فراشة باسمة

الكون بوصفه متمرداً

“تاريخ العلم، هو صراع بين وحدة يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر في إطارها، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار” [1]

طوال التاريخ، كان العقل البشري مشغولاً بمحاولة تفسير الكون وفهمه. المحاولات تدرجت فيما قدمته بين يدي الكون من تفسيرات، ثم راحت في كل مرحلة، تتوقع من الكون أن يتماثل مع ما رسمته، وترفض كل تفسير لا يتوافق مع الصورة التي أقرتها وحددتها للكون. لكن الكون دائماً، كان له موقف آخر:

(1) في العصور القديمة، حيث الحضارتان البابلية والمصرية، كانت الآلهة، هي المعنية بتفسير الكون عن طريق الكهنة ورجال الدين. لا توجد مسافة بين العلم والدين. العلم هو ما يخدم الدين من حقائق وتفسيرات. وحدهم الكهنة هم أصحاب المعرفة المطلقة في العلم والدين، هم من خولتهم الآلهة لأخذ الناس إلى سراطها المستقيم. الكاهن يقدم تفسيراته الجاهزة، والناس تسأل لا لتفكر، لكن لتعتقد. أن تكون (مستقيماً) يعني أن تعتقد بما يميله عليك الكهنة، أن تفهم الكون وفق ما ترسمه لك. يستقيم أمر الكهنة مع أكثر الناس. لكن هل يستقيم الأمر نفسه مع الكون؟ ليس الكون في سلطة أحد ولا تابعاً له. لا يسير الكون باتجاه اثبات معتقد، بل باتجاه اثبات وجود. ينتفض الكون ليعلن حضوره الرافض لإجابات الكهنة وتفسيراتهم. هو لا يحاور استقاماتهم الجاهزة، بل ينحني بظواهره أكثر، يكسر يبوسة الإجابات الجاهزة أكثر، يفضح هشاشتها وجهلها وتناقضها. سيرفض عقل الانسان الاستمرار في (مستقيم) رمزي متهالك، وسينتقل إلى مرحلة جديدة.

 

 

(2) مع ظهور الفلسفة في العصر اليوناني، وحتى نهاية القرون الوسطى وأوائل القرون الحديثة، يحاول عقل الإنسان المتشبع بمبادئ فلسفة أرسطو، أن يفسر الظواهر الطبيعية بقياسها على سلوك الإنسان وباقي الكائنات الحية. يصف الكون البعيد والمطلق والمجهول والغامض بما يلمسه من جسد الكائنات القريب والمحدود والمحسوس والحاضر. يقابل بينهما: ما دام لكل عضو حيوي في جسم الانسان غاية، فكذلك كل ما في الكون يسير وفق غايات يحددها الرب. يحاول العقل (الغائي) تفسير ظواهر الكون المتعددة والمختلفة بما يعتقده من غايات الرب. يتوه الانسان في محاولة سبر غايات كل جزء من أجزاء الكون وظواهره وخروقاته. للكون دائماً مهارة أن يربك خطوطك المستقيمة المفترضة. يشاغبها بتشابكاته غير المتوقعة وغير المحسوبة. لا يكف الكون عن أن يريك تعدده في آفاقك الضيقة. أن يعددك في آفاقه الرحبة. تكف (الغاية) عن أن تكون تفسيراً مقنعاً. سيستهزئ بها العقل الذي ملّ عجزها عن التفسير. وسينتقل الانسان إلى مرحلة جديدة وعصر جديد.

(3) منذ القرن السابع عشر حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. تسيطر الفكرة الميكانيكية على الكون. يُدرك العقل عدم جدوائية أن ينحصر في الماورائيات والغيبيات والغايات. يتجه إلى التفكير المادي. يدخل العالم مرحلة الصناعات الدقيقة والآلات. الكون ليس شيئاً آخر غير آلة ضخمة. الظواهر الطبيعية يجري تفسيرها الآن بقياسها على سير الآلات البسيطة، لا على سلوك الإنسان. الكون (الآلة الضخمة) يُدار بنظام ودقة صارمين. يرى ديكارت أن آلة الكون، لا يتحرك جزء منها إلا تحت تأثير مباشر من قبل جُزيء آخر. تسيطر فكرة ميكانيكية الكون. المطلوب فقط هو اكتشاف طريقة عمل الكون، أو قانون الكون.

يكتشف نيوتن الجاذبية الأرضية. يحاول الوصول إلى قانون ثابت يحكم آلة الكون. يضع قوانين الحركة الكونية الثلاثة. يصفق العالم لنيوتن. يعتبره أعظم علماء الكون. يؤكد نيوتن أنه لوعرف مقدار الطاقة والحركة ومواقع الأشياء في العالم، لأمكنه معرفة الماضي والحاضر والمستقبل، لأن آلة الكون تسير في خط مستقيم يبدأ بالماضي وينتهي بالمستقبل مروراً بالحاضر في حركة خطية مطلقة. يعتقد العلم أنه حقق انتصاره الأبدي على الكون، وأنه قد وقع أخيراً على نظام آلة الكون وأمسك قانونها. يفاخر الرياضي الفرنسي (لاغرانج): “إن للكون قانونا واحدا، وقد اكتشفه نيوتن”[2]. ويفتخر اللورد كالفن: “لم يعد هناك المزيد الاكتشافه في الفيزياء الآن، ليس هناك إلا المزيد والمزيد من الدقة في القياسات”[3]. تصير قوانين نيوتن هي الخط المستقيم الذي تسير عليه كل من آلة الكون وآلة العلم.

الكون وكعادته المتردة على كل إطلاق، ينتفض مجدداً. يُفشل القانون (الواحد). يستمر في زلزلة العلوم التي تفرض عليه ما يجب أن يكون. يُخجلها كما أخجل الكهنة من قبل. لا فرق بين علماء الطبيعة والكهنة، ما دام جميعهم يريدون تقييده بقبضات قوانينهم ومعتقداتهم. يتسلل الكون مستنفدا امكانات هذه العلوم في تفسير الكون. يكشف لها عن حاجتها إلى إعادة النظر في مبادئها. تصير في حاجة إلى ما يصحح اعوجاجها. ستبدأ مرحلة جديدة، وعصر جديد، واختلاط آخر بين فهم الانسان وتمرد الكون.

(4) استمر تاريخ العلم صراعاً، بين إطار يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر فيه، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار. الصراع يأخذ شكل حوار أو رفض أو تمرد أو كشف أو تناقض أو تداخل أو جدل. كلما أتى العلم بإطار (قانون) جديد ليقحم الكون فيه، ازداد الكون تمرداً وتبعثراً وتفرقاً ليكشف أن هذا الإطار ما هو محطة عابرة في تاريخ فهمه ومعرفته، وأنه سائر إلى نحو آخر أكثر إلغازاً وإبهاماً.

هكذا نصل إلى المرحلة الأخيرة منذ حوالي 1875 إلى وقتنا الحاضر. يتراجع الاعتقاد بميكانيكية الكون وتحض فكرة ديناميكيته. الكون لا يعود آلة ضخمة كبيرة كما في المرحلة السابقة، ولا نظاماً دقيقاً صارماً يسير وفق قوانين طبيعية محتومة في حركة خطية مطلقة. الكون الآن هو مجموع التفاعلات المكونة له. هذا ما يذهب إليه آينشتاين الذي قوّض بنسبيته الأسس العلمية التي سبقته. فالمكان والزمان حسب آينشتاين لا وجود لهما خارج العناصر المادية  المكونة لهما والمتفاعلة فيهما. الفضاء الخالص لا وجود له، بل هو العدم بذاته، ولا يمكن تصوره إلا إذا كان يحتوي على النجوم والكواكب والسيارات والشهب والنيازك والاشعاع والسدائم والغاز والغبار وحقول التجاذب، وجود الفضاء مرهون بوجود محتواه من المادة والقوة، فمحتواه هو الذي يجعله هو هو، وهو الذي يسبغ عليه خصائصه. [1]

نسبية آينشتاين صاغت الكون بما يحتويه من مكونات، وما يعتريه من أحداث وانفجارات واعوجاجات واختراقات، لا بما يرصده له الانسان من قانون ثابت. آينشتين الذي أوقف حياته كلها على اكتشاف قوانين الطبيعة، يعترف أخيراً  “أشد الأشياء استغلاقاً على العقل في هذا العالم، أن العالم يمكن تعقله”. ينهزم العقل أمام الكون المستغلق على ان يُفهم أو يعقل أو يقنن ضمن قانون ثابت. فالثابت أنه ليس هناك ثابت في الفهم الإنساني للكون.

ربما أمكننا أن نقول، إن (الكون) ارتاح لوصول الانسان أخيراً لهذه النتيجة. وكأنه عبر تمرداته الطويله وصراعاته التي أوقع فيها عقل الانسان، كان يريد أن يوصله إلى مثل هذا. أن الكون وجودٌ قائمٌ في (حياة) لا في (آلة). أنه كائن متفاعل لا آلة صماء. القانون ليس سوى آلة، طالما أنه يريد أن يُلجم حركة الكائن الحرة والمتفاعلة. الكون لا يعبأ بما يريده منه الإنسان أن يكون. هو كائن فقط بما هو. وعلى عقل الانسان أن يتقبله كما هو، بكل ما فيه، لا كما يريد. يقول فرنل:”إن الطبيعة لا تعبأ بالصعوبات التحليلية ولا تكترث للصعوبات الفلسفية ولا لقوانين المنطق بل ولا لمقتضيات الفيزياء. إنها تعمل والسلام. أما القول بأن فكرة من الفكر لا تكون صحيحة إلا بمقدار ما تنطق عن عقولنا فهو هراء من هراء، لأن ذلك معناه أن الكون قد قُدّ بالضرورة وفقاً لمقولات عقلنا وإنه يحرص على الانسجام مع مطالب فكرنا. فليكن الكون ما يحلو له أن يكون، وما علينا إلا أن نسجل ما نسمع ونرى”[2].

 

(5) التحول بعلاقتنا مع الكون من (أن يكون وفق ما نرى) إلى علاقة (أن نسجل ما نسمع ونرى)، يجعل من الكون حضوراً دائم الدهشة والابداع والامتاع. دائم التجلي في حكمة وجمال خارقين. إن الكون المتحرك وفق ما يُراد له (الكون الآلة)، هو كون معروف سلفا من أين يبدأ وإلى أين يسير. ولهذا، هو فاقدٌ للقدرة على إدهاشنا، فاقد أن يكون حدثاً غير متوقع، فاقد أن يربك توقعاتنا واستنتاجاتنا. أما الكون الذي يتحرك وفق ما يُريد (الكون الحي)، فهو كون يبتكر نفسه بنفسه كل يوم، لهذا نحن في ترقب ما يفاجئنا ويدهشنا ويخترقنا ويسحرنا، نحن في تواضع ما يأتيه من أفعال وردود أفعال. لهذا كان آينشتاين يرى أن الاحساس الصوفي بنواميس الكون هو نمط عميق من التدين. هذا الاحساس يجعلك في دهشة ما لا تدرك وما لا تصل إليه. يقول:”إن أجمل انفعال يمكن أن تهتز له نفوسنا هو الانفعال الصوفي. فهو أصل كل فن، وكل حق. معرفتنا أن ما لا ندركه موجود حقاً ويتجلى حكمة وجمالاً، وأن ملكاتنا الفقيرة لا ترى منه غير أشد صوره فجاجة، هذه المعرفة وهذا الشعور، هما محور الشعور الديني الصحيح. بهذا المعنى، وبهذا المعنى وحده، اضع نفسي في مصاف الرجال المتدينين تديناً عميقاً”[3]

ملكاتنا الفقيرة لا ترى من الكون غير صورة سطحية فجة: آلة صماء مطيعة ومستجيبة ومنفذة لقرارات غيبية نافذة، أو لقوانين ثابتة مفترضة، لكنها ليست ترى منه ذلك الوجود الغامض الجميل المشبع بالحكمة، والنافذ بالبصيرة البعيدة، والقادر على التحكم والاختيار وفعل ما يريد وما يرى، مما قد لا ُيراد، ولا يُرى له.

 

(6) الإطار الذي أُريد طويلاً للكون أن يُقحم فيه، هو عينه الذي أُريد للإنسان (الأشبه بالكون من حيث الاستعصاء والاستغلاق والتمرد والتفرق والتبعثر والتشتت) أن يُقحم فيه عبر التاريخ أيضاً. يتشابه التاريخان حتى يبدوان منسجمين ومتطابقين تماماً. تاريخ الإنسان صراع مماثل بين إطار (جماعة، ثقافة، معتقد، نظام) يراد إدخال أكبر عدد من الأنفاس فيه، وبين أنفاس مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول فيه. وكما أن فهم العالم وتعقلنه صعب مستغلق، كذلك الإنسان الذي هو عالم صغير، صعب أن يفهم وأن يحصر في إطارات ثقافية تفرض عليه مسارات حياته وتفكيره.

تقرر اُطر الثقافات والجماعات: الإنسان إبن شرعي لقانون واحد فقط، ولإطار واحد فقط، و ما سواه خارج عن شرع الفطرة التي تسير عليها الخليقة. تحمل كل ثقافة (وكل جماعة) إطارها الواحد وتمضي به نحو العالم. تحاول، لتقنع العالم بمثالية إطارها، أن تفسر الانسان وفق نموذجها، أن تُدخل أكبر عدد من الانفاس في (غايات) إطارها.

تمرد الكون أوصل العلم إلى استحالة التعامل معه كآلة ضخمة، أو كإطار ثابت، بل كوجود حر فاعل متفاعل. لكن هل استطاع الانسان أن يوصل الأُطر التي تريد ضمه في داخلها، إلى استحالة التعامل معه كآلة؟ وأنه تماماً مثل الكون، يفعل ما يعي ويُريد، وأن علينا فقط أن نسجل ما نسمع ونرى، وننشغل بفهم الإنسان والعالم، لا الحكم على أي منهما؟

هل ستكف الأُطر عن أن ترى الانسان بغير تلك الصورة (الفجة): أنه غير قادر على السير دون (إطارها) المحدد له سلفاً، والمطلوب منه أن يكون على مقياس نموذجه أبداً؟! هل ستتمكن بملكاتها الفقيرة والعاجزة والمحدودة، أن تدرك الجمال الكامن في فكر وروح وقلب الإنسان، أن ترى الحكمة في تمرده الذي يصنع العالم، ويثري وجودات الكون؟!

هوامش:

[1] آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص64

[2] www.el7ad.com/smf/index.php?topic=76700.0;wap2

[3]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D9%85

[4]، [5]، [6] آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص 130، 83، 15.

وصلات:

الكون بوصفه متمرداً (1) http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12131

الكون بوصفه متمرداً(2) http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12167

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.