فراشة باسمة

على «نحو» مُتَبَقيك

دوماً في الثقافة التي لم يترسخ فيها النقد ترسخاً يقضُّ مضاجع بدهياتها، تجد الكتابة سوء فهم أو سوء تأويل، حين يتعلق الأمر بمحاولة لإعادة فهم هذه البدهيات، وعملها، وعلاقة الإنسان بها. البرنامج هو إحدى البدهيات في ثقافتنا. الإنسان المُشَبَّع ببدهيَّة أن الإنسان لا يمكن أن يكون في الحياة من غير برنامج وهدف وخطة وطريق، لا يمكن أن يقبل فكرة أن تخرج من برنامج، إلا لتدخل في برنامج غيره، وكلما كانت مغادرتك للبرنامج الأول هروباً (كالتي هربت)، صار دخولك في برنامج مقابل له ضرورة توبة (كالتي تابت)، أو أنك تصير إلى ضياع (كالتي ضاعت). فإن تخرج من برنامجك؛ يعني وفق هذه الثقافة، أن تلتحق ببرنامج ديني آخر أو علماني أو ماركسي أو يساري أو..

اللوحة للفنان عباس يوسف

لا يمكن لهذا العقل المُشَبَّع، أن يفهم فكرة أن الإنسان يكفيه أن يتَنَفس خارج البرنامج. أن يتَنَفس أحدنا الله خارج منظومة البرامج الدينية أو الأيديولوجية. تبدو هذه الجملة نقضاً لبدهيته التي تقول إن الإنسان لا يكون إلا ببرنامج. وهي تشبه أيضاً جملة أن «الإنسان ليس عقلاً»، وأن «الإنسان ليس بحاجة إلى نظام». هذه الجمل، حين نفهمها على مستوى النقد، فهي لا تعني أن الإنسان يجب أن يترك يعيش الفوضى والضياع من غير نظام ولا برنامج ولا عقل، بل تعني أن الإنسان عليه أن يتذكر إنسانيته (بما هي نَفَس الله)، قبل أن يتذكر الأنظمة والبرامج التي تعمل كقواعد نحوية صلبة لتحديد نحوه وطريقه.

في مقالي الذي تحدثت فيه عن حاجة الإنسان لأن يتنفس خارج تكبيل البرنامج، واللغة خارج تكبيل النحو، كنت أنطلق فيه من «نحو» نقدي، يرى في البدهيات والمسلمات وقواعدها، مناطق بحاجة دوماً للاختراق، كي لا يستحيل الإنسان فيها آلة يعمل وفق كاتالوج خاص [1]. كنت أشير إلى «نحو» لا يختزل الإنسان في صورة آلة، ولا يختزل أنفاسه في صورة كتالوج مبرمج.

ومن أفق هذا «النحو» النقدي أقول، إن الجماعات الأيديولوجية والجماعات الدينية ترسِّخ فكرة البرنامج باعتبارها «غاية» تصوغ وفقها كتالوج الإنسان، وتجعل من الإنسان آلة لا يمكن تشغيله (كما ينبغي) إلا من خلالها. فحين أنقد فكرة البرنامج فأنا أنقد هذه الغاية، كما أنقد الأفق الذي تشتغل من خلاله هذه الغاية حين تصوغ أسئلتها: ما برنامجك؟ ما هدفك؟.. الخ. لكني لا أنقض فكرة أن الإنسان يحتاج إلى برنامج ينظم من خلاله شؤونه الدنيوية والحياتية. لكني في الوقت نفسه ضد فكرة البرامج التي تقدم نفسها للإنسان على أنها خلاصه الأخروي، وتعِده بمكاسب أخروية تكون هي الضامن لها. مثل هذه البرامج ليست فقط تفسد على الإنسان برنامجه الدنيوي، بل تفسد عليه متعة اكتشاف الأنفاس الأخرى ورؤية جمالياتها، تجعل نفسه ضيقاً بالأنفاس الأخرى متعالياً عليها مكتفياً ببرنامجه منكفئاً عليه.

برامج الجماعات الأخروية والأيديولوجية وجماعات الخلاص، تحيل ثقافة الإنسان إلى مجموعة من الأوامر والنواهي، تماماً كما هو شأن الكمبيوتر، لا يمكن للكومبيوتر أن يتنفس خارج هذه الأوامر، ولا أن يتصرف. كذلك الإنسان المحكوم بثقافة برامج الأمر والنهي، لا يمكنه أن يتصرف خارج قواطع أمرها ونهيها. لا يمكنه أن يؤول المواقف والنصوص أو برامجه الدنيوية بنَفَسه الخاص.

أن يكون برنامجك هو أن تتنفس، هي دعوة ضمنية لما يسميه جيل دولوز «خطوط الانفلات» [2]، فالدولة أو الجماعات الأيديولوجية المتصارعة فيها أو الجماعات الطائفية المحتربة على مغانمها، تضع خططها على هيئة برامج، تستهدف الاستحواذ على الإنسان واستقطاب صوته وتوجيه مآلاته. وبقدر ما تنجح هذه الخطط في عملها الاستقطابي هذا، فإن هناك ثمة أنفاس تنفلت خارج حدود خطوطها وخارج مخططاتها وخارج برامجها. تنشق عليها. تتنفس خارجها. هكذا يكون الانفلات هو هروب واعٍ من الخطوط المعدة لك سلفاً أو المتوقعة منك حالاً أو المقبولة منك مستقبلاً. الانفلات هو برنامجك الخاص، هو أنفاسك المنبثقة من جوف إنسانك، لا من جوف خطك. بهذا المعنى أفهم عبارة سيوران حين يقول «أن أتنفس، أليس هذا كافياً».

خارج الجماعات هناك قواعد النحو أيضاً، يمكننا أن نفهمها أيضاً ضمن مفهوم الانفلات. القواعد برامج للكلام. لكن هناك كلام يبقى خارج القواعد. كان يسميه النحاة «الشاذ»، وهي تسمية لا تعني أنه غير صحيح، ولا أنه خاطئ، بل تعني أنه لا يخضع لبرنامج القواعد. أنه متنفس خارج هذا البرنامج. وحين يتمكن هذا (الشاذ) من أن يكوثر من أمثاله، يجبر اللغة على أن تغيِّر قواعدها، ولا تسألوا حول هذا اللغة العربية، بل اسألوا لغات العالم كلها.

ولأن هذا (الشاذ) هو مشروع لشيء جديد، شيء من قبيل ما يتمناه حمزاتوف (يخضع فيه النحو للغة، لا اللغة للنحو)، فإن علم اللغة الحديث أو اللسانيات، وضع له اسما لا يحمل حكم قيمة (خلاف تسمية الشاذ التي تحمل حكماً تبخيسياً يشي بالنبذ). فأسماه «المتبقي». حين تتعرض إلى حالة اختناق، فإن المتبقي من أنفاسك النقية، تلك المنفلتة من التشبع بثاني أكسيد الكربون، تكتب لك حياة جديدة. كذلك المتبقي من الكلام، يكتب للغة حياة جديدة، لأنه يمدها بنَفَسٍ جديد. نَفَس يتيح لها أن تنفلت على «نحو» حرٍّ مبدع.

والأمر أيضاً مع الإنسان. من يبقى منفلتاً (بوعي) خارج قواعد الجماعات ونحوها وبرامجها، يكتب للبشرية حياة جديدة، ونفساً جديداً. فإن تكون منفلتاً من البرنامج، لا يعني أن تكون من غير برنامج. لكن يعني أن برنامجك هو متبقيك، لا يصب في «نحوٍ» يُنتَظر منك، بل من «نَفَسٍ» تُخرِجُه نقاوة الإنسان فيك..

هوامش

[1] http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5180

[2] http://www.doroob.com/?p=19063

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7255

 

شاركها

مقالات ذات صلة

4 تعليقات

  1. juliet92

    18 يونيو, 2008 at 4:15 م

    هذا الهروب .. هذا التمرد ..
    هو الذي يجعلنا استثنائيين!!

  2. فراشة

    18 يونيو, 2008 at 6:34 م

    الهروب .. التمرد..
    استثناء ثمنه طويلاً..
    هو حلم آخر.. واكتشاف جديد آخر.. وصمت آخر..

  3. حواشي

    22 يونيو, 2008 at 5:43 م

    ” في معركتنا الروحية, ليس هناك ماهو سلاحك أو سلاحي , خذ أي سلاح إذا كان ذلك يخدم الجميع ” كافكا…..هي مقولة نالت إعجابي وددت أن أضيفها تعليقا على مقالك الذي نال إعجابي … … إعتقادا مني أن التجربة خير برهان لنكون قادرين على تصديرها للاخرين,, دائما تضيفين الجديد بطريقتك…

  4. باسمة القصاب

    23 يونيو, 2008 at 9:12 م

    حواشي أيتها الرائعة..
    أحب حواشيك التي تجعل حتى (سلاحي) شيئاً يتنفس..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.