فراشة باسمة

المحيط الانجليزي ورائحة البحر المجنون

قراءة في رواية «المحيط الانجليزي» للكاتب والأديب البحريني فريد رمضان (إصدار 2018)

جانب من عرضي للرواية في منزل الصحافية عصمت الموسوي

“أكتب يا يعقوب، سيأتي الطوفان قريباً، ويغسل دماء تضيع أرض العرب إلى يوم الدين”
الشيخ رشيد حمدان

قيل أن مشقة قراءة كتاب جيد لا تقل عن مشقة كتابته. هذه الرواية أتعبتني في قراءتها، لكن تعبها كان لذيذاً. فهي فضلاً عن العمق الذي تحويه، فإنها أيضاً تشتغل على امتداد تاريخي وجغرافي وثقافي وعرقي معقد.
وضعتني الرواية في حومة لذيذة أحببتها، أثارت تساؤلات حول العرق والرق والعبودية والهويات المركّبة والمعقّدة، بقيت في حضورها طوال فترة قراءتي لها، وبقيت معي لأيام بعد أن انتهيت منها. وعندما عدت للمرور عليها للمرة الثانية بعد أكثر من شهر تحضيراً لهذه الجلسة، وجدتني أقرأ الكثير منها وكأني أقرأه للمرة الأولى، وشعرت أنني بحاجة لإعادة قراءتها مرة ثانية.


تتحدث الرواية عن غرق سفينة تاجر رق عربي قادمة من المحيط الهندي باتجاه بحر العرب، محمّلة في قبوها بالبضائع، وبفتية عبيد وفتيات، وسرّ ملعون سيكون سبباً في قرع طبول تحطّمها. سيتم انتشال الناجين على يد بارجة حربية انكليزية، وهنا ستبدأ رحلة السرّ وهي تعبر هذا المحيط المجنون.
سيتكشّف لنا هذا السرّ تدريجياً مع تنامي حكايات العبيد وتنامي شخصياتهم، سنشهد تحريرهم على يد الأب المسيحي وانشاء مدرسة خاصة لهم في مسقط وتلقينهم التعاليم المسيحية وتغيير أسمائهم ومحاولة دمجهم في الحياة. ستتطوّر الأحداث، قبل أن يتفرّقوا بين تخوم هذا المحيط في زنجبار وتنجانيقا ومكّة وميناء بومباي ومسقط والبحرين.
في حكاية أخرى تسير بشكل متواز مع الأولى، تأتي بعد عقود من حادثة غرق السفينة، سنعيش حكاية شاب بلوشي، تواجه قريته لعنة السرّ نفسه، ويضطر لحمله معه والهرب به بعد أن صارت حياته وقريته مهدّدة بالخطر، ليقع فريسة في يد قطاع طرق، يختطفونه مع آخرين، ويعبرون به ذات المحيط، ويجد نفسه معروضاً للبيع في عمان، ثم تتدحرج به الأحداث إلى البحرين.

تتشابك الحكايتان وتلتقيان في أحداث دراماتيكية مثيرة، وتسيران معاً نحو فكّ خيوط السرّ على مهل، فيما شخوص الرواية تتنامى وتكبر وهي تصارع ماضيها وتحاول تجاوزه. يتمازج هذا السرد الغني بالحكايات والأحداث والتفاصيل التاريخية، على امتداد عرقي وديني وجغرافي وثقافي كبير، مأخوذ بالأساطير والمعتقدات.
امتداد جغرافي واسع ومعقّد ذلك الذي يعبره فريد رمضان في روايته “المحيط الانكليزي”، وأحداث تدور في حقبة تاريخية لا تقلّ تعقيداً، بين نهاية القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين.
كل شيء في الرواية يدور داخل ذلك المحيط المضطرب والمنفلت، إنه ليس واحد من المحيطات الجغرافية الأربعة المعروفة، بل يحيط بحدود وتخوم البلاد المُستعمَرة تقع تحت نفوذ الأسد البريطاني، تحديداً بين المحيط الهندي (حيث بحر شبه القارة الهندية وبحر شرق أفريقيا) وبحر العرب. محيط يموج بالثروات والخيرات والكنوز بقدر ما يموج بالأعراق والأديان والمعتقدات والثقافات والأساطير، وبقدر ما يزخر بالحكايات العجائبية.
في هذا المحيط كل شيء قابل للبيع “الأرض والشجر والحيوان والبشر.
يقبض الأسد البريطاني على هذا المحيط الذي يؤمّن له (تجارته)، مقابل تأمينه (سلامة) سلاطين البلدان التي يستعمرها، لكنّه مع ذلك لا يتمكّن من إحكام قبضته على ما ينفلت من جشع القراصنة وتجارة البشر المربحة، ورغم تجريم الرق والعبودية وقيام السفن الحربية البريطانية بتفتيش السفن وحصارها ومصادرتها في بعض الأحيان، إلا أن لتجّار البشر منافذهم ودهاليزهم، كما للسلاطين مآربهم من هؤلاء العبيد.


لعبة مدَوزنة مشدودة رغم كل متاهاتها وتعقيداتها، اشتغال ثقيل في التاريخ محفور بشغف وانتقاء. تستحوذ عليك الرواية كما الضوء الأحمر الذي يأسرك في قبو السفينة الغارقة، وحتى آخر تتبّعك لمعرفة سرّه، لن تتمكن من الانفلات من لعنة ضوئه اللغز، ولا الإفلات من قبضة الرواية ولا محيطها.
في الرواية ستلتبس علينا الخرافة بالحقيقة وستختلط بالوهم، وربما وجدنا أنفسنا أحياناً أكثر ميلاً لتصديق الوهم الذي يحرّك مشاعرنا وخيالاتنا، فللوهم سحره الخاص على العقول والمشاعر. سنميل إلى تصديق أن اللعنة التي تسكن هذا الحجر، ربما لأننا أبناء ثقافة تقيم الاعتبار للوهم، وتستأنس به، وتستنكف الحقيقة. وفي كل الأحوال لقد ترك رمضان لنا نهاية روايته مفتوحة ليبقينا واقعين تحت أسر السرّ الأحمر، أو وهمه.


العبيد والرق هم لحم هذه الرواية. العبيد الذين يحملون لعنة لونهم لا يتحررون. الأطفال الذين انتزعوا من تيه أفريقيا أو من بلدانهم ووجدوا أنفسهم في متاهة على أرض العرب. كلّما غادروا سجناً دخلوا في آخر. غادروا سجن تاجر الرق ليدخلوا في سجن الارسالية وإن كان أكثر رحمة وأكثر إنسانية. لقد قالها الأب بيتر “علي الاعتراف بأننا حررناهم من أصفادهم، لكننا استبدلناها بأصفاد جديدة. لقد لقّناهم التراتيل والصلوات، وعلمناهم ممارسة الطقوس اليومية رغم ادعائنا بحرية اختيارهم الإيمان بديننا المسيحي”. لكن في النهاية تم تعميدهم كمسيحيين.
هؤلاء العبيد حتى بعد تحريرهم عليهم في كل مرة أن يبدلوا أسماءهم ويغيروا دينهم ربما ويغيروا لباسهم حتى يندمجوا في المجتمع الجديد. عند العبيد فقط إسمك ليس هو الذي أسماك والداك به، تلبس الأسماء وتستبدل مثل السراويل. على العبد أن يبدل اسمه ودينه وعاداته ولباسه كي يقبله المجتمع الجديد. عليه أن يقوم بالمهات التي لا يقوم بها أحد. عليه أن ينهض بالأدوار التي يستنكفها الآخرين.
يصل هؤلاء إلى المرافئ مع البضائع. “بشر سود وسمر رمت بهم سفن مجهولة عند مرفأ المنامة في أزمان مختلفة. أولئك الذين جاؤوا محمّلين في أقبية السفن لا على صدرها ليعيشوا في أقبية الحياة، والذين يلقون على الأرض مع البضائع القادمة في الميناء.
بعضهم يتحدث العربية والبعض يتحدث السواحلية والبعض الأعجمية باختلافاتها، وغيرهم من بومباي وبلاد السند وحضرموت، تجمعهم البطالة والفقر المدقع”. عبيدٌ أو معدمين، تختلف أعراقهم وألوانهم، يجتمعون على الفقر والعوز، ذلك الذي يجعلهم قابلين للقيام بأي مهمة، حتى القذرة منها. سيستخدم الشيوخ عوز هؤلاء الغرباء لتثبيت حكمهم وإحكام نفوذهم، وسيستخدمهم التجار لتكريس ثرواتهم وتفريغ نزواتهم وأهوائهم، سيوظّفهم الشيوخ فداوية لهم أو بطانة، وفي أجهزة الشرطة التابعة لهم. (مايك أو مسالمي أو سالم، تنفيذ وصية الاب واخذ صندوقه إلى أخيه صموئيل في البحرين/ ثم حارس شخصي للشيخ في المحرق/ الشرطة في القلعة/ رئيس العرفاء)

ستنفتح الرواية لدينا أسئلة كثيرة عن هؤلاء المتاجر بعوزهم، ونحن نشهد تحولاتهم وتقلبات أسمائهم وأديانهم كلّما رست بهم السفينة في مكان آخر داخل هذا المحيط المجنون.

ستثير الرواية أسئلة مثل:
كيف يمكن للرب أن يكرمهم وهم يحملون لعنة لونهم؟
كيف يمكن تحرير أرواح مسجونة في الماضي؟
حتى بعد أن يحاول هؤلاء العبيد نسيان ماضيهم، سيكتشفون أنه يبقى معهم يرضعونه لأبنائهم، هكذا تقول موانتي التي صار إسمها ماريا: “وأنت تحاول نسيانه وأنت ترضع أطفالك، وتكتشف أنك تغذيهم هذا الماضي المبرح”. الماضي لا يغادر العبيد. والعبيد لا يتحررون من الماضي.

سنحب الطفل (أتور/ استيفان لاحقاً/ ثم عابدين) بأسئلته المشككة دائماً: هل كان سيدنا المسيح عبداً حتى يقيد؟
وسنحبه وهو يرفض تغيير اسمه على يد المبشر المسيحي: ألن يعرفني الرب لو قابلته باسمي الذي أحمله؟
المفارقة أن أتور المتقد بالذكاء هذا، المشكك، والذي رفض تغيير اسمه، هو أكثر من عاش عبودية مضاعفة طوال عمره، ربما اسمه الأخير (عابدين) هو الأقرب لتوصيف عبوديته المضاعفة تلك، فقد اضطر في آخر عمره لإخفاء دينه، وتغيير اسمه للمرة الثالثة، وتحت تهديد لعنة دابة قتل نفسه ليخلّص العالم من شرها الذي يلاحقه أينما ذهب.


سندخل البحرين عبر ذلك المحيط الملعون أو المجنون. سندخل إليها عبر وصول يوسف وقبله مايك (أو سالم). وهنا سوف لن نجد غير الجنون. تقول الرواية عن يوسف بأنه “حاول أن يفهم موالج عقل ناسها وقياس صحة سلوكهم خاب أمله وفشل فشلاً ذريعاً” “بحرين بلد مجنون”، حتى صاحب يوسف كل مخابيل المنامة. ستتعجب من كل هذا الجنون الذي يسكن هذه الجزيرة الصغيرة، وقد تصدق أن للأمر علاقة برائحة البحر، وقد تتأمل درس بحر البحرين الذي علّمه أحد الربابنة ليوسف: “كل ما عليك فعله بعد أن تتشبّع من هذه الرائحة، هو مراقبة كيف تتغير وجوه المهاجرين بعد أن يستوطنوا هذه الأرض قادمين من أراض جافة أو صحراوية أو بحرية أو استوائية، وهي تتحول مع الوقت إلى عنصر بحريني مخفوق. كل البحار لا تنثر هذه الرائحة إلا بحر البحرين”!

شاركها

مقالات ذات صلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.