فراشة باسمة

«الأحقافي الأخير» والنبش في الذاكرة المطمورة

هذه رواية لا تنتصر لأحد، ليس لأي من الأطراف المتقاتلة ولا المتصارعة، إنها تنتصر إلى الإنسان والأرض فقط، إلى ملح الأرض الأصيل. 

الذاكرة المطمورة

لا تقول «الأحقافي الأخير» للروائي العماني محمد الشحري (إصدار 2020)، إنها تتحدّث عن ثورة ظفار [1]، فما زال الكلام عن هذه الثورة ممنوعاً، ولا يؤتى إلاّ رمزاً، لهذا ترمز الرواية إلى أسماء الأمكنة والأحداث، لكنّها تتّسع في التفاصيل، وتمنح الواقع مساحة جامحة من الخيال بقدر جموحها.

يضع الشحري لروايته اسم «الأحقافي الأخير»، ينسب بطل روايته إلى بلد الأحقاف التي تدور فيها أحداث روايته، وهو اختيار يحمل مداليل كثيرة، فالأحقاف لغوياً ما استطال وأعوج من الجبال الرملية، وجغرافياً قيل أرض رملية بين عمان وحضرموت، وقيل فيها مساكن قوم عاد التي اندثرت وزالت بعد عقابهم بعاصفة رملية شديدة جداً طمرت المدينة بالرمال. 

فكأن التسمية في أحد وجوهها تربط بين كلمة الأحقاف (ما استطال واعوجّ من الجبال الرملية)، وما استطال من أحداث هذه الثورة وتداعياتها، وما أعقبها من عاصفة رمال القوات المتحالفة التي ضربتها وأخمدتها وطمرتها بالكامل تحت الرمال، كما طُمر ذكرها وصار مطلوباً نسيانها. لكن “الذاكرة هي الإنسان، وحينما يفقد الإنسان ذاكرته يفقد نفسه”.

الضحايا الأسهل

تجترح الرواية هذه الذاكرة بمهارة، وتلتفت إلى شقٍّ مغيّب فيها؛ الإنسان البسيط الذي لا طموح سياسي له، ولا انتماء إيديولوجي، ولا حاجة له غير الحرية، أبناء الجبل والبسطاء من الرعاة والسكّان الذين كانوا يحمون الثورة ويقاومونها في الوقت ذاته، لقد عانى هؤلاء من الطرفين المتصارعين وتألموا من الطرفين وتعرضوا للقتل والإعدامات والاتهامات بالتآمر والخيانة من الطرفين كذلك. إنهم الضحايا الأسهل في هذا الصراع.

يمثّل الأحقافي الأخير (علي سعيد) ورفاقه طرفاً ثالثاً ترسمه لنا الرواية، لا ينتمي إلى أي من الطرفين المتقاتلين على أرض الواقع: ثوار الجبهة، والحكومة وحلفائها. هو ثائر على الاحتلال والظلم، لكنه على مسافة من ثوار الجبهة، يستنكف أن يقتل أبناء الأرض الواحدة بعضهم البعض “تجد الأرض صعوبة في الانحياز إلى طرف من الأطراف المتقاتلة، كذلك الوضع في الأحقاف فكل المقاتلين أبناؤها، رضعوا معاً تراب الشقاء والتعب، ومع ذلك يوجهون فوهات البنادق  بعضهم إلى صدور بعض.. كيف تحولت الصدور إلى مخازن للحقد والغل؟”

للأحقافي رؤية ناقدة لطرفي النزاع: “نحن أصبحنا بين طرفين كلاهما يستخدم شعارات وخطباً أيديولوجية عاطفية، معظم هذه الشعارات مستوردة من خارج مجتمعنا، أما نحن ملح الأرض، فنعرف ماذا نريد، لا الجبهة بشعاراتها الشيوعية والماوية، ولا بروباغندا الحكومة بخطابها المصطنع ودغدغة المشاعر الإسلامية والقومية، يقنعوننا بمشاريعهم المرتكزة على عواطف عابرة لكسب الوقت والقوالب”. 

يعرّي الأحقافي أحد وجوه الصراع: “عندما أطلقت الجبهة أسماء مثل القمة الملحدة، ومدرسة لينين، أطلقت الحكومة أسماء ذات صيغة إسلامية على فرقها العسكرية: فرقة عمر بن الخطاب، وفرقة علي بن أبي طالب، وفرقة عمر المختار، متناسين أن عمر المختار شنقه الإيطاليون، وهم مستعمرون أوروبيون مثل الانجليز”.

الموقف لا الهروب

لا ينتمي الأحقافي إلى أي من الطرفين، هذا صحيح، لكنه لا يقف في الحياد، فالحياد أمام الظلم بلادة وتخاذل. أبقى الأحقافي نفسه على مسافة من الأطراف المتصارعة، ثم وضع أمامه هدفه الذي يريد “لا نريد إلا العدالة”، إنه موقفه الخاص الذي مضى إليه دون تردد. أن تبقى على مسافة بين طرفين لا يعني  وقوفاً سلبياً متبرماً بينهما، بل حركة متقدّمة عليهما. إنه ذهاب إلى الموقف لا هروب منه، مهما كلّف هذا الموقف من ثمن، “مشروعنا الذي لا نزال نؤمن به وسنموت دونه هو تحرير الإنسان من الخوف، خوفه من الأنظمة، ومن أخيه الإنسان”. 

ينشئ الأحقافي تياراً مقاتلاً حراً مستقلاً لا ينتمي إلى الجبهة ولا إلى الدولة، تيار لا هدف له غير تحرير الأرض والإنسان. “نحن شعب حرّ يرى قوة سلطته في ذاته”. هكذا يعلن الأحقافي موقفه الحازم “نحن لا نقاتل تلبية لشهوة القتل، ولا نخضع لسطان الانتقام والانتشاء بالدماء، نحن حملنا السلاح لطرد المحتلين الفارسي والبريطاني”. يقول الاحقافي الأخير.

نجحت الآلة الإعلامية الرسمية في تصوّير كلّ مقاتل بأنه شيوعي وملحد وكافر، ونجحت في تأليب الأحقافيين على بعضهم البعض، وفي التشطير المجتمع والتحريض على الوشاية والقتل. يتعجب الطيار الإيراني الذي وقع في يد فرقة الأحقافي بعد أن سقطت طائرته العمودية عندما يجدهم يقومون للصلاة. يسألهم متعجباً: لماذا تصلّون؟ ألستم شيوعيين؟ لقد أُرسل لمحاربتهم على أنهم شيوعيون، وكان يقوم بإلقاء القنابل عليهم حين سقطت طائرته بينهم فانتشلوه من الموت. يجيبه الأحقافي: “نعم نحن شيوعيون في إعلام آلة الدعاية البريطانية والحكومة التي تحاربنا، وهي تقول ما تشاء، لكننا كما ترى نصلي ونصوم ونخشى الله”. سيكون ما سيلقاه الطيار الإيراني بعينه من شهامة في التعامل وشجاعة وعفة وأنفة وصدق وكرم وحزم، ولادة جديدة له، ليصبح هو راوي هذه الرواية “أنا نشوان الحمري، ولدتُ لحظة الموت”.

المقاتل الأخير

لا يتأمّل الأحقافي من مشاركته في الثورة وصولاً إلى السلطة، بل تسليمها إلى الشعب “نحن نقدم أنفسنا كحركة تحررية وطنية تحاول تسليم السلطة إلى الشعب بدلاً من وضعها في يد قبيلة”. ولا يجد أن نهاية الثائر هي الوصول إلى السلطة، بل مراقبتها: “الثائر الذي صنع الثورة لا يحق له استثمارها، لأنه سيكون كمن فتح بقالة يسترزق منها. الثورات ليست دكاكين. الثائر إما أن يموت في تحقيق هدفه، أو يسلّم السلطة لغيره إذا تحقق النصر، وبعدها يعود إلى صفوف الجماهير فرداً لا سلطة له، يراقب مسار الثورة، أما إذا استفاد منها أو تقلّد مناصب فيها فهو خائن لها”. 

هكذا يسمعنا الشحري عبر هذه الرواية صوتاً جديداً داخل قلب تلك الثورة، صوت ثائر آخر يعيد تفكيك الثورة ويعيد قراءتها ويعيد لمس إنسانها وأوجاعه وصراعاته. وكأن الأحقافي هو المقاتل الأخير في الثورة، قبل أن تتمكّن العاصفة الرملية المدوّية من إخمادها، وطمرها بالكامل تحت رمال التاريخ المحرّم والممنوع من النبش.

[1]   ثورة ظفار (1965-1975). قادتها “الجبهة الشعبية لتحرير ظفار” التي صارت “الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل” لاحقاً، تمخّضت عن معارك ضارية بين المقاتلين المسلحين في ظفار من جهة، وجيوش السلطان والاحتلال البريطاني وحلفائهم من جهة ثانية. تم القضاء عليها في منتصف السبعينات بعد انقلاب أبيض نفذه السلطان قابوس على والده السلطان سعيد بن تيمور في 1970 واطلق مقولة “عفا الله عمّا سلف”، قبل أن تتم مواجهة الثورة بالاستعانة بالقوات البريطانية والحلفاء مثل إيران (الشاه) وغيرهم من القوى المختلفة.

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.