فراشة باسمة

لماذا يكرهون وعد؟

في أمسية لجمعية وعد بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل المناضل عبد الرحمن النعيمي والذكرى 16 لتأسيسها. عدسة الصديقة جميلة الوطني


إنهم يكرهون وعد لأنها وريثة المناضل عبد الرحمن النعيمي، جبل المبدأ الذي يُسمّي الأشياء بمسمياتها دون تزويق أو تخفيف، يضع إصبعه، بلا مواربة، حيث عمق المأزق السياسي الذي نعيشه، يغرزه تماماً حيث جذر هذا المأزق وتاريخه وحاضره وتداعياته. إنه الرجل الذي يسمّى الفئات المقهورة بأسمائها، ويستحضر تاريخ قهرها وواقع نبذها، ويشير إلى الاستبداد في وجهه، يستحضر حاضر ظلمه وبطشه، لا يمنعه من ذلك خوف أو مصلحة، ولا يعيق موقفه طائفة أو تيار فكري مختلف ينتمي إليه.

لقد ورثت وعد قوّة التسمية، وبهذه القوّة يحضر اسم الأب المؤسس لها، وعلى هذه القوة تتأسس شرعيتها الوارثة، وأعنى هنا وراثة خط وتراث النعيمي وهو في أوج حيويته وقوته وفصاحته المدهشة في تسمية المدلهمات السياسية. لقد عاش النعيمي في ضنك الموقف طويلاً، لكنه لم يخذل مبدئه وكرامته يوماً. قالها دائماً وظلّ وفيّاً لها: “سنقول لا باستمرار للظلم، وسندافع باستمرار عن شعبنا والمقهورين فيه، وعلى استعداد باستمرار أن نعيش حياة الضنك مع الكرامة، وعلى استعداد أن نواجه أسوأ الأوضاع ولا نركع”. 

يريدون لوعد أن تتخلّى عن هذا الإرث، أو تُسلب هذا الإرث بالقوّة، والأمر يدور بين الترغيب والترهيب. يمكن لوعد أن تبقى، لكن من دون أن تضع الأرقام على أبواب الفاسدين، ومن دون أن تحلّ الأزمات الصعبة بمعادلات اقتصادية رقمية بسيطة وواضحة، ومن دون أن تكون قريبة من الناس أو تدافع عن المقهورين أو تسمّي همومهم ومعاناتهم، يمكن لوعد أن تبقى من دون أن تحتضن الشهداء وتقبّل جبين آبائهم وتقدّم الورود لعوائلهم، يمكن أن يغضّوا الطرف عن وعد مثلاً، حين تقبل أن تسمّي الأزمة السياسية بأسماء الإرهاب والخيانة والعمالة والطائفية كما يريدون تثبيتها.

هنا تحضر ليبرالية وعد التي لا يمكن التشكيك فيها، إنها آخر القوى الليبرالية المؤسسة على حرية الفرد في أن يختار نظامه السياسي وحزبه السياسي واقتصاده السياسي بعيداً عن انتمائه العقائدي أو القبلي. يراد لوعد أن تتحول من وجود ليبرالي يسعى لتحرير الإنسان وتحرير عقله وقراراته وخياراته واحترامها أيّاً كانت إلى كيان مدجّن لا يملك حتى خياره السياسي ولا قراره التنظيمي، أن تتحول من كيان مهمته تعزيز العدالة وترسيخ المساواة واحترام الأديان والأعراق والطوائف والإنسان، إلى صدى أجوف يردد ما يراد له ومنه.  إنهم يكرهون وعد لأن حضورها الليبرالي المتفرّد يعطي لتسمياتها قوة في المجال العام، وهي قادرة بهذا الحضور أن تكون مصدر ثقة للآخرين في الإعلام وفي المؤسسات الدولية وفي العالم الغربي. 

يكرهون وعد لأنها تؤمن أن الوطن هو حق الجميع  في الفضاء العام المشترك، وهو المكان الذي ينبغي أن لا يرجف فيه الأمل ولا الإنسان، لذلك هي تبحث عن المشترك الذي يجمع أبناء الوطن ويوحدهم نحو الهدف الأكبر، وتقف صامدة أمام كل محاولات تفكيك علاقتها مع المقهورين والقوى الوطنية المختلفة التي تمثلهم، هكذا سار مرشدها الروحي في بناء علاقاته مع المختلفين وإقامة تحالفاته السياسية معهم: “التفتيش عن القواسم المشتركة بين الناس أو بين الحركات السياسية هو التعبير الدقيق عن نضج الحركة السياسية، ونضج القائمين على هذه الحركات، وشعورهم العالي بالمسؤولية تجاه شعبهم وتجاه الناس الذين يمثلونهم، وحرصهم الحقيقي على تحقيق الأهداف السياسية التي يناضلون من أجلها”. 

يكرهون وعد لأنها تؤمن بحق كل الشعوب، دون استثناء في ممارسة الديمقراطية، حتى لو كانت تخشى عواقبها أو تتوجس منها. فالديمقراطية مبدأ والعواقب تجربة. والإنسان ينمو بالتجربة ويتطوّر ويتصحح مساره، أما حرمانه من حقه في ممارسة الديمقراطية بحجة أنه غير مهيأ لها فتلك من مسمّيات الاستبداد. يقول الأب المؤسس: “سعينا جاهدين للوصول إلى قواسم مشتركة مع كافة الوطنيين من الإسلاميين والديمقراطيين، على أساس أن الوطن للجميع، وأن الديمقراطية حق لكل مواطن بغض النظر عن قناعاته السياسية وبغض النظر عن قناعاته في موضوع الديمقراطية، وبالتالي ما يمكن أن يصدر منه إذا استلم السلطة أو صارت لديه الأغلبية في المجلس النيابي، وحيث إن الموقف المبدئي هو الذي يجب أن يحكم في الوقت الحاضر، والأهداف السياسية المتفق عليها هي التي يجب أن توحّد صفوفنا في الوقت الحاضر”، هكذا يحث النعيمي القادة والسياسيين من الديمقراطيين والوطنيين: “حركتنا السياسية مطالبة بالبحث عن القواسم المشتركة الحالية وليس عما يمكن أن يكون عليه الحال بعد تحقيق المطالب الدستورية، حيث أن لكل حادث حديث، ولكل مرحلة تحالفاتها”.

يمكننا أن نقول باختصار، إنهم يكرهون وعد لأن صوت عبد الرحمن النعيمي ما زال يصدح فيها، يعيد لململة صفوفها كلما تعرضت لبلبلة أو ارتباك أو حيرة، وكلما داخلها هاجس أو رجف بها وعيد، إنه هناك معهم بابتسامته الواثقة والواثبة يتصدّر قلب قاعتها، وهو يسمعهم صوته في كل مرّة: “سندافع باستمرار عن شعبنا والمقهورين فيه، وعلى استعداد باستمرار أن نعيش حياة الضنك مع الكرامة”!

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.