدث فيها، لم يفعل، بقى يطالب بمشروع إصلاحي حقيقي يقوم على تفعيل إرادة الشعوب لا الملوك. لهذا بقى عزله قائماً بشتى السبل. تم تعيينه لاحقاً في وزارة التربية والتعليم، ليقضى عمره الوظيفي في غرفة معزولة مُجمَّدًا، دون مسمًّى وظيفي أو عمل.

تريد السلطات دائماً أن تحيل المثقف إلى موظف عام لديها، معزول عن الواقع وملتصق بها، أن توجه خطابه ومواقفه وحضوره بما يخدم شرعيتها ويعزز وجودها وهيمنتها وسياستها، سيحصل هذا المثقف (الموظف) على امتيازات السلطة وهباتها وعطاياها وتكريماتها وأوسمتها. لكن على عكس ذلك، فإن وظيفة المثقف هي الاشتباك بالواقع وفضح آليات السلطة والعمل على فضّ هيمنتها عن هذا الواقع. لهذا تعزل السلطة المثقف الذي يعكر صفو هيمنتها وتهمّشه، وبدوره يعتزل المثقّف السلطة التي تريد النيل من استقلاله ومبادئه أو تنميطه بأي شكل من الأشكال. العزل تنحية قسرية، فيما الاعتزال تنحٍ اختياري، الأول فعل من أجل التهجين، والثاني فعل مقاوم للتدجين. بين ثنائية (عزل السلطة للمثقف) و(اعتزال المثقف للسلطة) يمكننا أن نفهم تاريخ عُزلة الزبيدي.

اختار الزبيدي اعتزال السلطة وجميع المؤسسات التابعة لها من الجمعيات الأدبية والثقافية، يرى أنها مؤسسات تمثّل السلطة لا المثقفين والأدباء المتحررين من تبعيتها، وأن هذه المؤسسات الثقافية الحكومية تهيمن على شؤون الأدب والثقافة في البلد. يحسم الزبيدي موقفه “أية مؤسسة ثقافية لا تمتلك القدرة على أن تنتخب مجلس إدارتها بشكل ديمقراطي، لن أكون يوماً جزءا منها. المؤسسة الثقافية إن لم تكن ديمقراطية ومتحررة من هيمنة السلطة، كيف لها أن تقوم بدورها الطبيعي: أن تحرر الآخرين من كل أشكال الهيمنة”. (1)

بدأ الزبيدي بنشر سلسلة من الأعمال الأدبية. نشر بعضها في مجلة الأزمنة الإماراتية، وصحيفة الخليج، وبعض المجلات اليمنية، لكن ليس العمانية التي لم تكن مساحتها تستوعب تمرداته. كانت المنطقة التي تثير أدب الزبيدي المتهكم الساخر، هي تلك المعزولة عن الكلام والفكر والنقد والتداول في الفضاء العام. يعرّف روجيه دوبريه المثقّفين التّنويريين بأنهم “الذين لا يخونون نصّهم الإبداعيّ”، وخيانة النص هي الاستسلام لأي شكل من أشكال الهيمنة أو التخاذل معها. في العام 1978 كتب مجموعته القصصية الأولى “انتحار عبيد العماني” (نشرت 1985)، كانت الذاكرة لا تزال طرية ومشحونة بحكايات الثورة والحلم الموؤود، ولما كان الكلام عنها محرماً وممنوعاً، استخدم الزبيدي الرمز، وراح يقول عبره كل شيء، وصار لعبته السردية التي أبدعها وأبدعته، وأبدعت فيما بعد الأدب العماني.

كان (عبيد العماني) بطل مجموعة الزبيدي القصصة الأولى، حراً ذا نسب ممتد يفتخر به، قبل أن يتحول إلى مصغّر عبد (عُبيد)، وقبل أن يصير وصف (العماني) محل استصغار في البلدان التي يفد اليها طلباً للعمل. سنتعرف على عبيد بشخصية السلبية الناقصة اليائسة والبائسة وسينتحر في نهاية المطاف وسط سرد درامي عميق ساخر ومكتظ بالرمزية التي تورد مواضع البؤس والإذلال وغياب الحرية والحقوق. في هذه الرمزية تنفتح التأويلات. سنعيش بؤس هذه الشخصية التي ربما ترمز إلى شعب كامل فقد حريته وإرادته بعد أن تم تدجينه وتهجينه على يد سلطة اغتصبت حقوقه حتى ما يتعلّق بحريته الشخصية. وسيكون الانتحار هو آخر محطة تحسم هذه الحياة البائسة.

الانتحار الذي يقدمه الزبيدي هنا ليس انتحاراً فردياً مرتبطاً بالجنون أو الهلوسة أو الإدمان أو الإفلاس الأخلاقي أو الابتعاد عن الله أو الإلحاد كما هو مشهور في الثقافة الشعبية والدينية، بل هو رديف لما قدمه العالم الاجتماعي المعروف اميل دوركايم (1858-1917) عبر كتابه الهام “الانتحار” الصادر عام 1897، بأنه مسألة اجتماعية بحتة تتم وفق “توافقات وتوازنات وتغيرات متزامنة”. فقدان التوازنات الاجتماعية وغياب الاعتراف وضياع الحرية والعدالة والمساواة والتقدير، مقابل تعزيز عبودية الفرد وإذلاله وتهميشه ومحاربته في رزقه وحياته، كلها عوامل مجتمعية تتراكم عبر الزمن لتدخل الفرد في حالة متقدمة من عدم الاستقرار الذهني، وهذه بدورها تدفعه إلى البحث عن حلول نهائية تحسم شقاءه الأبدي المحكوم باستمرار بقائه في الحياة. هكذا يكون انتحار (عبيد العماني) هو قرار باعتزال الحياة التي لا تمثل بالنسبة له أكثر من رديف صارخ للعبودية وللإذلال والبؤس والشقاء.

في العام 2008 جاءت رواية الزبيدي الثانية “انتحار الفراشة”، ثم الثالثة “أحوال القبائل العربية عشية الانقلاب الانكليزي في صلالة” (2008)، و”إمرأة من ظفار” (2013). بقت ثورة ظفار وتداعياتها هي محور رواياته وذخيرتها الحيّة التي يقول منها التاريخ والواقع وقضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. حتى 2010 كانت روايات الزبيدي ممنوعة من دخول عمان، وحتى سنوات قريبة ظل اسمه ممنوعاً في الصحافة والإعلام العمانيين. وتم التحقيق معه في 2009 لمدة 3 أيام متتالية حول مقاصده من رواياته. كان التحقيق يستمر لمدة 10 ساعات يومياً رغم ظروف الزبيدي الصحية المتردية. اتهمت كتبه بأنها “تبث السموم والأمراض” كما صرح بذلك مدير عام الإعلام العماني في معرض رده على سبب منع إحدى رواياته من دخول معرض مسقط في 2009. لكن العزل لذي أريد له أن يكون كسراً لعظم الزبيدي، ظل محل إنتاج متمرد عصي أكثر.

يقول ماركيز صاحب رواية 100 عام من العزلة: “أعتقد أن واجب الكاتب الثوري أن يكتب جيداً، ذلك هو التزامه”. 69 عاماً من العزلة، هي ثمن التزام الزبيدي بأن يبقى كاتباً تنويرياً ثورياً، يكتب جيداً، ويرفض أن يخون نصّه.

*مشاركتي في كتاب “عبيد اليماني حياً” بمناسبة فوز الكاتب الروائي العماني أحمد الزبيدي بجائزة الانجاز الثقافي البارز في عمان لعام 2013

 

هامش

(1) أحمد الزبيدي المارق من كل شيء إلا الجرأة على الطريق. باسمة القصاب. سبتمبر 2009

http://www.basema-alqassab.net/?p=377

شاركها

مقالات ذات صلة

2 تعليقات

  1. ظفاري

    10 نوفمبر, 2016 at 2:30 ص

    اهتمي بوضع بلادك والزبيدي لا أثر له ولا حس وظفار بخير بفضل الله اولا ثم في قيادة جلالة السلطان قابوس الخير والحمد لله اتركي نزعات التحرر والفوضى فلا مجال لها باذن الله في ظل وجود قادة الخليج الحكماء حفظهم الله من الأخطار الخارجية وحفظ الله الخليج العربي شعوبا وقيادات من كيد أصحاب الأفكار والثورات والفوضى والتحرر ال لا اسلامي ولا أخلاقي .

  2. قارئ من خشب

    21 ديسمبر, 2018 at 4:28 ص

    قرأت إحدى رواياته وهي إمرأة من ظفار ، عشت معها ، وأنستُ لها ، وأخبرتني كثيرًا عن الواقع والوقائع في جو مليء بالسرد بين التخييل والمرجعية التي طالما ظلت معه منذ الوهلة الأولى إلى نهاية الرواية.، الزبيدي اسم لم يكن حاضرًا في أذهان العمانيين لكن كتاباته خلدت ذكرى حيّة للأحداث في قلوبنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *