مختبر الميدان

 

ميدان

عدسة حسين المحروس


باسمة القصاب

هل يمكن لخطاباتنا أن تغادر خصوصية لونها الواحد، وأن تأتلف مع لون غيرها، دون أن تتواجد معه في مختبر عمل واحد؟

مساء اليوم الأول من الاعتصام في الدوار (١٥ فبراير)، كتبت على صفحتي في الفيس بوك وفي تويتر: لن يتحول (دوار الؤلؤة) إلى (ميدان تحرير) حقيقي، ما لم يشعر الجميع على اختلاف توجهاتهم الدينية والفكرية، أنه المكان الذي يمثلهم جميعاً، وأنه يعبر عن مطالبهم ورؤاهم، لا أنه يمثل طيف واحد، أو لون واحد.

يبدو أن هذه العبارة لا مست حينها هواجس كثيرين علقّوا وأرسلوا. استشعروا مثلي أن بعض الهتافات بدت كأنها تنطق عن ثقافة خاصة. ورغم تفهمي للخلفية الدينية التي ترجلت منها تلك الهتافات بشكلها العفوي، إلا أني لم أجد بداً من الإشارة أنها تناسب سياقات دينية خاصة، لا تجمعاً مدنياً عاماً يدعو إلى الديمقراطية والحرية، ولا فضاءاً عاماً يشترك فيه الشيعة والسنة والإسلاميين وغير الإسلاميين. كان ذلك في اليوم الأول.

في اليوم التالي استطعت أن ألمس بوضوح، تراجع هذا النوع من الهتافات، وتكثيف الشعارات ذات الخلفية الوطنية العامة. شعار “لا سنية لا شيعية كلنا وحدة وطنية” كان الأبرز. سنجد أيضاً تنوعاً ملفتاً فيمن يصعدون المنصة ليلقوا خطاباتهم الوطنية، واستحضار لأناشيد وطنية.

الصديقة سعاد الخواجة من جانبها، وضعت على صفحتها في تويتر مساء (١٦ فبراير): أثناء مروري على الدوار، أحدهم على المنصة يصيح في الميكرفون: “نداء لأخواتي.. عليكن بالحشمة”. بعد قليل تعود سعاد لتضع تويت آخر يشير إلى أن شاب آخر قد تدارك الأمر، حين أمسك الميكرفون ليقول فيما يشبه الاعتذار: “إنها مسألة حرية شخصية”.

كان تداركاً سريعاً إذن. الخطاب الذي ينطق عن مخزون ديني، تم لفته إلى أن الميدان مكان مدني. والمكان المدني قابل لكل الصور المتنوعة. بل أنه يتسع ويثرى بكثرة ما يستوعب من تنوعات.

الخطاب بدأ يتنقح أكثر بعد العودة بتاريخ(١٩ فبراير)، إثر ما عرف بيوم تحرير الدوار. بدا أكثر حرصاً على الاحتفاء بالتنوع الوطني المتواجد هناك، وأكثر اهتماماً بتشجيع هذه التنوعات لتصعد منصة الكلام. الأسود الذي كان طاغياً على نساء الدوار في اليوم الأول بدأ يداخله اللون. الألوان بدأت تشعر أنها ليست وجودات شاذة وسط السواد. والأسود بدأ ينسجم مع الألوان التي راحت تمازجه في حضور جميل. من هنا يمكننا أن نتحدث عن إئتلاف عملي، لا كلامي. فالألفة يخلقها الإلتقاء لا التباعد. لا ينشأ الإئتلاف وسط تباعد يفصل بين مكانين أو جماعتين، بل عبر اجتماعهما معاً في مكان واحد يأتلف بهما، قبل أن يأتلف بخطابهما.

هكذا تتعلم خصوصياتنا أن تغادر مناطقها إلى منطقة عامة ليست تخصها وحدها. وبهذا يُشهد لميدان اللؤلؤة أنه أول مختبر حقيقي يجمع ألوان فكرية مختلفة من إسلامية وعلمانية، يتهجون فيه حروفهم الأولى المشتركة، ويصوغون من فوق حشيشه، ومن تحت لؤلؤته الشامخة أعمدتها، أبجديات خطاب وطني مشترك

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.