كان أنسي دائماً يفعل

 
 

93_1_1

“تكاد الأجيال الجديدة تنسى أن الصحافة كتابة، والكتابة قلم، والكتابة، كما هو معروف، تصدر من الشعور والأعصاب لتفترش اللغة، وهذه ينابيع وجداول تُفتّحها وتهدر بها التجربة الحيّة ويُعْليها الصدق وتضمّخها المعرفة والخيال. الصحافي أديب يومي” أنسي الحاج.


تحتاج أحياناً، أو ربما كثيراً، إلى حجة في قوة أنسي الحاج، لتطمئن على أن ما يخفق في قلبك وعقلك وقلمك وأنت في الصحافة، هو ما تؤكده هذه الحجة.

ظللت أشك أن ما أذهب إليه بكتابتي الخاصة في الصحافة، ممكن أن يكون في الصحافة، أو أنني أضع الأشياء في غير محلها. خاصة مع تكرار أصوات تقول لي: ما تكتبينه ليس مكانه الصحافة. كانت كتابة أنسي في الصحافة إحدى، إن لم تكن أهم المرايا التي رأيت فيها بوضوح ما كان يعتمل في داخلي بغباشة. كنت أوقن وأنا أقرأ خواتم أنسي، وبعد قراءتي لتنظيراته حول الكتابة الصحفية أني لم أكن أكتب في المكان الخطأ. صرت أكثر ثقة أن لا أخضع لما بات يعرف بلغة الإعلام والصحافة، ولا أكون في الوقت نفسه خارج الصحافة.

كان أنسي يعلمني، ويحرضني، كيف تكتب عبارة مكتنزة بما فيك. قصيرة وغليظة بما يكفي. غارقة في الفكرة، لكنها ليست شعراً. كيف تمارس جنونك وجنوحك وأنت تكتب في “تجاعيد الممارسة الصحافية” اليومية. تلك التجاعيد التي أفقدت الكتابة الصحافية ماءها فصارت حرصماً هزيلاً.

كانت الصحافة العربية صنيعة أدباء، ليسوا من نوع اللفظيّين الإنشائيين، بل أصحاب الإلهام والابتكار وملهَمي الأسلوب كما يصفهم أنسي. كانوا طليعة حركة التنوير في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع العشرين. “الصحافة التي لم ينهض بها أدباء لم تترك أثراً”.

الصحافة دائما بحاجة إلى حكمة الأدباء في قول الواقع، وجنونهم ومرقهم ومشجّاتهم الدقيقة، وبالطبع إلى لغتهم المقاومة للتجاعيد، والأكثر من هذا، إلى إنسانهم.
اليوم هو السبت، وصباح السبت دائما يحيلني إلى خواتم أنسي مباشرة. اللغة كما أشتهي أن أرتشفها في كأس نقي. الحكمة كما تتجلّى في العشق والغواية والعبث والمراهقة والنقد المزعج واللاذع. كلما فرط خلقي من الضجيج اللا أخلاقي حولنا، وجدتني أجزع إلى خواتم أنسي استجمع إنسانيتي المتهتكة. لم يعد سهلاً لإنسانيتنا أن تجد من يرتق فتوقها التي صارت أوقع من هاوية. كان أنسي يفعل.
 

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *