حسين المحروس: النص على هيئة صورة

“السماء الصافية تفكير بلا فكرة كحديقة كلها خضراء. قصيدة لا عيب فيها سوى إفراطها في الوضوح. تفتقر السماء إلى غيمة ولو عابرة لتوقظ الخيال من خَدَر الأزرق، وتفتقر الحديقة الخضراء إلى لون أخر”. محمود درويش.


لا يحب الروائي والمصوّر حسين المحروس، نص على هيئة سماء صافية أو حديقة خضراء، دائماً ثمّة غيمة تفتن السماء وتأتيها بالحيرة؛ غيمة «قندة»، أو غيمة «حوّام»، أو غيمة «مريم». في السماء الصافية تغيب التفاصيل المثيرة والمتحركة. السماء لا طعم لها دون قندة فارسية لا تذوب، أو حوّام على وشك من كل شيء، أو دون خضاب مريم والنسوة اللآتي لا يحتجن إلى أسمائهن. داخل كل واحدة من غيمات المحروس ماء يوشك أن يُمطرك حد الغرق. ربما لهذا سميت النسوة التي تسقي الماء بأنها (تُمطر) فيما يسمى الرجل (سقَّاء) كما جاء في نصّه الأخير «مريم». فالمرأة هي الغيمة، وسماء بلا غيمة لا تشي بالمطر، ولا تحرّض على غواية وشيكة.

عندما أقرأ نصاً للمحروس أخاله يكتب بعدسته لا بقلمه. النص عنده يأتي دائماً على هيئة صورة مجهرية، تتأنى للتفاصيل الصغيرة وتعبث فيها بمزاج رائق. التفاصيل عنده ليست ترفاً بل أدوات رؤية غميقة. عدسة المحروس يستفزها أن تنحرف إلى الموارب والشارد والمهمل والمنسي، ويستفزها أكثر أن تُدخل أقصى ما يمكنها من الضوء لتُخرج أدق التفاصيل التي لا تراها عيوننا العابرة، لهذا قلت أنها صورة مجهرية. وهذا تماماً ما يفعله في نصّه. لا تخلو تفاصيل المحروس من صورة تجعلني أدخل فيها، واقتناصات ماكرة تجبرني أن أتعثر بين ثناياها.


في نصّه الأخير “مريم” حضرت المرأة بكامل غيمتها، مطرة مطرة، حضرت لتهب الحياة أشكال فرحها، بخضابها وفرشتها ومراياها ورمانها ومزهريتها وألوانها، وغاب اسمها وحده. وبين هذا الحضور المتقد للشخص، والغياب المفرط للاسم، كانت عدسة المحروس النصية (لا الرقمية)، تأخذنا إلى صورة الخيط الأخضر، وضعته مريم في باطن خاتمها الذي اتسع بعد أن هزل جسدها، وتأخذنا إلى الإبرة التي تضعها مريم في ثقب أنفها حين تتعب من الخياطة، وربطة قماش الحجّامة التي حين تنثرها للبيع، تلوّن البرستج ذو اللون الواحد، والخضاب الذي يحب بعض النسوة فيترك لونه في أيديهن من المرة الأولى، ويحتاج إلى طرق يغمّقه في الأيدي التي لا يحبها، وفرشة أول العرس، وأول اللمس ووو…


لم تضع أسماء (مريمات) حسين المحروس، لقد أمعن في جعل أسمائهن أول ما يعرّفنا بهنّ، وأكثر ما يجعلهن صور حياة تتحرّك أمامنا. لقد أحضرهن غيمة غيمة.


شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *