«نهاد» الشيراوي بنت المصرية «نادية»

-إياكِ أن تسمعي كلامهم يا إبنتي، إياك أن ترقصي أبداً!!

-لماذا يا أمي؟ أنا أحب الرقص جداً!

– حتى لا يقولوا “بنت المصرية” ترقص!


تجمع جيناتها بين مائين جليلين، ماء النيل العظيم وماء الجزيرة الساحرة؛ أم مصرية طبيبة (نادية) وأب بحريني طبيب (نبيل) زملاء دراسة في القاهرة. تعيش نهاد ميزة هذا التركيب المتسع بالحب والممتد جغرافياً وإنسانياً وثقافياً، لكنها بالمقابل، تعيش غربة انتماء وجودي يربك داخلها: “أريد أن أحدد مكاني على خريطة الانتماء”.


نعت «بنت المصرية» هو الجرح الأعمق الذي سكن وعي نهاد منذ طفولتها، وهو الذي أربك خريطة انتمائها، وبدلاً من أن يصغر فيها كلما كبرت واختطلت بالمجتمع، صار العكس، تحوّل إلى «عقدة»، لا من نصفها المصري الذي تفتخر به، بل من المجتمع الذي تخشى نظرته وتربّصاته لها فقط لأنها «بنت المصرية». أن يرى المجتمع إليها على أنها «نصف نصف» ظل تهديداً يسيطر على تفكير نهاد وشخصيتها وتصرفاتها ويضخّم ما تتوقعه من ردود فعل الآخرين تجاهها.


كانت نهاد (استشارية العناية المركّزة) وزملاءها أثناء دراسة الطب، يطلقون على استاذ الطب النفسي اسم «دكتور الكلام»، لم تكن مهنة الطب النفسي تروق لها حينها، لكنها أدركت فيما بعد، أن الكلام علاج آخر. ذلك أنه من رنين القلب يتكلّم اللسان، ولا يؤتى القلب إلا من اللسان.


لهذا كان إصدار نهاد لكتابها «بنت المصرية» مهم جداً بالنسبة لها قبل أن يكون كذلك بالنسبة للمجمتع. لا لأنه نتاجها الأدبي الأول الذي تواجه به المجتمع والعالم فقط (وهو طموح طالما حلمت به)، بل لأنه أطلق رنين قلبها بالكلام، وأخرجه من حيّز صدرها الضيق، إلى فضاء الناس والمجتمع والتداول. تبقى التفاصيل المؤلمة في داخل الانسان كبيرة حتى يفضّها بالكتابة فتصغر وتبهت وتفقد قدرتها على التكتّل والتهويش، وكلما كان أكثر جرأة على استدراجها وتحريرها من سجن الداخل، تحرّر معها ومنها.

ما الذي جعل «بنت المصرية» تتحوّل إلى عقدة اجتماعية في حياة نهاد؟ وهي المنحدرة من عائلة بحرينية معروفة، والإبنة البكر لزوجين طبيبين ناجحين ومميزين، والطالبة المتفوقة باقتدار في دراستها، والطبيبة الاستشارية المتميزة والمحبّة لعملها. هل هي الأم التي طالما أمعنت تحذير ابنتها أمام كل موقف وسلوك: “عشان ما يقولوش بنت المصرية”؟ والتأكيد عليها أن “ما يصدر من بنت المصرية ينظر إليه بنظرة مختلفة”؟ أم هو والدها الذي كان في بيته وحياته (مصرياً أكثر من المصريين) حتى تفاجأت نهاد بنفسها تائهة في أول يوم مدرسي أمام لهجة بحرينية لا تعرف منها شيئاً؟ أم هي زميلات المدرسة الصغيرات اللاتي كن يعايرنها بـ«بنت المصرية»؟ أم هي نظرة المجتمع وسلوكات زملاء الجامعة وأساتذتها؟ أم هي رهافتها وحساسيتها المفرطة؟ أم كلها جميعاً؟

تلك تساؤلات ستحاصرك وأنت تقرأ «بنت المصرية». لقد مارست نهاد مع نفسها دور (دكتور الكلام) الذي يحضر كل شيء من المنطقة المتوترة الى السطح. فتحت خيوط هذه العقدة ونثرتها بلغة بسيطة في 358 صفحة، لن تستغرق قراءتها أكثر من ساعات محدودة، أظهرت نهاد بعض الأحداث والتفاصيل، ولم تسعفها الجرأة أو الخصوصية في إظهار بعضها الآخر، لكن لن يكون صعباً فهم أن كل من ذكر أعلاه، كان له، بوعي أو بدون وعي، دوره في خلق وترسيخ عقدة «بنت المصرية» عند نهاد، بمن فيهم هي نفسها.



 دفعت نهاد الشيراوي من (رهافة شعورها) ثمناً مكلّفاً في كثير من المواقف. الطبيبة المعروفة بالبكاء على مرضاها (حنفية الدموع)، واحتضانها لأهالي المتوفين منهم ومشاركتهم البكاء، دفعت غالياً ثمن صورة التقطت لها وهي تبكي الشهيد عبد الرضا بوحميد لحظة موته، بعد أن تولت محاولة انقاذ حياته طوال 4 أيام في فبراير 2011. إنه حسّها الانساني الذي رفض التعوّد على الجثث السوداء في دروس التشريح، فكيف يحتمل أن يموت بين يديها شاب تسكن رصاصة الجيش في رأسه. كان ثمن دموعها تلك أكبر من اعتقال وأكبر من تخوين وأكبر من محاكمة وأكبر توقيف في العمل واستهداف متكرر رغم تبرئتها، كانت صدمة حسّ وإنسان. لم تذكر نهاد هذا الحدث في كتابها، ولا آثاره المؤلمة المباشرة على حياتها وصحتها النفسية، اكتفت بإشارات هنا وهناك، مع تبرير (حنفية) دموعها التي لا تعرف غير انحيازها للإنسان فقط.


لقد اختارت نهاد أن تفتح جرحها بالكتابة، وأن تهزمه بها. حوّلت ألمها وضعفها وعقدتها -إن صحّ لي القول- إلى إنجاز أدبي يعرّف بها ويقول عنها. تكرر نهاد خلال فصول كتابها أنها لا تزال تبحث عن الوجود الأعمق في داخلها، الوجود القادر على إخراجها من عتمتها الداخلية إلى نورها الخاص، النور الذي يبقى منها بعد أن تلف العتمة كل شيء، النور الذي يمنحها أجنحة تحلّق بها فوق الخرائط والانتماءات والأمكنة والناس. لعلّها وجدته أخيراً..


* بنت المصرية. نهاد نبيل الشيراوي. 2014. مؤسسة ابداع للنشر والتوزيع

شاركها

مقالات ذات صلة

3 تعليقات

  1. امل النعيمي

    5 أبريل, 2014 at 1:01 م

    💝💞💕

  2. عبدعلي آل خلف

    13 أبريل, 2014 at 10:11 م

    مساء الخيرات
    أ.باسمة : لايزال قلمك ينبض احساسا بقضايا الانسان في كل مواقعه ، ويمدنا بذخيرة من ينابيع الثقافة المتنوعة، فأنت فارسة الميادين ومطوعة الكلمات حتى كأنك تبعثيها حية لايمل قارئها .
    وسؤالي أين أجد اهذا الكتاب؟ فقد بحثت عنه في مكتبات عديدة ؟

  3. باسمة القصاب

    16 أبريل, 2014 at 3:35 م

    أهلا بك أخ عبد علي،،
    شكراً لمرورك وحسّك..
    الكتاب كان في المعرض عند دار ابداع، المفروض يكون موجود في مكتبتي الوطنية والأيام الآن..
    تحية لك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *