مجلة ريحانة/ “عصبة القراءة” تتقّفى أثر الهاربة

2013-05-01 فاطمة العمار – حسين المرخي


قرأتْ مجموعة تطلق على نفسها (عصبة القراءة) متخذةً من إمكانيات برنامج what’s up (الواتس آب) مكاناً للالتقاء والحوار والجدل حول الثقافة والقراءة والكتب، كتابَ البحرينية باسمة القصاب (كالتي هربتْ بعينيها). انطوى الاختيار على قدرٍ من الاستفزاز، بمعناه المحرّض والإيجابي، وعلى جانبٍ من الغنى والثراء. وبالتأكيد، لم يخلو أبداً من عنصر الجدل.

في أواخر مارس التقت بعضُ عضوات عصبة القراءة، في أحد المقاهي، بالمؤلفة القصاب، فإلى أي حدّ نجحت المجموعة في المهمة؟ مهمة الملاحقة وتقفي أثر الهاربة؟ يجب أن لا ننسى أن من “انفلّتْ” بعينيها تؤمن بالهروب بوصفه قاعدة، وبالبقاء باعتباره مجرد استثناء.


 لماذا هذا الكتاب؟

 (كان التحدي الأهم بالنسبة لي) تشيرُ القصاب (كيف أعيد قراءة ذاتي في تلك التجربة؟ الأسئلة التي بدأت تُثار عندي، كيف تم تشكيلي داخل الجماعة؟ كيف كنت، على مدى اثني عشر عاماً، مجرد كائنٍ مسلوب الإرادة، مسلوب الشخصية بهذا الشكل؟  هذا تطلّب مني أن أشدّ الهمة وأطّلع على قراءات متعددة وكثيرة قبل أن أباشر الكتابة. انفتحتُ على قراءات مكثّفة عن التكوينات الجماعية: كيف تتشكّل، كيف تستقطب الأفراد، صار لديّ اهتمام دؤوب بمحاولة فهم نفسي من خلال التعمّق في تكوين الجماعات وهذا ساعدني كثيراً، كأني أفكّ ألغازاً وشيئاً فشيئاً بدأتْ الصورة تتضح عندي.

 تواصل باسمة القصاب (بدأت كتابة قراءتي لتلك التجربة في 2005، كنتُ أهدف من خلال الكتابة إلى الإجابة على أسئلتي الخاصة، ولم تكن للنشر أساسا. كانت كتابتي تهدف إلى الخروج بإجابات معرفية على تشكيلي الذي تكوّن خلال تلك الفترة، حتى أوان النشر. عندما بدأت أكتب وحتى لحظة الإنجاز في 2006 شعرتُ براحةٍ كبيرة لأني استطعتُ أن أفهم وأستوعب السور أو الغلاف الذي كنتُ موجودةً فيه وبالتالي كيف ساهم في تشكيلي.)

 

لستُ نادمةً

 (توسعت عندي الرؤية إلى ما هو أبعد من هذه الجماعة الصغيرة) تقول باسمة دون أن تخفي شعوراً ما بالارتياح (صرت أفكّر وأتأمل في أحوال الجماعات، الجماعات العقائدية تحديداً سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية، لا فرق بينها في الواقع، كيف تشتغل هذه الجماعات على تشكيل أفرادها، وكذلك الثقافات التي تنتج الجماعات. هذه المعرفة التي تحصّلت عندي، هي الثراء الذي أتكلم عنه، وأنا على قناعة أن أفضل ما تقدّمه للآخرين هو شيء عشته ذاتياً من خلال تجربتك الخاصة، لهذا لستُ نادمة على تجربتي وإن كانت استغرقت كثيراً من عمري، لكني أنظر إليها أنها جزء من ثرائي الشخصي وجزء من تكويني الفكري والمعرفي الآن، بمعنى باسمة قبل هذه التجربة هي ليست باسمة بعد هذه التجربة أو أثناء هذه التجربة. الكتابة كانتْ على درجةٍ بالغة من الأهمية لأعيد فهم نفسي وحتى أتصالح مع نفسي وأتصالح مع تجربتي.)

 تسألها عضوات “العصبة” عن الإحساس الداخلي وقتَ الكتابة، التي هي بشكلٍ آخر فعلُ قراءة مضاعف، (الكتاب تسبّب لي بانفعالاتٍ عديدة، كل كاتب تتحرك داخله أشياء غامضة وقت الكتابة، خصوصاً حين تكون الكتابة مرتبطة بغور تجربة شخصية عايشها). بعد لحظات تفكير تضيف (لا أستطيع أن أستخدم تعبير “هزة”، ولا يمكنني استخدام مفردة بليغة تفي بالمعنى، لكن بمجرد أن مضيت في الكتابة وجدتني أتحرر من الغلاف النفسي الذي بقى يحاصرني بعد خروجي لأشهر. ثم تكوّن لدي ما يشبه التخوف: كيف سيستقبل المجتمع تجربتي؟ بل حتى أقربائي الذين لم يكونوا يعلمون عن تجربتي شيئاً. كانت مرحلة صعبة ومربكة وفيها الكثير من المغامرة.

بعد هذا الكتاب، خرجتُ وخلصت إلى ثراء معرفي سعيدة جداً به، واصلتُ الكتابة في جريدة الوقت (توقفتْ عن الصدور في مايو 2010) تعلّق باسمة أنها تتفرغ الآن للعمل على مشروع كتابي.


الخروج من “القمقم”

 تسأل عضوات (عصبة القراءة) بحماس وفضول وترقّب عن بدايات “التحوّل” الفكري والبوادر الأولى التي سبقتْ قرار الهرب.

تقول باسمة (البداية كانت في سنة 2001 وكما تعرفون طبعاً في بداية المشروع “الإصلاحي” فُتح المجال لتأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية بعد فترة قمع شديدة، صارت الناس تتوجه وتقصد المحاضرات والندوات، يومها كان أول خروج للجماعة من “القمقم” خاصّتها إلى المجتمع، في تلك الفترة، كنا نتحرك بشكل جمعي وليس فردي، وقد أوضحت هذا في كتابي، صرنا نشتغل وننشط في أكثر من جمعية، جمعية مقاومة التطبيع وجمعية المعلمين وجمعية البحرين النسائية، بدأت سلسلة من التحركات نحو المجتمع المدني بشكل مكثّف.

 جزء من هذه التحركات كان على صعيد الفضاء الالكتروني، كان فضاءً مفتوحاً ومنفتحاً، بدأت تظهر وقتها “القروبات” أو المجموعات الالكترونية، الحوارية والإخبارية، التي ينشط فيها مجموعة من المثقين والصحفيين، كانت مجموعة “قروب أوال” على جانبٍ من التميّز يضمّ مجموعة كبيرة من الصحفيين و الكتّاب و المثقفين، عدد من أفراد الجماعة انضموا الى المجموعة، وبدأوا يدخلون في نقاشاته ويتحدثون عنه، أثارني الفضول فاشتركت، شدتني النقاشات بسرعة، بدأت أدخل في فضاء المناقشات والاختلافات والرؤى، وكانت مواضيع التعددية و الآخر على رأس قائمة الموضوعات المطروحة، الكل كان يسعى ويحاول أن يجتمع تحت مظلّة الوطن وأن يزيح الاختلافات السياسية جانباً، مفردة مثل “الأطياف” مثلاً وغيرها من الكلمات بدأنا نسمعها، العمل والنشاط في العلن من خلال قنوات أهلية طبيعية. بدأت أسمع أصوات متعددة كثيرة لديها الكثير من الرأي والمنطق والوجاهة غير أصوات الداخل التي اعتدت عليها فقط. نقاشي مع الأشخاص كشفَ لي مستويات عالية من الفهم والإدراك والوعي.

 تعرفت من خلال المجموعة الحوارية أيضاً على بعض المثقفين الذين شكل وجودهم وأسئلتهم لي استفزازاً فكرياً ومعرفياً، وبدأت (أنحرف) باتجاه قراءات جديدة لم تكن دارجة في قائمة (نوعية الكتب) التي كنا معتادين على قراءتها. كانت القراءة مفتاح غوايتي إن صح لي التعبير، صرت أقرأ في الكتب الفكرية بدلاً من العقائدية التي تشبعت منها. مع كل قراءة جديدة (مختلفة) كانت الأسئلة تصطدم برأسي الذي تعود صد الأسئلة. اتسعت الأسئلة شيئاً فشيئاً وضاقت الاجابات التي كنت أتلقاها. لم يكن الأمر سهلاً، كان صراعاً صعباً ومريراً بين المعتقد الذي يتلبسني وبين العقل الذي بدأ يحررني. منذ 2011 وأنا أعيش ارهاصاتي الفكرية حتى 2004 عندما وضعت نقطتي وأعلنت خروجي.


 النقد وليس المحاربة

 طُرِح سؤال هل تغيّرت قناعة باسمة القصاب، بعد خروجها، تجاه “الحرب” الشرسة التي جوبهت بها الجماعة؟ بمعنى آخر، هل كانت “الهجمة” تحمل مبرراتها؟ هل تتفهمها؟

تقول ( لا. ثمة نقطة مهمة وجديرة بالوضع في الاعتبار، أن الجماعة جوبهت بحربٍ قوية جداً وقاسية جداً، هذه المسألة جعلت الجماعة تنكفيء حقاً كردة فعل عكسية وطبيعية، لقد تمتْ محاربتها عقائديا بشكل شرس “مقاطعات اجتماعية، دعوات، توصيفات، التعرض لهم بالضرب والنيل منهم بطرق مهينة ومذلة..”.

أنا أؤمن بحق كل شخص بأن يؤمن بما يريد، لكن أؤمن أيضاً بحقي أن أنقد مآزق هذا الفكر، النقد وليس المحاربة، ما عملتُ واشتغلت عليه في هذا الكتاب هو نقد لمآزق هذا التشكيل الجمعي للأفراد، هم لم يسيئوا لي، قمتُ بعملية نقد، لديّ محبة لكن لا أتهيّب.)

حساسية التشكيل

 تسألها إحدى عضوات منتدى القراءة عن أي احتمال أو إمكانية لانضمامها، بعناوين مختلفة، لجماعة معيّنة، تجيب باسمة القصاب بحزم مبتسم (أصبحت لديّ (حساسية معرفية) من انضمامي لأي تشكيل حزبي أو جماعي، هذا يتطلب الالتزام بخط جمعي في التوجه والفكر والرأي، وهو ما لن أعود إليه مجدداً، أريد أن أكون ذاتي المستقلة فقط والقريبة من كل شيء، بقدر ما أحتفظ بمسافة بيني وبينها تتيح لي قراءتها ونقدها).

 تلقائياً انجّر النقاش حول مفهوم”خارج الطائفة” الذي حمله عنوان كتاب المفكر البحريني علي أحمد الديري والصادر في 2011. تعلّق القصاب (خارج الطائفة ليس بالمعنى العقائدي البحت أو حتى نظرية اجتماعية، هي نظرية خروج عن التبعية، خروج عن تسليم عقلي لانقياد مطلق هو الذي يسيّر كل تفكيري وتوجهاتي  وعلاقاتي بالآخر والأمور التي يتوجّب علي القيام بها وتلك التي عليّ تجنبها، يخرج الفرد من مسلمات الطائفة ليكون جزءاً من المدينة والدولة. لكنه ليس موقفاً عنيفاً ضد الجماعة التي ولدت ونشأت ضمنها. عن نفسي أنا جزء من مكونات هذا المجتمع، نشأت بتكوين شيعي لكني لست في دائرة الانقياد لمسلماته ومطلقاته. يمكنني الإدعاء أني خارج الطائفة بهذا المفهوم)

 يبدو أن هذا الإعلان كان مستفزا، انهالت الأسئلة لمزيدٍ من التوضيح، تحاول القصاب صياغة رؤيتها (ما أحاول قوله أن تكويني المجتمعي الذي نشأت عليه هو تكوين شيعي، لا توجد عندي أي نية لأصطدم مع هذا التكوين، ما أحاول القيام به هو أن أفهم تكويني حتى لا يمارس سلطته علي، الفهم لا يعني بالضرورة أن يكون الفرد صِداميا. أعمل بما يقنعني، أحترم المرجعيات لكنها لا تُلزمني ولا تمثلني، هذا ما حاولتُ بالضبط أن أعبّر عنه في مقال (لستُ غنمة) فكرة الإنقياد وقد أحدث هذا المقال ما يشبه الضجة الفكاهية، لديّ حذر من أي نوعً من الانقياد، ليس حذراً بقدر ما أنه حساسية فكرية. عندي تصالح مع كل التنويعات الموجودة، هذا جزء من إيماني العميق بحق الآخرين أن يعيشوا وفق ما يروا ويعتقدوا.)

الإنسانية مبدئي

 هل هذا يعني أن يكون الإنسان متحرراً من أي مبدأٍ أو عقيدة أيضا؟ أثير هذا الجدل.

(بالتأكيد لديّ مبادئي) توضّح باسمة وتستدرك (لكن مبادئي على أسس إنسانية يشترك فيها كل العقل البشري. كل الرؤى عبر مختلف العصور التاريخية من فلاسفة وأديان كانت تسعى نحو تحقيق المباديء الانسانية العامة. أؤمن بالعدالة والحرية والمساواة وغيرها، هذه مبادئ إنسانية لا تختلف عليها أية عقيدة من العقائد ولا أي نظام بشري، لا يهمني معتقدك بقدر ما تهمني إنسانيتك.

http://www.ryhana.com/index.php/magazine/article/350

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *