فراشة باسمة

أن أتنفَّسْ

As a service we have provided you this image for COMPING/VIEWING purposes ONLY.
To purchase a larger version of this image, search for the 6-character Image Name at:
www.painetworks.com
Search for the 6-character Image Name at the  above website, then click on the Price link next to the thumbnail image. 
Note: If the original Image Name has been changed, open the image in Photoshop. 
Go to File:File Info:Section:Keywords
The Image Name will be the top keyword.
sales@painetworks.com
tel: (701) 947-5932
tel: (888) 966-5932
fax: (701) 947-5933 

«كفُّوا عن سؤالي عن برنامجي: أن أتنفس. أليس برنامجاً كافياً؟». إميل سيوران [1].

ذات جماعة، سُئلت وأنا على وشك مغادرتها: «أخبرينا عن مشروعك الفكري الخاص الذي صرت تتبنينه، ما هو؟». كان ذلك، على نحو يقصد إِحراج خروجي، أو تسذيج هروبي.

اليوم، وأنا هاربة بغير ذات جماعة، أُسال كثيراً: ماذا بعد؟ ما جديدك؟ ما مشروعك المقبل؟ ما برنامجك؟ ما هدفك؟ ما رسالتك؟ إلى أين تسيرين؟ يأتي كل ذلك، على نحو يُخشى عليّ فيه من جديدي، أو يشفق عليّ مني، أو، أو..

تختلف الأنحاء (جمع نحو). والنحو هو الطريق الذي تسلكه. الجميع يريدك أن تنحو ما يتمثلّه هو، أو أن تتمثل ما يرتضيه نحوه، حيث نحوَّه هو البرنامج الأمثل، والمشروع الأكمل، والهدف الأسمى، والغاية الأبعد، والهروب الأخير، والخلاص الأول. الكل يخشى عليك (كما على غيرك)، أن تتنفس خارج أجواء نحوه، يخشى مغادرتك نحوَّه إلى نحوٍ آخر، يشفق عليك غربتك في الأنحاء الأخرى، أن يشتتك هواها، أن يخنقك هواؤها الغريب، فتموت فيها ولا تحيا. وربما يخشى على نفسه، أن تذره بشيء من هوائها الغريب، فتفسد عليه نقاوة عِرق هوائه، وتلوث قداسة نحوِه، بلوثِ غير.

«النحو» ليس مشكلة اللغة فقط. بل مشكلة الإنسان أيضاً. ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يتحرك على نحوٍ حر. والمبدعون (الذين يشقُّون نحواً آخر)، يؤرقهم دوماً النحو. ذات يوم قال حمزاتوف «أريد أن أكتب كتاباً لا تخضع فيه اللغة للنحو، بل النحو للغة» [2]. واللغة هي متنفس الإنسان الأكبر، ومتى كبّلها النحو، صارت خنَّاق الإنسان الأكبر. اللغة المختنقة لا تفقد قدرتها على التنفس وحدها، بل تخنق معها حضارتها ودينها وسياقاتها التاريخية وثقافتها. تفقد هذه كلّها سعة تنفسها. ربما يكون الدين، هو أشفُّ الأشياء في إظهار اختناق الحضارة واللغة. فمتى فقدت حضارته قدرتها على التنفس، يفقد الدين أيضاً، قدرته على أن يكون نحواً يسع اختلاف أنفاس الإنسان.

كان حمزاتوف يريد كتاباً غير خاضع للنحو، بل متسع بالنحو، كتاب يتصرف في تعبيره على نحو مبدع. الكتاب يمثل رئة الإنسان الفكرية التي تموت حين تفقد قدرتها على التنفس. لذلك ظلت روح حمزاتوف دائماً هائمة في جبال داغستان، كي يضمن لكتابه هواء لا يخضع لقواعد الجبال، بل لقممها.

السؤال عن برنامجي أو مشروعي، كان دائماً يستحضر في داخلي سؤالاً آخر، ترى هل يمكن أن أؤلف برنامجاً (كتاباً)، لا يخضع فيه الإنسان للنحو، بل يخضع فيه النحو (بما هو طريق) للإنسان؟ هل يمكنني أعمل وفق برنامج، على «نحو» لا يبرمجني؟

حين تكون إرادة أحدنا أن يؤلف كتاباً، من دون أن يسبق هذه الإرادة همُّ البحث عن نَفَس متَّسِعِ وتنفس جديد، لن يكون هذا الكتاب غير قواعد وبرامج تكبل رئة الإنسان كي لا تتنفَّس، لن يكون غير آليات تخنق نَفَسَه وعقله وفكره. والكتَّاب الذين تسبق إرادتهم للكتاب، إرادتهم للتنفس، هم كتَّاب يضيِّقون الأنحاء على الإنسان. لا فرق بين هؤلاء وبين أصحاب الأيديولوجيات والعقائد المغلقة والطوائف المختنقة والجماعات المبرمجة والسياسيون المشغولون بغنائم جماعاتهم، كلّهم على درجة واحدة، يقفون مانعاً كي لا يتمكن الهواء أن يخلخل رئة الإنسان أو رئة مجتمعه أو فكره أو عقله. يقف هؤلاء ضد الطرق التي توصل إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. فطريقهم إلى الله لا يستقيم إلا عبر برنامج صراطه شعرة.

شعرة هذا الصراط لا تحتمل صراط المدينة الواسع، لا تحتمل ربيع الأنفاس المختلفة والمختلطة فيها، لا تقبل اختلاف إنسانها وتعدد طوائفها وأشكال مرحها وألوان ثيابها وبحر هوائها المفتوح على العالم. تصير الشعرة برنامجاً أحدُّ من السيف. تضيق حتى بمتصوفي الدين الذين ليس بينهم وبين السماء غير خرقة، يخترقون بها طريقهم إلى الله باتساع.

ليس أكثر من المتصوفة قدرة على جعل المدينة مكاناً للتنفس والاتساع. ولهذا ألَّف ابن عربي برنامجه في التنفس، فشق صراطاً واسعاً يأخذه إلى الله، وفي المقابل، شق صراطاً واسعاً إلى الله ليكون حاضراً في الإنسان ومدينته. كان فقه ابن عربي بقدر اتساع نَفَسه واتساع صراطه (برنامجه) واتساع خياله. وكان فقه الفقهاء الذين لا صوفة توصلهم بالإنسان، يضيقون بخرقته وتتخرَّق أنفاسهم به، فيخذلهم الخيال.

النَفَس الإلهي (بفتح النون والفاء)، عند ابن عربي هو مصدر خلق الإنسان، والإنسان تجلٍ من تجليات هذا النَفَس. ليس هناك أوسع من هذا النَفَس الذي هو أصل الإنسان، ومن عرف أن أصله هو هذا، سيعرف اتساع ربه لجميع خلقه باختلاف مللهم ونحلهم (من عرف نفسه عرف ربه). هكذا تتسع معرفة ابن عربي إلى حد أن يقول «قل في الكون ما شئت»، فسعة الله تستوعب كل أقوالك ومعتقداتك وأفكارك وأنحاءك، قل في الكون ما شئت وانح ما شئت وتنفس ما شئت. كل البرامج مشرعة على الله. تنفس فقط على أي نحو تشاء، وستجد نَفَسك يأخذك إلى الله، أو ما تعتقد أنه الله. هكذا يتكثّف نَفَسُك متحرراً من كفاف أسئلة لا يكفّ الآخرون عن حملها إليك مثل: ما برنامجك؟ ما مشروعك؟ ما هدفك؟ ما..

تعقيباً على مقالي السابق الذي قارَبَ كثافة النَفَس الإنساني المتمثل في نموذج «راشيل»، أرسل العزيز حامد الحوري يقول: «الهي علمني كيف أحيا، أما كيف أموت فإني سأعرفه» [3]. سأضيف: إلهي علمني كيف أتنفس، أما برنامجي، فإن نَفَسي كفيل به. أليس برنامجاً كافياً؟

هوامش

[1] إميل سيوران. المياه كلها بلون الغرق. ترجمة آدم فتحي. منشورات الجمل. ص 100

[2] رسول حمزاتوف، بلدي، ص .82

[3] http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7118

http://www.alwaqt.com./blog_art.php?baid=7188

شاركها

مقالات ذات صلة

10 تعليقات

  1. حسين عبد الأمير طرادة

    11 يونيو, 2008 at 10:34 ص

    أن تنطلق مع أنفاسك فذلك برنامج برنامج حياة، والحياة ستكون مشرقة إذا كانت أنفاسك مزينةً بعبير الورد، أما إذا هجمت روائح أخرى لا صلة لها بالورد، فليس للحياة أي برنامج، وليس للوجود أي مشروع، وذلك يعني أن يكون وجودنا وردياً خالصاً، وإلا فأنت لست موجوداً، وعندما تبحث عن ذلك الوجود الوردي، فلن تعثر إلا على وجود واحد يضمن لك وجودك كما تريد، وهو أن لا يكون لك وجود سوى الحق، وربما أشار إلى ذلك الحلاج عندما أدرك أنه ظفر بحقيقة وجوده الوردي، فقال: أنا الحق، وما في الجبة إلا الله. وكانت مشكلة من سمعوه أنهم كانوا خارج وجوده الوردي فكفروه وحكموا عليه بالقتل.

    وما أخشاه، أن جهل الآخرين بوجود أي شخص لا يعلن عن لون وجوده (وردياً أو أي لون آخر) سيقودهم إلى تنفيذ حكم الحلاج فيه.

  2. فاضل حبيب

    11 يونيو, 2008 at 10:37 ص

    تشدني النزعة الصوفية والعرفانية في الكتابة، ” أن أتنفس”، ولعل السر في نجاح باولو كويلو في الخيميائي والزهير وغيرها هي هذه النزعة.. قرأت مقالك مرتين، أمس واليوم. فعلاً الإنسان لا يكون كاتب مناسبات أو شاعر مناسبات، يريدون للاسف كاتباً على طريقة
    Switch on & swith off!

  3. علي الشارقي

    15 يونيو, 2008 at 2:37 م

    أنا لا أريد التعليق على مقالك بقدر ما أسعى لتسجيل موقف ..

    تطالعنا هذه الأيام كتابات أشبه بالطلاسم المسكوبة على الورق المحشوة بأسماء منظرين وفلاسفة أمثال ( ديديه أنرو ، بولو فراي، جوزيف كامبل ، جون أوستين، مايكرانغ ، ديكارت ) ولوهلة تظن أن كتابنا ما شاء الله عليهم تحولوا من فريق المخارقة إلى بيكادلي ، مضيعة وقت .. كل يريد أن يبدوا مواكبا للقراءات الحديثة والنظريات أمام الناس ظنا أنهم بذلك يسلبون ألباب القارئ ، عجبي ..( الناس ملت ) تنفسي ما شئت سيدتي ولكن أيضا تذكري أن الستة عشر عاما التي أمضيتها محصورة في جماعة الأمر يمضيها غيرك ممن ضربت عليهم المسكنة تحت وطئة ( القسم ) لا يحسنون التخلص من الغلاف أو أسميه الأخطبوط الذي جثم على رؤوس الغلابة . أنت مسئولة أملم الله إن كنت مؤمنة به أو أقلها أنت مسئولة أمام مصطلح (الأخلاق) ولو بمحاولة لإخراج على الأقل من تسببت في وقوعه في تلك الشبكة أو ساهمت في اطمئنانه وقولك أن انشقاقك على الجماعة ليس معاديا وإنما خلافا فكريا يقود الناس بصورة طبيعية لسؤالك عن ( برنامجك ) .

    شدني كتابك المعنون ( كالتي هربت ) وكثير منا مر بتجارب مشابهة ولكن أقل قسوة ربما ، ولكن ما أخاف عليه أن تتحول أختي باسمة من كالتي هربت إلى ( كالتي ضاعت ) وهذا ما لا أتمناه ، وحتى يتمكن الناس من الكف عن طرح مثل تلك الأسئلة لا بد من حصولهم على الإجابة التي لا تحتمل اللبس حتى لو كان تحولا جذريا علمانيا كان أم ماركسيا ، ذلك فقط الذي سيؤسس الحوار النقي بعيدا عن اللعب بالمفردات .

  4. حسين الجمري

    17 يونيو, 2008 at 10:44 ص

    السلام عليكم
    ليس لي أي تعليق على موضوعك هذا , و إنما الموضوع الذي يرتبط به و الذي نشر اليوم, و بعيدا عن كل ما تقصدينه و لكني توقفت عند بعض الجمل التي أثارت عندي رغبة في العودة لموضوع قديم أحببت أن اكمله, مع أعتذاري لك على اقتباس عبارات من مقالك و صياغة الموضوع ببعض من ألفاظك على الرغم أن هذا الموضوع لا يرتبط بموضوعك, و لكن كي لا يفهم كلامي أنه رد مباشر على مقالك, فأنا لم أعي شيء مما أردت قوله,
    و إن أحببت الإطلاع عليه فهو على هذا الرابط

    http://www.banijamrah.info/hussain/?p=320

    تحياتي
    .

  5. فراشة

    17 يونيو, 2008 at 10:46 م

    العزيز حسين طرادة..
    شكراً للونك الوردي، بل لونك “السهروردي”؛ ذلك الإشراقي، الذي قَتَل إشراقته، حكم فقه لا يرى جمال الألوان، ولا يعترف بربيعها..

  6. فراشة

    17 يونيو, 2008 at 10:46 م

    العزيز فاضل حبيب..
    شكراً لك، ولذائقتك الصوفية، التي أشاركك الرأي فيها، وأجدها طراوة تتنفس فينا على نحو آخر..

  7. فراشة

    17 يونيو, 2008 at 10:46 م

    الأخ علي الشارقي..
    لا أعتقد أن فيما كتبت أنا شيء من (الطلاسم) على نحو ما ذكرت، والدليل أنك مستوعب لمقالي وكتابي، رغم ما وصفته من طلسمة كتاباتي بـ”أسماء منظرين وفلاسفة أمثال ( ديديه أنرو، بولو فراي، جوزيف كامبل، جون أوستين، مايكرانغ ، ديكارت)”.
    لكن يبدو أن الطلسمة التي تعنيها هنا، هي ليست فعلاً ذهنياً (بمعنى عجز الفهم عن إدراك معنى القول)، بل هي فعل ثقافي (بمعنى عجز الذهن عن قبول مصدر القول).
    فتشكيلك يرفض أي فكر لا يصدر من جوف ثقافتك ومرجعيتك الدينية والمذهبية والعقيدية، لذا يريح هذا التشكيل نفسه، بأن يقوم بطلسمة كل ما يأتي من الخارج، تحقيراً له وتسفيهاً وتقزيماً.
    طلسمة كتابتي بالنسبة إليك، مردها وجود أسماء لا يقبلها برنامجك الذي هو قيد خطك. هذا الخط (كما يبدو) لا يرى في أي شيء يأتي من الآخر غير ضلال ومضيعة وقت وضياع وعبث.
    عن نفسي، تُكاثر هذه الأسماء (عبر تجاربها وتراثها الانساني) مرجعياتي، التي تشكل بدورها زاد معرفتي الإنسانية (لا الخطية). أضيفها إلى ما لدي، وإلى تجربتي ذات ال16 عاماً، فأتسع بها جميعاً.

  8. فراشة

    17 يونيو, 2008 at 10:47 م

    الأخ الباحث حسين الجمري..
    شكراً لمرورك الذي أعتز به كثيراً.. فمدونتك محل أطوف عليه بين حين وآخر، ويلفتني ما فيها من تنوع بحثي شيق..
    شكراً أخرى لربطك ورابطك الذي أسعدني

  9. سكينة

    8 أغسطس, 2008 at 11:12 م

    مرحبا عزيزتي الكاتبة المتألقة باسمة القصاب ……

    أولاً أشكرك جزيل الشكر وأحي قلمك الكريم وأبارك لجرأته على البوح بما يجول في داخله وأن كان تنفسه مختنق بهواء غيرة وبهواء العادات والتقاليد والدين .

    عزيزتي الكاتبة المتألقة من منا لا يريد هذا البرنامج الكل يسعى إليه حتى ما وراء الوهم والخيال ولكن هناك عائق كبير بين التنفس وبين فهم الإنسان حتى لو كان يستطيع أن يدير الكون كله .

    عزيزتي أعترف لك بكل صراحة أنا واحدة من الذين يخافون التنفس وأن كان هذا مشرعي والتي أسعى إلية بكل ما أتيت من قوى .

    هل يمكنني أعمل وفق برنامج، على «نحو» لا يبرمجني؟ سؤال حيرني وشل تفكيري .

    إلهي علمني كيف أتنفس، أما برنامجي، فإن نَفَسي كفيل به. أليس برنامجاً كافياً؟

    نعم ، يكون كافياً للشخص الواعي الذي يعرف التنفس .

    اعتذر لتأخير الرد ……. وشكراً جزيلاً ..

  10. قراشة

    8 أغسطس, 2008 at 11:15 م

    مرحباً عزيزتي سكينة..
    أشكر لك تعليقك الذي أسعدني كثيراً..
    ما الذي يخيفك من التنفس؟ ربما التنفس هو العملية الوحيدة التي نأتي بها بأنفسنا دون تدخل الآخرين، ودون تعليماتهم، ودون مراقبتهم. إنها هواؤنا لا هواء الآخرين الذي يريدون خنقنا به..
    تحياتي لك مكللة بأنفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.