فراشة باسمة

عربانة عباس: “الثعابين لا تقتل الشجعان أبداً”

دائماً لدى اسم عبّاس حضور خاص في أذهاننا، حضور يرتبط مرّة بالنبل والإيثار والشجاعة كما شخصية العبّاس أخ الإمام الحسين، ومرة يحيل إلى شخصية مفهومية بحرانية مثالية  كما عبّاس في “قندة” حسين المحروس، ومرة إلى المواطن البحريني البسيط الطيب العفوي الأصيل كما في الكثير من المشاهد التمثيلية هنا وهناك. 

في رواية “العربانة”، للكاتب البحريني ماهر عبّاس، لنا حكاية أخرى مع عبّاس آخر، يتداخل حضوره مع كل الإحالات أعلاه، ويراكم معها صوراً جديدة. في هذه الرواية نشهد في عبّاس نموذجاً عصامياً مُلهماً صُلباً وعصيّاً على الانكسار، نموذج فيه من الذكاء والوفاء والنبل أيضاً، ما يشدّنا إليه بقوّة.

حكاية موغلة في الدراما، تنطلق من قرية السنابس، طفولة مُعتمة وواقع مؤهل لجرف الصبي نحو التشتت أو الضياع أو الهروب، لكن عبّاس، يختار أن يُشعل نوره الداخلي، بدلاً من أن يلعن عتمته أو يستسلم لها. لا ينتظر عبّاس شيئاً يأتي من خارجه ليغيّر حياته، بل ينطلق هو نحو الخارج وعمره لم يتجاوز الثانية عشر من العمر. يبدأ من حيث الصفر، من حيث العربانة التي اشتراها بالتقسيط ليعمل حمّالياً في سوق جدحفص، من حيث عثراته الأولى بها ومعها على الأرض المعبّدة بالصخور، من حيث صبية الكار (الكبار) الذين ترصّدوا له، ثم يغادرها نحو (عربانة) بشكل آخر، مشقّة أخرى تتقلّب به بين صعود وهبوط، وبدلاً من أن يعيش مثل أي طفل في عمره همّ الدراسة وحده، عاش عبّاس مسؤولية إعالة نفسه وعائلته. 

صغيرٌ يلعب مع أخته ليلى لعبة (السلّم والثعبان)، يرمي حجر نرده، يصعد السلالم الصغيرة بجلد وحماس، يقطعها عتبة عتبة، مشقّة مشقّة، وعندما يوشك الوصول إلى النهاية السعيدة، يباغته ثعبان يبتلعه إلى قاع العتمة مرّة أخرى. لم يكن يعلم أن حياته ستكون رهينة هذه السلالم الشقيّة، وتلك الثعابين اللعينة، فهل يرديه اليأس؟ “الثعابين لا تقتل الشجعان أبداً”. “ارم كل شيء خلفك، وتوجه فوراً لأقرب سلّم متاح، للبدء من جديد”. 

لا يقول (ماهر عبّاس) ما إذا كانت عربانته، باكورة إنتاجه الأدبي، رواية من وحي الخيال، أم سيرة حقيقية، يتعمّد أن يجعل القارئ مبلبلاً بين تفاصيل حقيقية حدّ اللمس، وتضليل هنا وهناك. لكن عبّاس، بطل روايته الحقيقي جداً، تمكّن طوال سرده لهذه الحكاية، أو هذه السيرة، أن يسمعنا صوته الداخلي بقوّة، أن يقبض على أنفاسنا، أن يبقينا منشدّين إلى معركته، إلى ما يبثّه فينا من أحاسيس ومشاعر وانكسارات ولحظات جميلة أيضاً، أن يجعلنا نتعثّر بين سلالمه وثعابينه، نسقط معه ثم  نفزّ قائمين: “الحياة معركة لا تنتهي إلا عند الاستسلام لها”. 

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.