فراشة باسمة

مريم.. وطن المهجر

مع مريم النعيمي وابنتها أمل

كلمة ألقيت ضمن احتفاء قرابة 100 امرأة بحرينية بأم أمل في يوم عيد الأم 21 مارس 2017

يحضرُ اسمُ مريم النعيمي، فتحضرُ ذاكرةُ المنفى، المهجر، البيت، الوطن. تحضرُ عند كلِ أولئك الذين مرّوا على بيتِ مريمَ في المنفى، فكان وطنهم الصغير، وكل الذين لم يمرّوا مثلي، لكنهم قرأوا الكثير، وسمِعوا عن ذلك الملفى الآمن، في ذلك المنفى القاسي.

سأتحدثُ إليكم اليوم بقلبِ مهاجرٍ فقد وطنَهُ الكبير، لكنه حيث منفاه ذاك، لم يجد بيتاً يشبهُ بيتَ مريمَ يأوي إليه كما كنتم تفعلون حين يُقسركم الوطن، أو يتعذّر عليكم، أو تخشون العودةَ إليه. 

يتذكّرُ المهاجرُ ذلك البيتَ الآن، كان يظنُّ أنه شيئا من التاريخ لن يحتاجَ إليه إلا كذكرى جميلةٍ وحميمية، يتذكره اليومَ كحاجةٍ وجودية، يتمنّى أن يجدَه في مهجره، أن يطرقَ بابه، أن يتدفأ بأنفاسِ مريم فيه، وهي تحتضنُ من عزّت عليهم أوطانُهم. هو لا يتذكّر تفاصيلَه بقدر ما يعيشُ تفاصيلَ الحاجة إليه.. 

لماذا نحن اليوم في بيتِ مريمَ ونحن في وطننا الكبير؟ لا أظنّ أننا جئنا فقط لنتذكر هذا البيت الذي كان مأوى وملاذاً في المنفى، ولا أظنّ أننا هنا اليوم لنُدفِئ قلبَ مريم َ

بالحبِ الذي نُكنُّه لها جميعنا، بل نحن هنا أيضاً، لأننا نفتقدُ في الخارج الوطنَ الذي يجمعنا، الوطنَ الذي يحنّ علينا، الوطنَ الذي يعطينا الأمل في الخير، كما تفعل أم أمل.. 

قد لا نختلفُ كثيراً عن حالِ ذلك المهاجر، ما أكثرَ المنفيين في داخل أوطانهم، أولئك الذين لا ملاذَ آمن لهم، ولا غد آمن لهم، ولا وجود آمن لهم، ولا صوت آمن لهم، ولا حرية لهم ..

“لم نعد نعلمُ من الذي هاجر، نحن أم الوطن”، كل ما نعرفَه أننا بحاجةٍ إلى مأوى رحيمٍ لقلوبِنا المتعبة، لجراحنا المثخنة، لأرواحنا المنفية، كلُنا بحاجة إلى وطنٍ صغيرٍ يشبه بيت مريم؛ المواطنةُ فيه محبّةٌ ودفئ، المواطنةُ فيه لا تسأل عن عرقك ولا مذهبك، تشعرك أنك لست وحدك، وأنك كثير بمن يختلفون عنك، ويختلفون إليك، ويشبهونك في الوطن. نحن بحاجة إلى مواطنةٍ تشبه قلب مريم حين كانت تحتضنُ الجميعَ هناك، تفترشُ لهم الأرض، وتشعلُ فيهم الأمل بإمكانيةِ انبعاثِ الوطنِ من جديد، وعودتِهم إليه. تهدئُ رجفةَ الخوفِ التي تزلزل قلوبَنا مما ينتظر هذا الوطن، وما ينتظرنا فيه.

نطرق بيتَك يا مريم، ليس من باب الذكرى ولا التاريخ، ولا الزمن الجميل، بل من بابِ الحاضرِ والآني، من أجلِ تلك الرجفةِ التي تُفقدنا الأمان.  

مريمُ يا أمّنا، أيتها المعنى الجميلِ للوطن، أرجوك، أرجوك، ابقي بابك مشرعاً، فكلُّ الأبوابِ مهدّدةٌ علينا بالغلق..

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.