فراشة باسمة

دارا الزرادشتي.. نور على نور

يتحدّى طبيب الأسنان عقيل الموسوي نفسه، يدخل عالم الرواية بمهارة طبيب حاذق، يستخدم أدواته المعروفة في جرّاحة الفمّ والأسنان: مرآته الصغيرة التي تكشف موضع النخر في الأسنان، ومسباره الذي لا غنى له عنه في سبر غور النخر وعمقه ومقداره، وما قد ينتج عنه من انهيار الأسنان وتلفها. بهذه الأدوات نفسها يقتحم عقيل الموسوي عالم الرواية، لكن برؤية الباحث في التاريخ والقارئ والناقد، يحاول أن يسبر غور مناطق في التاريخ الإنساني والإسلامي، يلجها بذات مرآته الكاشفة التي تبحث عن المواضع المنخورة التي ما زالت تضرب في تعصّب إنساننا، لا عصب أسناننا، ثم بذات مسباره، يطرق مناطق في هذا التاريخ المشحون بالصراعات الفكرية والعقائدية والسياسية، محاولاً سبر غور هذا النخر.

بعد 4 أعوام عن روايته الأولى “آريامه نامة” 2017، يصدر عمله الروائي الثاني “دارا الزرادشتي” 2021. في العملين اختار بلاد فارس ميداناً لبحثه وسرده وشخوصه في حقبتين زمنيتين مختلفتين. لكن الملفت هذه المرة هو ما حققه من انتقالة نوعية كبيرة في عمله الروائي وتمكنه من الأدوات الروائية.

تدور أحداث رواية “دارا الزرادشتي” في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري)، ينقلنا بطل الرواية دارا عبر رحلته الفكرية والعقائدية وسط أحداث سياسية وصراعات عقائدية مضطربة، نطوي معه 83 عاماً كاملة منذ لحظة ولادته حتى لحظة مقتله، نقطعها في أكثر من 400 صفحة. نبدأ من حيث مسقط رأسه مدينة (يزد) ونشأته زرادشتياً ينتمي إلى واحدة من العوائل التي تنسل الكهانة أباً عن جدّ. تنتظر دارا مهمة (الموبذ) التي سيمررها والده له ليكون خلفه في زعامة الطائفة. 

كانت الزرادشتية ديناً رسمياً لعدد من الإمبراطوريات الفارسية، قبل أن تغزو جيوش المسلمين بلاد فارس في القرن السابع الهجري فيما عرف بالفتوحات الإسلامية، ليصير الإسلام دين الدولة ويعانى الزرادشتيون من التمييز والمضايقة والاضطهاد. “نحن أهل هذه الأرض، جاء المسلمون فأمسينا تحت حكمهم أهل ذمة، ندفع لهم أثمان الأمان جزية، ضيوف لكننا في عقر دارنا” يقول والد دارا.  تتزايد حدّة المضايقات، فيوجّه الموبذ (والد دارا) الطائفة للنجاة بأنفسهم والفرار إلى الهند، فيما يبقى هو ليكمل مهمّة تأهيل ابنه دارا ليصير الموبذ التالي. يوطّد الأب النصوص والتعاليم الزرادشتية في كيان دارا الصغير. يكبر الموبذ في داخله، ويكبر تقديسه للنار والنور. النار طقس طهارة والنور أصل الخير. يتعلّم دارا من والده القصص التي تصطفي ملّة آبائه وأجداده، مقابل ما تُنقص من العقائد الأخرى، تصاغ رؤيته لها باعتبارها ملّل منسلّة من الزرادشية أو متحدية لها أو قاهرة. “علمني أبي قصص فرق مارقة انسلت من ملتنا: المانوية والزروانية والمزدكية، علمني عن ملل تحدّت عقائدنا بعلوم لاهوتها: اليهودية، والنصرانية، ولم ينس أبداً الديانة التي قهرتنا بجيوشها: الإسلام”. 

يبلغ دارا سن التكليف فيلفّ والده الزنار المقدّس حول خصره في طقس خاص: “هذا عدّتك للدين” ثم يمنحه الكتاب “هذا عدّتك للكهانة”، ويكون عليه أن يلتحق بالطائفة في الهند ليكون موبذها الجديد، لكن يأتي رد دارا الصادم: “لن أرحل. في فارس سأبحث عن معنى لوجودي”. يفارق الأب الحياة حزيناً، لتبدأ رحلة دارا، يطوف مدن فارس وقراها وصحاريها، من يزد إلى شيراز إلى نيسابور إلى قلعة آلموت إلى مراغة. 

يكون المانوي الذي يلتقيه في القافلة في الطريق من يزد إلى شيراز، أول صوت مختلف يسمعه دارا ويصدم حقائقه التي ورثها عن طائفته. سيتعرّف من خلاله على ماني الذي قتله أسلافه الموابذة الزرادشتيين بطريقة وحشية بتهمة الزندقة والهرطقة، سيسمع من نصوصه وأفكاره ما يجعله يخجل من سلالته التي تفخر بقتله وترى في ذلك إنجازاً عظيماً. يعيش دارا هزّته الأولى. 

في شيراز يمرّ بأحداث كثيرة، يعيش غربته فيما تستفز صلاة المسلمين مشاعره، تأسره، ينصت إلى صلاتهم باعجاب، لكنه يبقى يخفي زناره تحت ثيابه خوفاً من معرفة معتقده. تقوده الأحداث إلى التعرّف إلى الشاعر الشيخ سعدي الشيرازي، تتوطّد علاقته به ويرى فيه صورة متسامحة للإسلام ويتعلّم منه اللغة العربية، يتحرر تدريجياً من كره المسلمين، قبل أن يدخل الإسلام على يد سعدي ويصير مسلماً شافعياً. 

لا يخلع دارا زنّاره، ولا ينقلب على عقيدته، ولا يغادرها، بل يرى في دخوله الإسلام “نوراً على نور”، فالنور هو الخير وهو الأصل الذي تقوم عليه الأديان. يتعلّق بهذه الآية التي يراها تعزّز النور الأول في داخله (النور الزرادشتي) دون أن تلغيه، وتجعله يصل إلى أن ليس عليه أن يغادر نوره الأول ليدخل في نور آخر جديد، بل أن يبحث عن أنوار جديدة يضيفها إلى نوره الأول. أن يراكم أنواره.  

بوحي هذه الأنوار يكمل دارا رحلته إلى نيسابور وآلموت ومراغة، وبها يتعرّف إلى فريد الدين العطار (المتصوف) ثم الشيخ البلخي (المعتزلي) ثم الطوسي (الإسماعيلي)، فكلما وجد نوراً دخل فيه: “ولدتُ زرادشتياً من آل (كردير)، ثم أسلمت على يد الشيخ سعدي، وقال لي الشيخ البلخي أني معتزلي، ثم تدروشت، ورأيت النور المحمدي في حياة الخواجة العطار، صرت ثائراً اسماعيلياً، وانتهيت أخيراً لأكون شيعياً”. ربما بدت لي تحولات دارا خلال الرواية غير مقنعة أحياناً، شعرت بأنه ينقصها عمق ما أو مقدمات أكثر قوّة، وجدته كلّما تعرّف إلى واحد من الشخصيات المعروفة (سعدي، البلخي، العطار، الخواجة الطوسي) دخل في معتقده دون تردد أو مسافة من حيرة. ربما نجد له عذراً أن تحولاته تلك لم تكن في الجوهر، أي أنها ليست نسفاً لعقيدة ودخولاً في عقيدة مناقضة لها، بل تكمل كل واحدة الأخرى “نور على نور”. 

سنعيش مع دارا كل تحولاته تلك وسط سلسلة طويلة الأحداث والصراعات وقصص الاضطهاد والقتل، سيبقى الاضطهاد العقائدي الذي بدأت به الرواية، حاضراً طوال الرواية في صور مختلفة، فالزرادشتية التي عانت من اضطهاد المسلمين لها، مارست اضطهاد المانوية قبل ذلك، ثم سنرى اضطهاد المغول للمسلمين وقتلهم الوحشي لهم في بغداد وغزنة وطوس ونيسابور وآلموت وتخريبها وحرق الكتب قبل أن يعتنقوا الإسلام، ثم بعد دخولهم الإسلام، سنشهد اضطهادهم لأصحاب الملل الأخرى، ولن تكف الرواية أن ترينا صوراً لاضطهاد المسلمين لبعضهم البعض: أهل الظاهر تجاه المتصوفة وأهل الباطن، الأشاعرة تجاه المعتزلة، والسلاجقة الأشعريين تجاه الشيعة الاسماعيليين. ثم اضطهاد دارا وقتله بتهمة كونه زرادشتياً شيعياً اسماعيلياً باطنياً.   

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.