فراشة باسمة

أسئلة الفلسفة الحديثة

جانب من المشاركة في أمسية جدل بمناسبة يوم الفلسفة العالمي

الفلسفةُ بنت الأسئلة. تُعرف الفلسفة بنوعية أسئلتها وتُعرَّف بها، تتغيّر حين تتغيّر أسئلتها، تكتسب صفة القِدم والجدّة بقدم أسئلتها أو جدّتها، مع ذلك لا تموت أسئلة الفلسفة وإنما تُستعاد، وفي كل استعادة تولد من جديد.

لو أردنا أن نفرّق -بشكل اعتباري غير صارم- بين الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة، يمكننا أن نقولَ باختصار، أن الفلسفةَ القديمة تبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، بينما الفلسفة الحديثة تبحث في ضوء النهار عن الإنسان، بمصباح إنسان آخر.

الفلسفةُ القديمة تسأل عن البعيد وتنسى القريب، والفلسفة الحديثة تسأل عن القريب، ولا تنسى البعيد. 

القديمة تسأل عن الأصل، عن الآلهة، عن العلة، عن الجوهر، عن المحرّك الذي لا يتحرّك، عن مُنشئ الكون، والحديثة تسأل عن الفرع، عن العَرَض، عن السبب، عن الإنسان الذي يتحرك، عن مُنشئ العلاقات الاجتماعية، والروابط القريبة. 

الفلسفةُ القديمة غارقة في الميتافيزيقا، فيما بعد الموت، في الغيب، فيما فوق القمر، في الخلود، والحديثة غارقة في الوجود، في الحياة، في الحاضر، فيما تحت القمر. إنها غارقة في الإنسان، ما يخص أشكال وجوده في هذا العالم، وجوده على شكل نوع اجتماعي، على شكل فرد، على شكل جماعة، على شكل مجتمع، على شكل دولة، على شكل عرق، على شكل هوية، على شكل دين أو طائفة أو مذهب.

 إنها تسأل عن كل هذه الأشكال وكل هذه الوجودات، تهتم بما يجعل هذه الوجودات المختلفة والمتباينة -كلّها دون استثناء- تعيش حياة طيبة، تسأل عما يجعل هذه الأشكال تقيم علاقات طيبة فيما بينها، وتبحث عن قواعد تجعل العلاقات الإنسانية ممكنة، مدنية ومسالمة، متعايشة ومتسامحة. 

لهذا تشتبك الفلسفة الحديثة مع باقي علوم الإنسان وعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، فيما الفلسفة القديمة تعتبر نفسها أم العلوم وأصلها وشرفها.

الفلسفةُ القديمة تسأل عن السلطة العمودية، عن الخضوع للنظام الكوني والأوامر الإلهية، عن حقّ الإله الذي في السماء على البشر، تقيس الشاهد (الإنسان) على الغائب (الإله)، والحديثة تسأل عن شرعية السلطة في الدنيا، تسأل عن حق الإنسان الذي على الأرض، عن حقوق كل البشر، عن آلامهم وأوجاعهم، عن العقد الاجتماعي الذي يربط بينهم ويصون حق كل منهم، تقيس الشاهد (الإنسان) بالشاهد (العالم)، إنها تحدّ السلطة بالإنسان. تجعل السلطة عقداً بين البشر يمليه الإنسان، ويثريه بتجربته ومحاولته وخطئه ونقصه وتصحيحه.

 تسأل الفلسفةُ الحديثة عن الحرية، عن قدرة المرء على اختيار مصيره، عن قدرته على إعادة صنع ذاته باستمرار، عن وصوله إلى حقيقته الخاصة، عن قدرته على قول الحقيقة التي يؤمن بها دون خوف أو تهديد. عن سعيه -بنفسه- إلى خلاصه، بعد أن كان خلاصه مرهوناً بكينونة خارجة عنه متعالية عليه. صار على الإنسان أن يصنع خلاصه بعقله وعلمه وإرادته مستعيناً بخلاصات التجارب التي مرّت بها البشرية وتراكماتها. 

الفلسفةُ الحديثة تقول لنا إن تاريخنا ليس مفروضاً علينا، وأنه ليس مقدّساً ولا أبدياً، تدعونا أن ننفلت من سلطة هذا التاريخ وإرثه ومسلماته ويقينياته وصكوكه، ومن كل ما علق بنا من صراعاته وعداءاته وحروبه الدموية. لكن فيما هي تدعونا للانفلات من سلطته، و(القطيعة) معه، فإنها لا تقطعنا عنه مثل شجرة يقطع رأسها عن باقي جسدها أو جذورها، ولا تدعونا إلى الاستخفاف بهذا التاريخ والتبرؤ منه، بل تحرضنا على معرفته ودراسته وفهمه ونِقده ومشاكسته لكي نُنقذ حاضرنا، ننقذه من إرث هذا التاريخ وآثامه وآلامه ووحشيته.

لا تنسى الفلسفة الحديثة آلام المسيح، ولا آلام العظماء من الأنبياء والقديسين والحكماء، لكنها معنية بآلام الإنسان الآني، الذي تَتكسّر عظامه وتُنتهك حرمته وتُذلّ كرامته وتُمحق هويته. 

الفلسفةُ الحديثة تزيح السلطة من طريقها، لكي تعرف الحقيقة المعاشة، تزيح ما يحجب عنها ضوء الشمس، لكي ترى الحقيقه الآنية بعينيها، تقول للاسكندر المقدوني بكل جبروته ابتعد قليلاً فقد حجبت عني ضوء الشمس. إنها تجد مهمتها في مقاومة الطغيان الذي يريد أن يفرض حقيقته عليها في شكل سلطة سياسية أو دينية أو جماعة أو حزب أو مذهب، لهذا فهي لا تخضع لها ولا لرجالها ولا لإكراهاتها ولا لمغرياتها، وتعلم أنه ما لم تُزَح هذه السلطات، فإن الحقيقة ستظل محجوبة ومشوشة ومقيّدة ومزيفة. 

الفلسفةُ الحديثة هي فلسفة أكسل هونيث وراث مدرسة فرانكفورت، وهو يناضل ضد الإذلال ويدافع عن الحق في الاعتراف، هي فلسفة أستاذه هابرماس، وهو يتحدث عن المواطنة الدستورية، وهي فلسفة حنّا أرندت الملاحقة من النازية، وهي تحرّض الإنسان أن يثور من حيث تُنتهك هويته، وهي فلسفة جون لوك الذي يرى أن للفرد الحق في مقاومة السّلطة الغاشمة دفاعاً عن النفس. 

الفلسفة الحديثة ليست برجاً عاجياً، ولا هراءً نظرياً مسترسلاً كما يحلو للبعض أن يقولها مستهزئاً، إنها نضال، نضالٌ من أجل الاعتراف بالإنسان في أي شكل كان. تقول لنا أنه يستحق الحماية والاحترام بغض النظر عن جذوره الجماعية كلها، وأياً كانت لغته وثقافته وإثنيته ووطنه ودينه. الفلسفة نضال؛ مكانه الأرض التي نعيش فوقها، وميدانه الواقع الذي نصارعه، وموضوعه الإنسان الذي نمثله. 

وليس أخيراً..

الفلسفة الحديثة تسألنا عن الحب، الحب الذي يخرجنا عن طبع أنانيتنا، ويجعلنا نتجاوز ذواتنا لنفكّر في الآخرين والذين نحبهم..

تسألنا الفلسفة الحديثة: أيُ عالمٍ سنتركه لمن نحبُهم؟


جانب من لقاء الإعداد لأمسية جدل في مقهى مشق. مع الأصدقاء: علي البزاز، أحمد رضي، محسن المبارك، محمد المبارك


جانب من مشاركة الأصدقاء حضور أمسية جدل: حسين المحروس، غادة السيد، أميرة عيسى، وزينب السهلاوي  


شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.