فراشة باسمة

المرأة في الخليج: عن الشرف والتذويت والحجاب

مشاركة في ندوة الاتحاد النسائي البحريني تحت عنوان: المرأة في صراعها الطويل: هكذا يريدوني وهكذا أريد نفسي.

سأتناول هنا بعض الإشكالات القائمة في ثقافة المجتمع تجاه المرأة. واسمحوا لي أن أبدأ بجريمة قتل حدثت مؤخراً في البحرين أعتقد أنها تكشف بشكل كبير سوأة هذه الثقافة. 

في تهم الشرف

دعونا نتوقف عند التلقيات الأولى لجريمة قتل الشابة البحرينية (إيمان صالحي) قبل فترة بسيطة، دعونا نستذكر كيف وصلنا خبر جريمة قتلها على وسائل التواصل المجتمعي وقبل أن يصدر الخبر الرسمي عن وزارة الداخلية. في الوقت الذي كنا ما نزال في صدمة خبر الجريمة ونتساءل عن صدقه أو عدمه، كانت القصص تأتي تباعاً. القصة الأولى: قضية شرف. القصة الثانية: أنها كانت تهدد القاتل بفضح علاقة غير شرعية معه. القصة الثالثة: أن القاتل شخص طيب وخلوق، لكن القتيلة كانت تصر أن تذهب عند باب بيته كل مرة تلتقي فيها بأشخاص! وأنه كان ينهاها في كل مرة دون فائدة. لا أفهم لماذا عند باب بيته ولماذا تأخذ معها صغيرها ذو الست سنوات، لكن تلك هي من ضمن القصص التي وصلتنا.

كل هذه القصص وصلتنا، بينما جثمان الفتاة ما يزال ملقى هناك على الأرض. وكلها لعبت الدور الكبير في تلقينا الأول للجريمة بل حتى شعورنا الأول تجاه القتيلة قبل أن نعرف من هي.

ثلاث قصص مختلفة تشترك جميعها في شيء واحد فقط، أن المقتولة هي الجانية والقاتل هو المسكين، وأي جناية! إنها جناية في الشرف والأخلاق والعفة. إنها التهمة الأبسط التي يمكن توجيهها لأي امرأة، بل أكثر من ذلك، إنه التفكير الأول الذي تذهب إليه عقولنا وتحليلاتنا.

من الذي أطلق هذه القصص؟ سيقول البعض هم أفراد معدودين. 

 سأقول لا، إنه المجتمع الذي أطلق هذه القصص، المجتمع الذي صاغ عقول هؤلاء الأفراد، وجعلهم ينطقون من خلاله. هذه باختصار النظرة الكامنة في المجتمع تجاه المرأة.

يقوم المجتمع بـ«تذويت» أفراده، أي جعل ذواتهم جزءاً من ذاته، فالتذويت في اللغة هو جعل الشيء جزء من الذات، وفي الفلسفة يعني إنتاج الذات عبر إخضاعها لمعايير. هذه المعايير تجعل أفراد المجتمع جزءاً من ذاته، أي صور متكررة لما يريدهم أن يكونوا عليه.


صورة جماعية للاتحاد النسائي والمشاركين في الندوة

في تذويت المرأة

لأن المجتمع الخليجي هو مجتمع ذكوري تقليدي، فهو يضع المعايير التي تلبي تطلعاته الخاصة، ليجعل كل شيء جزءاً من ذاته (ضلعه). والمرأة التي تنشأ في هذه البيئة التقليدية تُنتج نفسها وفق هذه المعايير، وتنوع طرق تشكيل ذاتها وفق النموذج الذي يرضاه لها. إنها تخضع لمعايير المجتمع ومبادئه المُلزمة حيال نفسها وحيال الآخرين. فعندما يرسّخ المجتمع مثلاً، معيار أن الزوجة الفضلى أو الأم المثالية هي تلك التي تجعل كل وظيفتها في الحياة التضحية من أجل زوجها وأبنائها وأن تفني حياتها كاملة لهم، حتى لو كان ذلك على حساب طموحها وذاتها ووجودها، فإن المرأة الممتثلة لمعيار هذا المجتمع والمتماهية معه، تقوم بتشكيل ذاتها لكي تكون وفق نموذج تلك الأم المثالية والزوجة الفاضلة، والتي لا هدف لها في الحياة غير الذوبان الكامل في أسرتها، مقابل الإنكار الكامل ذاتها.

المرأة التي تهتمّ بذاتها وكيانها ووجودها وطموحها الشخصي ومشاركتها المجتمعية إلى جانب أسرتها، تبدو وفق هذا النموذج وكأنها أنانية، أو مستخفة بالدور (التضحوي العظيم) التي خلقت له وخُصّت ومُجّدت.

إنه نموذج منتج عرفياً وتاريخياً؛ يحدّد لتلك لمرأة مقاييس الأنوثة والقيمة والأخلاق والشرف والستر والتدين والالتزام، ويؤطر حركتها وسلوكها العام، كما يحدّد نظرتها تجاه نفسها والآخرين. يقدّم هذا (النموذج) وكأنه ميزة ممنوحة للمرأة أو كأنه تفضيل يقدّمه المجتمع للمرأة عرفاناً لها بدورها الحقيقي ومهمتها المقدسة.

وكأمثلة أخرى على التوقعات القيمية التي تضاف للنماذج المصاغة، يصف هذا المجتمع المرأة التي تلتزم بلبس العباءة السوداء والنقاب بأنها نموذج للعفة والستر والشرف، والتي لا تختلط بالرجال بأنها جوهرة مصونة، والتي لا يُسمع لها صوت أو رأي بالحياء، والتي تخضع لأذى زوجها وسوء طباعه وكأنه نصيبها المحتوم بالمجاهدة، والتي ترضى بواقعها المرّ (الذي يمكن التمرد عليه وتغييره) بالصبورة، وهكذا..


في الحجاب

في 2014 كنت في زيارة إلى متحف البحرين الوطني. وعند خروجي قريباً من مواقف السيارات لفتني منظر امرأة من الخلف، كانت تتربع على الأرض مشغولة بقراءة كتاب، فيما طفليها الصغيرين يلعبان حولها. بدا لي مظهر المرأة من الخلف وكأنها أجنبية، خاصة مع شعرها الأشقر القصير والقميص الصيفي القصير الذي ترتديه مع بانطلون (جينز). حسناً، هذا ليس كافياً لأظنّ ذلك، لكن ربما كان كافياً بالنسبة لي أنني لم يسبق أن شاهدت امرأة خليجية تجلس في هكذا وضع وتقرأ عند مدخل مكان عام، وهي ممارسة قد تكون طبيعية في المجتمعات الغربية، لكنها ليست كذلك في مجتمعاتنا العربية. باختصار، أحببت المشهد وسعدت به كثيراً ولم أفكر أن منع كاميرا هاتفي وهي تلتقط بعض الصور بهدف وضعها في الانستغرام والتعليق عليها.

كانت التقاطاتي من الخلف وكانت بعيدة بعض الشيء. لكني تفاجأت عندما أدارت المرأة رأسها بعد أن سمعت صوت الكاميرا، وقالت بلهجة خليجية: ماذا تصورين؟ ولماذا تصورين؟ بدت في غاية الانزعاج. 

 بابتسامة محرجة قلت: “هل ازعجتك؟ اعتذر.. لقد أسعدني منظرك وأنت ذاهبة في القراءة”. ردت علي بانزعاج أكثر: “وهل غريب أن يقرأ أحدهم؟!”. قلت معتذرة: أوه ليس غريباً طبعاً، إنه جميل وملهم فحسب، إنه مشهد لا يتكرر في بلداننا لهذا يبدو غريباً ويسحق الاحتفاء. أضفتُ مبررة: لم أعرف أنك عربية ولم أصورك من الأمام، لا تقلقي سأمسح الصور فوراً..

هدأ انزعاجها بعد أن أدركت حسن نيتي، ولم يطل الأمر حتى تعارفنا، وعرفت أنها روائية من إحدى الدول الخليجية (غير السعودية). سعدنا من تلك الصدفة التي جمعت بين امرأتين لهما اهتمام ثقافي متقارب، ودخلنا في حوار ممتع عرفت من خلاله أنها كانت تبحث في مكتبة المتحف حول موضوع يخصّ عملها الإبداعي القادم، ودللتها بدوري على بعض المكتبات العامة في البحرين حيث يمكنها الحصول على كتب قد تفيدها.

لاحقاً، عرفت سبب انزعاجها الشديد من الصور التي التقطتها، فهي لا تظهر في بلدها بالهيئة التي شاهدتها عليها في البحرين، بل ترتدي العباءة السوداء مع غطاء الشعر (الشيلة) وبهما تحضر جميع الفعاليات الثقافية التي تشارك فيها، وهي ترتديهما لأن عرف مجتمعها وبيئتها يفرضان عليها ذلك، لا لأنه لديها أي قناعة دينية بلبسهما. لذلك حين تسافر خارج بلدها إلى بلد آخر أكثر تسامحاً مع لباس المرأة، أو وسط غريب عنها، فإنها حينئذٍ فقط تصير ذاتها الحقيقية كما تريدها وكما تقتنع بها.

ليست تلك حالة استثنائية، وليس سرّاً أننا نعلم أن فئات كثيرة من النساء الخليجيات يتعاملن مع نمط اللباس المفروض عليهن، والحجاب خصوصاً باعتباره فرضاً عرفياً لا دينياً. وأن أعداداً كثيرة من النساء الخليجيات، خصوصاً من يأتين من بيئات أكثر تشدداً، يلقين حجابهن ونقابهن بلا تردد، عندما يضعن أولى خطواتهن خارج بلدانهن، لكنهن ما زلن غير قادرات على فعل ذلك في مجتمعاتهن بسبب إما سياسة الدولة التي تفرض عليهن غطاء الشعر أو النقاب، أو بسبب بيئاتهن المحافظة وأوساطهن التي تعتبر خروج المرأة سافرة بلا حجاب أو عباءة تمرداً على الشرع ومخالفة للدين وخدشاً لحياء المجتمع.

في أوساطنا المجتمعية عايشنا كثيراً من الصراعات التي خاضتها بعض النساء -فتيات صغيرات أو نسوة بالغات- مع عوائلهن وأوساطهن تمرداً على ارتداء الحجاب أو النقاب أو حتى العباءة السوداء، اعتبرن ذلك تقييداً لحرياتهن وتعارضاً مع قناعاتهن الشخصية والفكرية. البعض تمكنّ من فرض إرادتهن وسط تحفظ عوائلهنّ، والبعض الآخر عجزن عن ذلك واضطررن للمسايرة والخضوع للضغط الاجتماعي، وأخريات تصالحن مع الوقت مع هيئتهن العامة وتعايشن معها، فيما ظلّت فئات كبيرة من النساء تبتكر طرائق مختلفة لجعل ارتداء الحجاب أقل تعقيداً وإحكاماً، ليقف عند حد الاحتشام العام. وبالطبع هذا لا ينفي أن الغالبية العظمى من النساء الخليجيات يرين في الحجاب فرضاً دينياً ويحرصن طوعاً على ارتداءه مع تباين التعاطي الشكلي معه بين تشديد أو تخفيف.

تخف حدّة الصراع حول ارتداء الحجاب داخل الدول الخليجية الأكثر تسامحاً مع حرية المرأة مثل البحرين والكويت، وتتلاشى إلى حد كبير داخل البيئات الثرية والليبرالية داخل هذه الدول بشكل خاص، لكنه يبقى موضوعاً صعب الولوج فيه داخل البيئات القروية والمتدينة المتشددة. وبشكل عام تلتزم النسوة الخليجيات بحدود من الحشمة، كلٌ بالقدر المقبول في وسطها الأسري والاجتماعي.

مع عدد من الناشطات والمدافعات عن المرأة

في الاختلاط

التحولات الاقتصادية التي شهدتها المجتمعات الخليجية، وانتشار التعليم وحصول المرأة على الشهادات الجامعية والشهادات العليا بشكل واسع، فرض حضور المرأة في المشهد الاقتصادي حتى صارت مشاركتها أمراً طبيعياً ومفروغاً منه بعد أن كانت مرفوضة في كثير من الأوساط. لكن، هل صاحب ذلك تحولاً على صعيد الثقافي فيما يتعلّق بالأعراف وأسلوب الحياة؟ هل التحولات الاقتصادية واكبت في بلداننا الخليجية تحولات فكرية وثقافية؟

فما زال الفصل بين الجنسين في العمل هو السائد في المملكة السعودية، وما تزال بعض المجتمعات الخليجية أو فئات عريضة منها، تفضل أن تعمل المرأة في المهن التي تفصل بين الجنسين مثل التعليم، وما تزال المرأة التي تعمل في الحقل التعليمي مفضلة كزوجة عند فئات كبيرة من الشباب الخليجي المقبل على الزواج.

تؤكد القاصة السعودية أمل البشراوي أن أغلب مجتمعها “ينظر إلى المهن المختلطة كإثم تقوم به الأقليات المنفتحة ولا يجري فيها العُرف القبلي”. ورغم الانفتاح النسبي للمجمتع البحريني، ترى الشاعرة البحرينية منى الصفار أن “المجتمع البحريني كأي مجتمع خليجي ذكوري لا يزال ينظر للاختلاط بمنظور متحفظ رافض، ولا تزال الزوجة المدرّسة هي المفضلة في المقارنة مع الوظائف الأخرى خصوصاً لما تمثله شريحة المجتمع القروي الأكثر محافظة من مجتمع المدينة على الأغلب والتي تمثل غالبية من نسبة السكان في البحرين”.

وفي حين صارت المجتمعات الخليجية تحرص على تعليم أبناءها في المدارس الخاصة بدلاً من الحكومية، وهي ظاهرة غزت هذه المجتمعات خلال العقود الأخيرة بعد أن كانت تختص بأبناء الجاليات الأجنبية والطبقة الثرية غالباً. فإن هذه المجتمعات كيّفت، أو لنقل ذوّتت، هذه المدارس بما يتلاءم مع واقعها الذي تريده فيما يتعلّق بمسألة الاختلاط. فالمدارس الخاصة نشأت في أصلها مختلطة في الغالب على خلاف المدارس الحكومية التي تفصل بين الجنسين، وقد أنشأت أجيالاً جديدة أكثر انفتاحاً على الحياة واختلاطاً بالجنس الآخر وقدرة على التعامل معه ومع ذاتها، لكن المجتمعات الخليجية التي تريد لأبنائها إتقان اللغات الاجنبية من أجل (التواصل) مع العالم، لا تقبل لبناتها (التواصل) مع الجنس الآخر، فعملت على (موائمة) هذه المدارس مع بيئتها بإنشاء مدارس خاصة تفصل بين الجنسين. وفي الوقت الذي تسمح فيه عائلات لأبنائها الذكور من إكمال درساتهم في المدارس الخاصة المختلطة، فإنها تقوم بنقل بناتها بعد الصف الدراسي الثالث (مع بلوغ الفتاة سن التكليف) أو بعد المرحلة الابتدائية إلى مدارس خاصة غير مختلطة أو إلى مدارس حكومية.

أيضاً، تحرص االمجتمعات الخليجية، خاصة الطبقة الوسطى والثرية منها، على ابتعاث أبناءهم وبناتهم لاتمام دارستهم الجامعية وتحصيل الدراسات العليا في الجامعات الغربية، وهو أمر يفترض أن يساهم في تحريك وعي جديد عند الجيل الجديد عموماً، وعند الفتاة الشابة تجاه نفسها ووجودها، عبر مقارنة تكوينها الشخصي والفكري والاجتماعي بمثيلاتها في هذه الدول وإعادة انتاج ذاتها وفق معايير إنسانية عامة أكثر تفتحاً.

لكن إلى أي مدى نجح ذلك فعلاً في إحداث تغيير نوعي في ذات المرأة؟ يبقى سؤالاً يثيره استاذ علم الاجتماع باقر النجار في كتابه «المرأة الخليجية وتحولات الحداثة العسيرة»: رغم انخراط المرأة في التعليم العالي في البلدان الخليجية، إلا أن التساؤل المطروح هو “هل استطاع هذا الانجاز أن يغير من ذات المرأة في شيء؟ أو أن يدفعها من دائرة الرجل وقيمه وأعرافه؟ يردف: “التعليم قد ساعد الرجل كما المرأة في ولوج سوق العمل الحديث والتخفيف نسبياً من قيود الموروثات الاجتماعية القائمة، إلا أنه فشل في إحداث تغيير نوعي في ذات المرأة كما الرجل، ما زال الاثنان ولربما المرأة بصورة أكبر، مشدودين للذات التقليدية الحافظة لتوزيع القوة في المجتمع، فلا الرجل يرغب أن يثور عليها، إذ بها تتحقق استمرارية هيمنته، ولا المرأة تتجاسر بالتمرد عليها”.

حضور الصديقات أميرة عيسى وهدى المحمود وهناء بوحجي
شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.