فراشة باسمة

(1)

كان أفلاطون يحلم بالوصول إلى مدينة فاضلة.
وكان غاندي يحلم بتحرير الهند من هيمنة أعظم إمبراطورية استعمارية دون اللجوء إلى العنف.
وكان جيفارا يحلم ببناء جنة اشتراكية عالمية ترفع علم المساواة في العالم أجمع.
وكان فورد يحلم بصناعة سيارة تكون في متناول الجميع وغير مختصة بالطبقة الغنية.
وكان بيل غيتس (أحد مؤسسي شركة مايكروسوفت ورئيس مجلس إدارتها الحالي وكبير مصممي برمجياتها)، يردد لمعلميه أنه سيصبح مليونيرا عند بلوغه ثلاثين عاماً، لكنه أصبح مليارديراً عند بلوغه الواحد والثلاثين..

وكانت الحالة رقم (6) التي نشرت على صفحات «الوقت» من «حالات»، تحلم بشقة إسكان قبل أن يأخذ الله أمانته.[1] وكانت الحالة رقم (13) المنشورة تحت العنوان نفسه، لا تملك ثلاجة ولا فرناً، وتحلم أن يكون لها غرفة نوم.[2] نتيجة: حلم الفيلسوف خيال، وحلم التاجر واقع، وحلم الفقير حاجة.

(2)
الفلاسفة والثوار يتيحون لنا أن نحلم بعالم جديد. يعيش فيه كل الناس، لا فئة من الناس. المؤمنون المؤدلجون يحلمون بعالم تعيش فيه فئة من الناس، لا كل الناس. والتجار يحلمون بواقع يحقق فرديتهم الخاصة وثراءهم الخاص، ولا يهمهم أن يبقى الواقع على ما هو عليه، مادامت ذواتهم ليست على ما هي عليه. أليس التجار غالباً ما كانوا يعارضون الثورات ويتهمون أصحابها بالتخريب والفوضى؟ وأليس الثوار والفلاسفة من يتهمون التجار بالتحالف مع السلطة وتقديم مصالحهم الذاتية على مصالح واقعهم؟ الخلاف بينهم في حقيقته هو خلاف في طبيعة الحلم. التاجر حلمه فردي والثائر حلمه جماعي. لكن أين يقع حلم الفقير؟

(3)
نعرف الناس من أحلامهم أكثر مما نعرفهم من واقعهم أحياناً. فالحلم إرادة تشير إلى صاحبها، تجعلنا نفهم وجوده في الحياة، هدفه الذي يحمله، مساره كما يرسمه لنفسه، ما يمثل أولوياته أو ثانوياته في الحياة، ما سيكون عليه لو أن أموره سارت على النحو الذي يريده. أما الواقع فهو إرادة مختلطة بما هو ممكن وبما هو غير ممكن في ظل سياق خاص، وحين تختلط الإرادة بالسياق تصير مرهونة به. فما يعيشه البحرينيون لا يقول أحلامهم بقدر ما يقول واقعهم.
نتحدث هنا لا عن ذاك الفيلسوف، ولا عن الثائر، ولا المؤدلج، ولا التاجر، بل إنسان الشارع الذي يعيش اليوم باليوم، ويكدح من أجل يوم غير مدّخر. لا يتردد البحريني في أن يعلن حلمه: أحلم بامتلاك بيت. أحلم بالحصول على وظيفة ثابتة ومستقرة. أحلم بامتلاك قطعة أرض. أحلم بإكمال دراستي الجامعية. أحلم بسيارة جديدة.. الخ. تمثل هذه أهم الأحلام الفردية التي تشغل الإنسان البحريني والتي يتنهد بها في كل مناسبة. وهي وإن عبّر عنها بوصفها أحلاماً، إلا أنها ليست كذلك فعلاً، بل هي في حقيقتها حاجات.

الحاجة هي مطلب إنساني محدد، يشعر الإنسان معها أن وضعه (الحياتي واليومي المعاش) ناقص من دونها وغير مكتمل ومشوش وقلق. هو فاقد للشعور بالأمن النفسي حتى يتوافر على قدر مناسب منه. ولذا فهو في سعي دائم إلى إشباعها أو التوفر عليها، لن يرضى ولن يهدأ قبل أن يحظى، ولو نسبياً، بها. يبقى الفرد تحت ضغط الحاجة وتحت ضغط توترها. يخرج التوتر على شكل اضطراب نفسي أو اجتماعي أو ثقافي أو سياسي. تتضخم الحاجة تدريجياً وتنغص على الإنسان عيشه، خصوصاً في زمن يسير إلى التضخم في كل شيء. يصير الفرد في حالة مستمرة من التمرد والسخط على الجهات التي يعتقد أنها مسؤولة عن تضخيم هذه الاحتياجات بدلاً من تخفيفها.
ولكي يعيش البحريني توازناً طبيعياً مع وسطه، فهو بحاجة إلى تأمين هذه الاحتياجات الأساسية والاستقرار بها. أما قبل ذلك فهو فيما ينتج عن عدم توافرها من إرباك في نفسه، وفي مجتمعه.

(4)
لكن كيف يكون الحلم هو محض حاجة معيشية؟ أليس في ذلك تضييق لأفق الحلم؟
الحاجة متى صارت مطلباً صعب التحقق أو غير ممكن، صارت أقرب إلى الحلم. فالحلم صار حُلماً لصعوبة الوصول إليه. فشراء الأرض وبناء البيت مثلاً، متى ما صارت حاجة بعيدة التحقق أو شبه مستحيلة؛ فإنها ستتحول إلى حلم. الأمر ذاته بالنسبة إلى غيرها من الحاجات المتواضعة نوعاً، لكن الأساسية معيشة.
أن تتحول الحاجات الأساسية في مجتمع ما إلى أحلام، أو أن تتيسّر لدى فئة مجتمعية من دون أخرى، فإن ذلك يجعل من أبناء هذا المجتمع (ذوي الحاجة) مستنفرين مستفزين سريعي الانفجار قبالة أي ضغط داخلي. يصير مجتمعاً مهدداً بالعنف. هناك مقولة تنشط في السياق العام في مثل هذه الحالات: ليس لدينا ما نخسره. في حين تبقى المجتمعات التي تحمي حاجات أبنائها أكثر تماسكاً وأكثر استقراراً، وأقل ميلاً نحو العنف. فمن لديه ما يخسره لن يجازف بالخسارة، ولن يساق سريعاً فيما هو عنيف أو متمرد أو مستنفر.
وباختصار: قل لي ما حلمك، أقل لك ما حالك.

(5)
الحركة التي قامت بها مجموعة العاطلين الجامعيين المعتصمين عند مبنى وزارة التربية والتعليم قبل أكثر من شهر[3]، حين تركوا بالونات الغاز ترتفع بشهاداتهم الجامعية إلى أقصى مداها في السماء، وتنتشر على أقصى سعتها في عرض الفضاء؛ تقصد أن تعرِّف بالحال، وأن تزدري الحلم.

كان الحلم القديم يقول: شهادتك مفتاح حلمك. وكان يقول: من يمسك شهادته بيده اليمنى، سيمسك وظيفته اللائقة في اليد اليسرى. لكن للواقع مقولات أخرى. هذه المقولات تنتفخ في بالونات غازية تتعلق في السماء.

أن يودِّع خريجون جامعيون بحرينيون أحلامهم في بالونات غازية، يعني أن الحلم صار أقرب إلى الوهم. هم يطيرون الأحلام لا الشهادات. تلك التي انتظروها بجهد المثابرة وبخيبة الواقع. الشهادة لم تعد حلماً بل همٌّ. أنْ تحمل شهادة غير قادرة على تفعيل نفسها في واقعك، فذلك عبء يضاف إليك، لا يخفف عنك. كأنهم يعلنون: لم نعد في حاجة إلى شهادة تزيد فينا الهم، وتكسر فينا الحلم. هكذا تطير بعيداً وسريعاً، بالونات أحلام الجامعيين العاطلين، قبل أن تعود هزيلة، منهكة من لفح الشمس، مثقلة بهواء مُحبط وخامل.

وهكذا تبقى محصوراً في أفق يغلقك على حاجة يومك، كي لا تتحرر إلى أفق يفتحك على حلم العالم.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12540

فراشة باسمة

 

في القرن التاسع عشر، في قرية صغيرة نائية ومعزولة، تفصلها عن المدينة غابة وعرة كثيفة؛ تعيش جماعة بشرية متكاتفة ومتحابة اجتماعياً، لكن يتهددها الخوف والرعب. مخلوقات وحشية غريبة تسكن الغابة، تثيرها أية محاولة لاختراق القرية نحو الغابة أو المدينة. هذا التجاوز من شأنه أن يجر الوبال على القرية الصغيرة وعلى أهلها المسالمين.
ثمة اتفاق قلق، لكن غير مكتوب، بين أهل القرية وبين هذه المخلوقات: سيكون أهل القرية في سلام ما لم يتجاوز أحدهم حد القرية، وما لم يُعبث بأي شيء لونه أحمر، مثل ثمار التوت الواقعة أشجاره في أطراف القرية عند طريق الغابة. هكذا كان يعيش أهل القرية اعتقادهم بمخلوقات يخافون حتى تسميتها، يعرَّفونها فيها بينهم بـ «أولئك الذين لا نسمّيهم». الاسم مسٌّ برتبة تعريف، وحين يرتبط المسّ بالخوف، فإننا لا نسمّي، بل نكنّي.



ولأن الاعتقاد (أي اعتقاد) ترسِّخه المشاهدة وتُثبِّته، فإن بضع مشاهدات غريبة، لم يستطع أهل القرية تفسيرها، تتضمن بعضها جثثاً لحيوانات ممزقة ومقطعة، رسَّخت ذلك المعتقد، وصيّرته حقيقة لا يداخلها الشك. فحين تعتقد بشيء ما، فإن كل ما يحدث حولك سيحيلك إليه مباشرة، وكل مفارقة لن يداخلك تفسيرها أو تأويلها، إلا بما يؤكد معتقدك أكثر. فالحوادث غالباً ما تفسّرها المعتقدات لا الحقائق.
الفيلم الأميركي الرائع «القرية» (The Village)، للمخرج الهندي الأصل شايمان (إنتاج 2005)، يدخلنا مباشرة على هذا. يرينا كيف يعيش الإنسان برمجة الاعتقاد. كيف يحكم هذا الاعتقاد عقله وحاسته ورؤيته وسلوكه. وكيف يصير أسير خطوطه الحُمر التي يجب عليه ألا يتجاوزها أبداً.
يسكِّن أهل القرية مخاوف بعضهم بعضاً «نحن لم نخرق حدود الغابة، التي يقطن بها الذين لا نسميهم، نحن في هدنة، لذا لا داعي للخوف». لكن ثمة ما يستجد ليستدعي الرعب، سيخترق جيلٌ شاب الاتفاق الحرج بين أهل القرية و«أولئك الذين لا نسمّيهم». الشباب أقل انصياعاً لبرمجيات الثقافة، وأكثر اختراقاً لقوانينها. كلما تقدم العمر بمعتقدك في داخلك، من دون أن مشاغبة أو خرق، صار أكثر رسوخاً وأكثر تثبتاً، وصار عصيانه أو الخروج عليه أو حتى مساءلته، أمراً تستحيله من داخلك قبل أن يستحيله خارجك. كلما تقدم العمر بالإنسان، قلّت جرأته على اختراق برمجيات الجماعة فيه. المعتقد يربو مع الزمن ويتصلّد بالقدم، يكبر معك بقدر ما تكبر. ولهذا يعد الخرق فعلاً شبابياً بامتياز، والترسيخ فعلاً أبوياً بامتياز. أن تخرق معتقدك، يعني أن ترفض له أن يكون معتقلك. المعتقد عقد بين الإنسان والعالم. ومعتقدنا، ما لم يكن فتحاً لقريتنا الضيقة على مدينة العالم، فهو ليس سوى عقد موحش كئيب وخانق، وسوف لن نميّز

من وجه العالم، غير «أولئك الذين لا نسميهم».

سيأتي الاختراق الأول إذاً، على يد الفتى الأخرق «نوح». سيجمع من دون علم أحد حبّات من التوت الأحمر، يخفيها في يده، ثم يجلبها معه وسط القرية. فيكون الخَرَق (الجنون) هو أول الاختراق. العقل يحكم الأشياء أن تخرج عن الحدود التي «نسميها»، أما الجنون فهو جرأة لا تعترف بالحدود التي نضعها لأنفسنا، ولا بأسمائها.
سيقوم بالخرق الثاني «لوتشيوس»، الفتى الشجاع والنبيل. فالقرية ينقصها الدواء الذي لا يمكن الحصول عليه إلا بالخروج إلى المدينة. سيقتحم «لوتشيوس» الغابات ليختبر ردود فعل «أولئك الذين لا نسميهم»، لكن القرية ستقف بذعرها ضد محاولته تلك «لقد أرعبتنا لدرجة لم يقم بها أحد من قبلك لوتشيوس»، يقول له أحد أعيان القرية الكبار. تفشل كثير من محاولات الاختراق قبل أن تنجح واحدة، لكن تبقى كل محاولة كوّة ضوء، تمهّد لخرق أكبر يليها.

هذا الأكبر، ستقوم به الفتاة العمياء «إيفي». فقدت بصرها طفلة لأن أحداً لم يجرؤ أن يجلب لها الدواء. تقرر الآن المغامرة حتى الموت لإنقاذ حياة من تُحب (لوتشيوس) الذي صار في يد المرض. فالحب كافٍ ليحوّل رعبها من «الذين لا نسميهم» إلى مواجهة معهم. ستخرج من دون أن يتمكن من إيقافها أحد. وستمر عبر درب غابات وعر مليء بالأشواك والأحراش والمطبات والحفر الطينية والمخاطر والأجواء المرعبة، وسنعيش معها الرعب في مشاهد استثنائية طويلة ومهلكة، لكنها أخيراً ستصل طرف المدينة، وهناك، ستلتقي سريعاً أناساً طيبين يساعدونها، وستكتشف أن المدينة ليست شراً مطلقاً كما نُقل لها طوال حياتها، وستعود بالدواء، وسيزاح الستار عن السر الكبير الذي يُغرق القرية. وستكون المفارقة أن القرية (التي تعيش ظلام خوفها)، ستُبْصِر على يد إيفي العمياء (التي تعيش بصيرة حُبّها).
سنكتشف مع نهاية الفيلم أن «أولئك الذين لا نسمّيهم» مجرد وهم كبير، وأن أعيان القرية الكبار هم صانعو هذا الوهم الكبير. الأعيان (بعضهم بالمناسبة آباء لأولئك الفتية)، هم مجموعة من الأكاديميين المثقفين، قرروا اعتزال العالم الذي يرونه عاجاً بالبشاعة والشر والقتل والدموية واللاعدالة، اختاروا القدوم لهذه القرية الصغيرة النائية. ولكي يحافظوا على براءة الداخل من تلوث الخارج، ابتكروا حكايتهم التي عاشها يقين أهل القرية، والتي صارت دفناً لحياتهم داخل الوهم.


(1)
«هل المطلوب أن تكون الدولة ”الأم تريزا” مثلاً؟ لم أفهم القصد ولا الوسيلة التي كان يمكن أن يتبعها آية الله منتظري في إدارة الجمهورية فيما لو قُدِّر له خلافة الإمام الخميني، والذي أعتقد حينها سينتقد أسلوبه فكر الكاتبة الخلاّق بذات القدر من الحماسة البيزنطية في الدفاع عنه».
التعليق السابق تركه أحد القراء على مقالي الأخير «رسوب منتظري»، وأياً يكن ما يرميه، فأعتقد أنه قد وضع يده على شقّ ذي أهمية كبيرة، أعني الشق الذي يفرّق بين الثورة والدولة. بين ما تمثله الثورة من حُلُم، وما تمثله الدولة من لَحَم «واقع». بين مثالية «ما قبل» الدولة، وواقعية «ما بعد» الثورة. ولعل هذا الشق بعينه هو ما يمثّل جوهر الاختلاف بين منتظري ونظام الحكم في إيران. منتظري الذي بقي عند مثالية حلم الثورة، ونظام الحكم الذي تجاوز المثالية، نحو واقعية الدولة.
الدولة «أي دولة» فعلاً ليست «الأم تريزا». فالأم تريزا تمثل الحالة المثالية للثورة. الثورة التي تؤمن بالفرد وبأهمية الفرد وبحق الفرد. تقول تريزا «أشعر أني مدعوة لخدمة كل إنسان ومحبته بطريقةٍ خاصةٍ به حسب حاجاته. وإنّني لا أفكّر قطعاً أن تكون محبتي شاملةً للجميع كأنّها دون تحديد، بل تهدف لمحبة كل إنسان بمفرده. فإذا فكرتُ بالناس جميعاً كجماعات وحسب، فهذا ليس حباً كما يريده المسيح. إنّ الفرد هو المعني بالحب الحقيقي». الدولة لا تشعر أنها مدعوة لخدمة كل إنسان ومحبته بطريقة خاصة به حسب حاجاته. بل ترى أن الفرد هو المدعو لخدمتها والانصياع لها وتقديم الولاء المطلق لحكمها أياً كان. وإلا صار مصيره خارج عنايتها، وداخل تهميشها وإقصائها.
الدولة فعلاً ليست «الأم تريزا». فأكثر ما يؤلم الأم تريزا هو حين يمر أحدهم بمريض أو طفل أو فقير من دون أن ينظر إليه. تقول تريزا: «إنّهم لا يعرفون معنى الشفقة ولا يأبهون لهؤلاء التعساء. ولو فهموا قيمة هذا الإنسان المتألم لكانوا تصرفوا بوعي وعرفوا أن الله يسكن فيه، وحينئذٍ يبدؤون بمساعدته وبخدمته كما خدمهم المسيح نفسه». ليس الإنسان، بل الدولة التي لا تعرف معنى الشفقة. لا تكترث الدولة بالتعساء القابعين فيها. تمر عليهم من دون أن تلتفت نحوهم، ومن دون أن تنظر إليهم، ومن دون حتى أن تأخذ بخاطرهم، كأضعف الإيمان.
الدولة فعلاً ليست «الأم تريزا». فالأم تريزا فرّغت نفسها لخدمة الإنسان من دون تمييز بين عرق أو لون أو دين. تريزا لم تعرف العنف يوماً ولم تتعاطاه. بينما الدولة لا يمكنها أن تكون كذلك أبداً. الدولة «وحش من جليد» كما يصفها نيتشة. وحش: لأنها عنيفة. وجليد: لأنها قاسية. لم تقم دولة في التاريخ إلا وفي البدء كان العنف. الدولة لا مفر لها من أن تكون عنفاً. لكن ثمة فرق أن تحتكر الدولة العنف، وبين أن تمارسه. قد تحتكر الدولة العنف بمعنى أنها تمنع العنف عن أن يصدر من أحد ضد أحد آخر. أي من أجل أن تضبط السلم. لكن حين تكون هي من يمارس العنف، ليمنع كل أحد من الاختلاف معها، فذلك شأن آخر. هنا تصير الدولة «وحش من فولاذ». فإذا كان الجليد قابل للذوبان والانصهار تحت حرارة شمس الناس، فإن الفولاذ يبقى دائماً ضربة قاضية فوق رؤوس الناس.
الأم تريزا تمثل الحالة المثالية للثورة. الحالة التي ترفض استبداد الدولة وتسلطها وعنفها وعدم اكتراثها بالتعساء والبؤساء وبحقهم في أن يكونوا أفراداً محترمة آراؤهم وحقوقهم داخل دولهم.
لهذا لم يكن منتظري «بالفعل» مناسباً للحكم بهذا المعنى، ربما لأنه بقي عند الحالة الثورية الأولى، ولم يتمكن من الانتقال إلى مرحلة الدولة التي كانت تستلزم طبيعة أخرى مختلفة تماماً، وهو ما عبر عنه بنفسه بوضوح، وكذلك الإمام الخميني في الرسائل المتبادلة المنشورة بينهما.
(2)
تولد الثورة كحركة إصلاح وتجديد. توصف بأنها «جلال الإنسان ضد حقارة العظيم». لا تقوم الثورة، حتى يكون «القوي قد فعل ما بوسعه، والضعيف قد قاسى ما يجب عليه أن يقاسيه»، أي حتى يبلغ كل من الطرفين مداهما الأقصى، فلا يعود الضعيف قادراً أن يقاسي أكثر، ولا يعود القوي قد فوّت شيئاً مما في وسعه إلا وارتكبه. لهذا حين تقوم الثورة يكون عنوانها التحرر من ربقة الاستبداد. تنفجر الثورة محمّلة بوعود الخلاص الأبدي: الفكاك من تسلّط «العظيم» الجاثم فوق صدور الناس وعقولهم وأرواحهم. تعويض ما هُدر من حقوق الإنسان وما ضاع من حقوق المدينة، القضاء على التهميش والإقصاء والاستبعاد والاستعباد، بسط العدالة الاجتماعية والمساواة، فك القيود المفروضة على الشعب والإنسان، حرية الرأي وحرية المعتقد وحرية الممارسة، حفظ حقوق الأقليات والضعفاء. بهذه الوعود تنطلق الثورة. ويلتف حولها الشعب يسلمها تأييده ونفسه وأعز ما يملك. تعلن الثورة حلمها الخلاصي المنشود. تستلهم مسيرتها مستنيرة ببطل خلاصي يقودها أو يُشعلها. يؤمن الأتباع أن نهاية الظلم والاستبداد مآله على يد أبطالها، وأنه بعد انتصار الثورة سينعمون بالحرية والاستقلال والخلاص، أن لا عودة للوراء، أن موعدهم صبح الانتصار.
لكن ما إن تنتصر الثورة، حتى يتحول الحلم إلى حقيقة أخرى. سريعاً ما ستعمل الثورة «التي صارت دولة»، على إخماد الأصوات المناوئة لها. فكل صوت مناوئ أو مخالف يمثل تهديداً لاستقرارها. سيعمل هذا الصوت على استمالة مجموعة أخرى من الأصوات التي ستستميل بدورها أصواتاً أخرى. سريعاً ما ستعمل الدولة «التي كانت ثورة»، على تهميش هذه الأصوات المشاغبة وعزلها وإقصائها أو سجنها ومحاكمتها. ستمارس ذلك على المختلفين معها بالقدر ذاته الذي كان يمارس ضد شخوصها وأفرادها قبل قيامها. وكلما كانت الأصوات قوية أكثر ومُقنِعة أكثر، صارت مصدر تهديد للسلطة أكثر، ما يعني مزيداً من التقييد لها. وعلى غرار النظام السابق، قد تلجأ الدولة «التي كانت ثورة»، باتهام هذه التحركات بأنها خيانة ومؤامرة وعمالة إلى الخارج، وهي التهمة التي لم ينج منها أي معارض أو مناوئ يرزح تحت وطأة أي حكم مستبد في العالم.
هكذا ستجد الدولة نفسها تعيد آليات الحكم القديم الذي حاربته عندما كانت ثورة. يقول سيوران: «الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد، بل عليها أن تقلّد ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله. وكلما بذلت جهداً من أجل ذلك (وهي لا تستطيع أن تفعل غير ذلك) زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها». تنسى الدولة «التي كانت ثورة» أهداف الثورة سريعاً: التحرر من ربقة الاستبداد. تصير مهمتها الحفاظ على سيادة «السلطة»، لا على مكتسبات الثورة. الثورة التي يمثل الشعب أهم عنصر فيها. لكنه بعد انتصار الثورة يصير آخر همّها. وبعد أن كانت الثورة تقوم عليه وتعتمد عليه في نجاحاتها وانتصاراتها، تروح الثورة بعد أن تصل إلى سدّة الحكم «تفترس أبناءها»، بدلاً من أن تحقق لهم وعوداتها بالحرية والعدالة والحياة الكريمة.
سوسيولوجيا الثورات تخبرنا أن هذا هو حال الثورات عموماً. لا فرق بين ثورة وأخرى إلا في التفاصيل. ما شهده العالم أعقاب الثورة الفرنسية العام 1789 من سعار دموي رهيب، راحت ضحيته أرواح مئات الآلاف من الأبرياء تحت شعار الثورة، هو واحد من الشواهد الكثيرة على ذلك. الثورة «بعد نجاحها» تكف عن أن تكون ثورة بمفهومها الإصلاحي والتحرري، وتتحول إلى وحش فولاذي ضخم يصطدم بكل من يعارضها أو يختلف معها بغير ما تشتهي سلطتها.
هكذا يبدو وكأنه «ما من حالة ثورية حقاً إلا حالة ما قبل الثورة» كما يقول سيوران، وهكذا تمثّل الأم تريزا نموذج الحالة الثورية حقاً، أي حالة ما قبل الثورة. الحالة التي تقدم اللحم لكل الناس وتبحث عما يمس كل الناس وعما يحتاجه كل الناس، بينما تنهش الثورة «حين تصير دولة» لحم الناس الذين أوصلوها للسُدّة. يُغفر للدولة أن تكون وحشاً من جليد لحفظ النظام ولحفظ أمن الناس، لكن لا يبرر لها الضرب بيد من فولاذ على من يعارض سلطتها أو يختلف مع سياستها.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12402

فراشة باسمة

(1)
كان قرار عزل آية الله منتظري عن خلافة الإمام الخميني في ولاية الجمهورية الإسلامية في إيران، مفاجئاً للجميع، ولنا نحن الجيل الناشئ، ممن تفتح وعيه الديني والسياسي متأثراً بالثورة الإسلامية في إيران، ومتشكلاً بمدّها وتداعياتها في المنطقة. جاء قرار العزل قبل ثلاثة أشهر من وفاة الإمام الخميني في يونيو/حزيران .1989 لم يكن اسم منتظري بالنسبة لنا يشبه أي اسم آخر من أسماء رجالات الثورة. عُرف أنه الرجل الثاني في إيران الثورة، وأنه ”إذا كان الخميني يقود الثورة الإيرانية من الخارج، فمنتظري كان أبرز أولئك الذي قادوها من الداخل”. لعلّه لم يُذع حينها عبر إذاعة طهران (التي كانت أبرز قناة لإيصال صوت الثورة)، تفسيراً مفصلاً يجيب على التساؤلات الكثيرة التي أثارها العزل المفاجئ آنذاك، على الأقل هذا ما أذكره الآن، ولم تكن وسائل الإعلام بمثل تنوعها الآن، بما يمكِّنك أن تصل إلى الأصوات المختلفة ودفاعاتها. عن نفسي، لم أعرف حينها، أكثر من أن منتظري (عُزل) أو (قدّم استقالته) لاختلاف بينه وبين الخميني حول موضوع ولاية الفقيه. الإجابة ضيقة ومبتسرة نعم، لكنها بالنسبة لفتاة متحمّسة، أحادية التفكير، متعصبة لشخص الإمام الخميني، يهمها بالدرجة الأولى تحديد مواقفها وإصدار أحكامها على الأشياء لا فهمها؛ فقد كانت تلك الإجابة كافية لإصداري حكماً مطلقاً على منتظري، وعزله في دماغي الصغير داخل خانة (ساقط). نعم هكذا. السقوط خروج عن الصراط المستقيم نحو صراط أعوج. والعزل يعني أن لا أقرأ له، لا أسمع له، لا أتأثر بآرائه.

ليس أكثر راحة من أن تتحصل كلمة تختزل شخصاً (أو جماعة أو معنى). تختم بها عقلك داخل حكمك. فلا يعود عقلك يزعجك بعدها بأسئلته المضطربة. فالسؤال حيرة ومشقة. وكلما قل وضوح الأمور أو جرى تمويهها، أوقعك السؤال في عجز أن تصل إلى حكم يقيني حاسم، فيبقيك أسير بلبلته. مثل هذه الحيرة، لا تتفق مع طبيعة عقلٍ يقينيٍ حاد، مشدود نحو إصدار الأحكام وإطلاقها. ولأن عقلي الناشئ حينها، لم يكن مهيأً لهكذا حيرة مركبة، فقد أسقط منتظري سريعاً، وقام بعزله، وأراح حيرته وأسكت سؤالاته.

(2)
استعادت ذاكرتي شيئا من ذلك التاريخ، وأنا أطالع الصحف التي تناولت شيئاً من سيرة منتظري بعد وفاته في التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الأول الجاري. توقفت كثيراً أمام عنوان لافت يقول على لسان آية الله السيد علي خامنئي: منتظري رسب في الامتحان. ينقل الخبر عن خامنئي في برقية أرسلها معزياً بوفاة منتظري، إن ”الله امتحن منتظري في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الراحل، امتحاناً صعباً وخطراً، فنسأل الله سبحانه أن يشمله بمغفرته ورحمته ويجعل من المشاكل الدنيوية كفارة لتلك المرحلة”، في إشارة من خامنئي إلى أن منتظري رسب في ذلك الامتحان. وكأن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر استحضاره الضمني، لكن الصريح بـ(رسوب) منتظري في برقية التعزية، كان يستهدف الجماهير الإيرانية المؤيدة لأفكار منتظري، والمتعاطفة مع ما لقيه من عزل وإقامة جبرية وتهميش وإقصاء طوال 23 عاماً بعد وفاة الخميني. فكأن خامنئي يُعلم الجماهير، أن كل هذه العقوبات ليست سوى كفارة دنيوية لمنتظري عن ذلك الرسوب، وأن من يؤيد أفكار منتظري، فكأنه يؤيد رسوبه في الامتحان الإلهي الصعب.

بهذا الاقتضاب الموجز في صور ثلاث: الامتحان الصعب، الرسوب، الكفارة، تُختزل حياة منتظري كلها. توحي لنا أن كل نضالاته المعروفة وجهاداته وما عاناه في السجون والتعذيب وكل تجربته السياسية ومكانته العلمية والفقهية وأفكاره ورؤاه وشخصه، كل ذلك لا معنى له أمام الرسوب الذي ختم عليه. هذه الصورة المختزلة لمنتظري ستعمل تلقائياً على عزله في أذهاننا ووضعه في خانة الساقط. وهكذا ترتاح الأذهان (اليقينية والخائفة من الرسوب) من السؤالات المزعجة والمربكة التي قد تريها وجهاً آخر لا ترغب يقيناتها في رؤيته. تماماً كما فعل عقلي الصغير الأحادي، وغير المهيأ للتركيب والتعقيد منذ سنوات. هذه الصور التي ثبّتها المرشد الأعلى للثورة حول منتظري، ستحيل بين الكثيرين وبين محاولة الاقتراب من فكر منتظري أو معرفته وفهمه (ليس بالضرورة تبنيه أو تأييده). بل ستحيل حتى دون إصدار بيان تعزية أو إقامة مجلس تأبين على روحه كما تجري عليه العادة (في البحرين مثلاً)، بعد وفاة أحد المراجع أو رجال الدين.

(3)
الحكم برسوب منتظري، لم يأت إثر خيانة منه للثورة أو لرجالاتها، ولا إثر تعاون مع أعداء خارجيين، فهذا غير وارد أمام شخصية معروف إخلاصها مثل منتظري، لقد دعم منتظري مشروع الثورة من البداية، في حين شكك بعض رجال الحوزة في أهميتها ومستقبلها منذ أن كانت فكرة. ليس «الرسوب» إذن سببه نكوص عن الثورة أو خذلان لها، لكنه ناتج عما وصفه منتظري في مذكراته بـ«اختلاف الآراء بيني وبين الخميني»، وكان أحد وجوه هذا الاختلاف التعاطي مع المعارضين السياسيين من أعضاء ومؤيدي منظمة مجاهدي خلق والمنظمات اليسارية الإيرانية. رسب منتظري لأنه اختلف ولأنه أعلن اختلافه. ففي مجتمعاتنا الاختلاف عن صراط الجماعة اعوجاج وزوغان وانحراف عن الصراط المستقيم. الاختلاف رسوب يجب أن تدفع كفارته طوال حياتك.

رسب منتظري لأنه أعلن احتجاجه على الإعدامات التي بلغ عددها نحو 3400 على يد السلطات الإيرانية في .1988 ولأنه بقى حتى قبل وفاته يعلن رفضه لقمع الحريات السياسية والإعلامية بكل أشكالها: ”أليس من العار أن بعض الأشخاص سيذهبون إلى الجحيم، بسبب آراء آخرين؟”.

رسب منتظري لأنه رفض إضافة كلمة «مطلقة» إلى كلمة «ولاية الفقيه» الواردة في الدستور الإيراني، والتي تم إضافتها بعد رحيل الإمام الخميني. رسب لأنه اعتقد بولايةٍ يشرف فيها الفقيه على الدولة بموافقة الجماهير، وأن تترك الساحة السياسية لخبراء السياسة بدلاً من رجالٍ الذين يراهم أصحاب رؤية أحادية، بسبب طبيعة التفكير الديني.
رسب منتظري لأنه يرى أن الفقه لا يخص حقوق ”المؤمن” فقط بل حقوق ”الإنسان” أياً كان دينه أو معتقده، لأنه يعترف بحقوق الأقليات الدينية وخاصة البهائيين والقوميات غير الفارسية. ولأنه أعلن أن «ما أقصده هو أن كل البشر، سواء كانوا من المؤمنين أم لا، وسواء كانوا مسلمين أم لا، يجب أن يحظوا بالاحترام».
رسب منتظري لأنه أراد أن ينجح كل الناس، لا بعض الناس. وهكذا أنت ترسب أيضا، ترسب حين يكون همّك أكبر من جماعتك وأكبر من طائفتك وأكبر من أهل ملتك أو جنسك أو عرقك، ترسب حين يكون همّك الإنسان.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12353

«السر لفهم مدينة ما وشعبها هو تعلم كلمة الشارع؟ إن لكل مدينة كلمة واحدة تعرِّفها، وتعِّرف معظم الناس الذين يعيشون فيها. وإن تمكنتِ من قراءة أفكار الناس وهم يمرون بقربك في الشارع في أي مكان من الأمكنة، فستكتشفين بأن معظمهم تشغلهم الفكرة نفسها، مهما كانت فكرة هؤلاء الأغلبية، تلك هي كلمة المدينة». 

توقفت كثيراً وأنا أقرأ هذه العبارة تسردها الروائية الأميركية إليزابيث جليبرت في كتابها الرائع «طعام.. صلاة.. حب.. امرأة تبحث عن كل شيء». الكتاب يمثل تجربة الكاتبة في رحلة بحثها عن ذاتها خلال عام كامل قضته بالتساوي بين إيطاليا والهند وإندونيسيا «ربما تسنّى لي التوقف عند الكتاب ذات مقال قادم» العبارة قالها صديق إيطالي في معرض رده على علاقة إليزابيث بالعاصمة روما. تعتقد إليزابيث بأنها أحبت روما كثيراً، لكنها لا تشعر بالانتماء إليها. كان الصديق يرى أنه إذا لم تكن «كلمة» المدينة تتلاءم مع الكلمة الشخصية لأحد ما، فإنه لا يمكن أن يشعر بالانتماء إلى هذه المدينة. يواصل توضيح فكرته لإليزابيث، أن كلمة روما هي «جنس»، فالناس في روما يحركهم الجنس ويشغل همهم وتفكيرهم أكثر من أي شيء آخر، ثم يسألها عن كلمة مدينتها التي أتت منها «نيويورك»، وبعد تفكير تقول إليزابيث: أعتقد أنها كلمة إنجاز.

كلمة الشارع ليست وصفاً. فهي لا تصف المدينة بقدر ما تعبّر عما يتحرك بالناس فيها وما يوجه سلوكهم وحركتهم. المدينة التي كلمتها «جنس» سيكون الجنس محوراً لتفكير الناس وانشغالهم وهدفهم، وسيظهر ذلك على سلوكهم ولباسهم وممارساتهم وطبيعة حياتهم وأحاديثهم وحتى أسواقهم وبضائعهم وطبيعة قضاء أوقاتهم وأماكن لهوهم ومرحهم. والمدينة التي كلمتها إنجاز، سيكون الإنجاز هو القلق الذي يتحرك بأناسها، وسيظهر ذلك على حماسهم الشخصي وإحساسهم بقيمة الوقت والعمل، وسنلمس ذلك من طبيعة الموضوعات التي عادة ما تستفز جدل الشارع واهتمامه.
ما كلمة مدينتي إذاً؟ وما كلمة وطني؟

أحداث الشارع ويومياته، وأحاديث الناس في الصحافة والإعلام والنشرات المطبوعة والمواقع الإلكترونية والمنتديات والملتقيات والمجموعات الحوارية والمدونات الشخصية وفي الفيس بوك وفي المجالس والندوات والتجمعات والمساجد والمآتم وأحاديث الشارع، كل هذه تضعنا مباشرة أمام ما يشغل الناس وتفكيرهم، أمام كلمة الشارع، أمام كلمة المدينة.

سياسة؟ هل السياسة هي كلمة وطني؟ السياسة هي الظاهرة الصوتية الأعلى والأبرز في وطني. حين تنطق السياسة فالكل متحفز وهائج وعلى أهبة الاصطفاف. أمام السياسة تبدو الأصوات الأخرى هامشية وغير ذات جدوى ولا قيمة لها، تصير مترفة ومرفهة ومنصرفة عن همّ الوطن والمواطن. وأنت تكون وطنياً بقدر ما ينخرط صوتك في أحاديث السياسة ولو على نحو تحصيل التحصيل من الحاصل. الناس في وطني تمضغ السياسة أكثر مما تمضغ خبزها الحافي. الأطفال والصبية المراهقون كما الكبار مأخوذون بصوتها الجهوري الأجش وكلهم فيها صوت. هي إذاً كلمة وطني. لكن ألا تبدو كأنها عامة وفضفاضة؟ فالهمّ السياسي يشغل أكثر دول العالم. تختلف المدن وتتشابه كلماتها. لكن ما الخاص في كلمة وطني؟ ما المختلف الذي يشغل شارعنا بشكل أخص؟ هل هو مستوى الدخل؟ مستوى المعيشة؟ الحاجات المعيشية؟ العدالة الاجتماعية؟ توزيع الثروة؟ الأغنياء والفقراء؟ التجنيس؟ التمييز؟ السكن؟ المعارضة؟ الموالاة؟ البرلمان الدستوري؟ الحقوق المواطنية؟ لست أعرف. كلها كلمات ليست كالكلمات. أراها حاضرة بقوة في شوارع وطني وفي دواعيسه وفي زرانيقه غير المرصوفة وغير الأنيقة. لكن لا أعرف أياً منها هي كلمة وطني؟ ربما هي أخرى، فكلمة بحجم وطن لا يمكن أن تأتي بهذه السهولة ولا يمكن أن نضعها في قالب منحاز أو ضيق بهذه البساطة.

هل تعتقدون أن كلمة وطني هي «تديّن»؟ فالتديّن من أقوى الأصوات التي يتمثلها حسّ الشارع وتتحرّك به. لكن التدين في شوارعنا غلبت عليه السياسة، حتى أُحيل إلى مورد لتعزيز وجود جماعة أو فئة على حساب وجود جماعة أخرى أو فئة أخرى. كذلك صار الدين مورداً لتعزيز موقف فئة اجتماعية معينة في صراعها ضد البؤس أو الفقر أو البطالة أو التهميش كما يشير برهان غليون. فالدين السياسة: هكذا تقول شوارعنا. هل عدنا لكلمة السياسة مرة أخرى؟ مازلت لا أعرف.

ما هو مؤكد بالنسبة إليّ، أن كلمة وطني ليست «ترفيه»، ليست «رفاهية»، ليست «متعة»، ليست «مرح»، فشارعنا غارق في همومه ويومياته واحتياجاته المعيشية بقدر يجعله يسخر من أن يتمنى على نفسه متعة أو ترفيه. أما الرفاهية فبينها وبين شوارعنا بون. من المؤكد أيضاً أن كلمة وطني ليست «ثقافة»، ليست «فن»، ليست «فكر»، فيكفي أنه قد سبق لبعض شوارعنا أن أطلقت على الثقافة اسم «سخافة». ومن المؤكد أيضاً وأيضاً أن كلمة وطني ليست «تعايش»، ليست «تعدد»، ليست «تنوع»، ليست «تسامح»، فالاختلافات السياسية والفكرية والعقائدية، كما يبرع الإعلام «عبر أدواته المختلفة الرسمية وغير الرسمية» في تصويرها وإظهارها، هي على الهياج المناقض تماماً لذلك. ومن المؤكد كذلك أن كلمة وطني ليست «إنجاز»، ليست «ابتكار»، ليست «إنتاج»، ليست «اكتشاف»، ليست «اختراع»، فالاستهلاك «غير المنتج» في وطني فائض عن اللزوم في كل شيء وفي كل شبر. ما هي إذاً كلمة وطني؟ مازلت لا أعرف. ربما أنتم تعرفون.

لمشاهدة المقال وقراءة التعليقات  http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12263

أنت بين نوعين من الأصوات، لا يكفان يعترضانك في كل مكان وفي كل مقال ومقام. صوت مسكون بالحب والاحتواء، وصوت معجون بالبغض والاحتقار. صوت يتلمّس الجمالات، يتحسسها باستشعار ودود، وآخر يختلق البشاعات، يطلقها بزخم محموم. صوت يستودع قلبك همس الحكمة، وآخر يستل أطرافك نحو ضجيج غير حكيم.

الصوت ليس هو ذلك المكون الفيزيائي فقط، بل هو أشبه بروح تخترقنا، قد يأتي في هيئة كتابٍ أو مقالٍ أو خبرٍ أو روايةٍ أو لوحةٍ أو فيلمٍ أو مسرحيةٍ أو مشهدٍ أو حدثٍ أو حديثٍ. كل هذه الأجناس تخترقنا وتعمل فينا بشكل أو بآخر. الصوت هو الوسيلة الأولى التي استخدمها الإنسان لإيصال رسائله. فنحن مجموع الأصوات التي تخترقنا وتعمل فينا.

الأصوات المحمّلة بالحكمة، تغسل أرواحنا المثقلة بالتعب، تبيض قلوبنا المنكوتة بالسواد، تهذب أصواتنا المنزلقة نحو الابتذال، تنقِّح عباراتنا الممجوجة والمستهلكة والفارغة من المعنى. أما تلك المحمّلة بالاحتقار، فتغشى ظلاماتنا النائمة، توقظها، تهيئ لها لتتفرعن، تدجج ظلامها، تبصرها طريقها إلى الخروج الفج، تمنحها العذر لكي تتضّع أكثر، وتترهل أكثر، ويتمادى منها الانحدار والحمق أكثر.

النماذج (المحلية) التي تتحرك (بأصواتها) في ذهني الآن كثيرة، إلا أني لا أرغب في وضعها هنا، وذلك لما يمكن أن تثيره من حساسيات قد تحرف فهم صوتي جهة الأشخاص «المع أو الضد»، على حساب مفهومي الذي أرغب التوسع فيه. لذلك سأكتفي بمثالين هما لكاتب واحد، نرى من خلالهما أن الصوتين قد يعملان في شخص واحد، وأنه قد يقع الإنسان بين صوت ونقيضه على نحو مؤسف في بعض الأحيان.

لا يمكنك أن تصدق مثلاً أن (صوت) الكاتب المصري يوسف زيدان الذي كتب به روايته الرائعة ”عزازيل”، هو ذاته (الصوت) الذي تحرك بقلمه وهو يكتب مقالته ”ذكريات جزائرية” المنشورة في جريدة (المصري اليوم) نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي [1]. الصوت الذي كان يتشح بالحكمة والتأمل والتفهم العميق للكون والإنسان في ”عزازيل”، لن تشم رائحته في ذكريات زيدان الجزائرية. لن تشم غير رائحة الشخصنة والشتم والاستفزاز والاحتقار والاستهجان والتعالي والأحكام المطلقة التي يطلقها على كل ما ارتبط باسم (الجزائر) من بعيد أو قريب. لست في صدد التعرض لهذه المقالة وأسبابها التي فجرتها مباراة كرة قدم. لكني أقدمها لقراءة نموذج لصوت محّمل بالحكمة مقابل صوت محمّل بالاسحتقار.

ينشغل الصوت الأول بتوسيع فهمك وإدراكك، يعدد زواياك التي ترى منها إلى العالم والإنسان، يفتح مغاليق فكرك وقلبك، يوقظ فيك الحب، يؤخر أحكامك، أو يسقط أكثرها، يبسطها أمامك ليتسع الكون ولتتسع أنت، يريك أن الكون بدون أحكامك المطلقة أجمل، وأنك (أنت) بلا معولها القابض أطهر وأنقى. أما الصوت الثاني، فيتمادى في تحديدك، يحركك في زوايا ضيقة من التفكير، وفي مساحات طفيحة من الفهم والإدراك، يجعل زواياك حادة وقاسية، يحصرك بين ضلعين شبه منطبقين، ويحصر العالم كله معك بين هذين الضلعين. يغلق مفاتيح فكرك وقلبك. يقتل فيك الحب. وبقدر ما يغيب عنك الحب، ينشط منك الاحتقار. الاحتقار هو التعويض الطبيعي عن فقد الحب. من يفتقر أن يعيش حباً، ينصرف تلقائياً إلى الاستهزاء بالحب، فلا تسمع منه غير صوت الاحتقار. وكتعويض آخر، يتصور نفسه قمة جبل، والآخرين قاعا. وهناك من حيث قمة جبله، يروح يسقط أحكامه وأوهامه على من يعتبرهم قاعاً. ”إن احتقار الآخرين يشعرنا برضا بالغ عن أنفسنا، يشعرنا بأننا قضاة”. فبقدر ما تمارس احتقارك وتطلق أحكام قضاءك، تمتلئ بالرضا الذي يعوضك نقص الحب. الحب الذي أعنيه هنا هو ليس فقط ذلك الخيال الرومانسي الذي قد يصفه البعض بأنه غائب عن الواقع (وإن كنت عن نفسي لا أراه كذلك)، بل هو رفض الكره مهما كان الواقع مؤلماً. أي أن الحب الذي أشير إليه هو كره الكره عموماً وخصوصاً.

الصوت الحكيم، يبسطك على الأرض، ويمدك نحو السماء. يستيقظك من جفوتك وقسوتك وغرورك وأنانيتك. يسكبك ماءً في وعاء غيرك. يمنحك معنى السعادة ”السعادة هي أن تكون سمكة تسبح في بحر الناس”. ليس أجمل ولا أعقد من بحر الناس الممتلئ بالعجائب والغرائب. ليس مثل تنوعات ثقافاته وأفكاره ومعتقداته وعاداته وسماته وسلوكاته وطبائعه. وبالمقابل، ليس مثل رشاقة السمكة الملتوية بجسدها الصغير تشق نفسها داخل الماء. ممتلئة السمكة بعشق الماء حتى أن لحظات قليلة جداً، تلك التي تفصل بين إخراجها من الماء، وموتها فراقاً. وبقدر ما تتحرك السمكة بالماء فإنه يحركها. يتبادلان هي والماء لعبة الحب. حركة بحركة واهتزازة باهتزازة ودهشة بدهشة. وبقدر ما يدهشها الماء وكائناته العجائبية، فإنها تبحر نحو العمق أكثر لترى أكثر ولتعيش متعة دهشتها أكثر وأكثر، وكلما رأى منها الماء عمقاً، أخذها إلى سحره أكثر، وأمدّها بجنّة خفاياه التي لا يصل إليها إلا من يملك القدرة على الغوص نحو القاع أكثر. هكذا يكون القاع بالنسبة للسمكة مساحة كشف ومتعة استثنائيين، ويكون القاع بالنسبة لفاقد الحب، شيء دوني وبسيط، إن لم يكن حقيراً.

الصوت المحمّل بالحكمة يجعل عينيك تبحثان عن الجمال المختبئ في زوايا الكون وتحت حجارته القاسية. يجعلك تناغي قسوتها دون حاجة منك إلى معول كسر، بل يكفيك بماء الحكمة، يترك الماء أثره محفوراً على الحجارة دون عنف أو قسوة أو تعالٍ. يبعث فيك هذا الصوت الإحساس بقيمة كل شيء حولك. يخجلك من الابتذال حتى في قمة اختلافك. لا يُسمعك الكره والتباغض، ولا يحملك إلى الاصطفاف والتطاول، ولا يقبل لك التحامل والتراشق، هو صوت يمسح على قلبك بيده، يجعله أزهر. وعلى عكسه ما يشحنك بالغضب والتحامل. ما يُعلي منك صوت التنابز والتهاوش. ما يطلق لسانك بالبذاءة وعدم الاحترام. ما يغرقك في الأنانية البغيضة. ما يحيل الناس إلى سمك يسبحون في مستنقعات عصبياتهم وأنانياتهم.

ربما تقول بعد كل هذا، أن الصوتين يختلطان عليك في زمن كل ما فيه بات مختلطاً؟

بسيطة. كلما فرغت من الاستماع لصوت، أو قراءته، قف لحظة قصيرة لتسأل نفسك، أي المناطق حركها في داخلك هذا الصوت؟ منطقة حب أكثر، أم منطقة بغض أكثر؟ منطقة فهم جديد أم منطقة سوء فهم جديد؟ منطقة تقارب وتسامح، أم منطقة تحامل وتنابز؟ منطقة تتواضع بامتلائك أكثر، أم منطقة تستعلي بفراغك أكثر؟ منطقة ترتفع بإنسانيتك وترهف بروحك وقلبك، أم منطقة تجعلك أقرب للتوحش والافتراس؟

إجابتك وحدها كفيلة بأن تريك أي نوع من الأصوات هذا الذي يقتحمك. فرد فعلك وصوتك الذي تسمعه من نفسك يعكسان نوع هذا الصوت الذي سمعته. تتمايز الأصوات بما تنجزه فينا من أفعال، فالصوت المحمّل بالحكمة لا يمكن أن ينجز في الأصوات (المتفاعلة معه والمتأثرة به)، غير المزيد من الاحترام، بينما الصوت المحمّل بالاحتقار يجعلها تمارس (بوعي أو من دون وعي) الشيء نفسه. فانظر ما الذي تدخله إلى نفسك برضاك.

أيضاً، وحدها رغبتك في مواصلة الاستماع، أو الانصراف، هو ما يريك أي نوع من الناس أنت. فالإنسان دائماً يختار الاستماع إلى الأصوات التي تُشبهه. فانظر أي الأصوات أنت؟

لمشاهدة المقال وقراءة التعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12214

“تاريخ العلم، هو صراع بين وحدة يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر في إطارها، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار” [1]

طوال التاريخ، كان العقل البشري مشغولاً بمحاولة تفسير الكون وفهمه. المحاولات تدرجت فيما قدمته بين يدي الكون من تفسيرات، ثم راحت في كل مرحلة، تتوقع من الكون أن يتماثل مع ما رسمته، وترفض كل تفسير لا يتوافق مع الصورة التي أقرتها وحددتها للكون. لكن الكون دائماً، كان له موقف آخر:

(1) في العصور القديمة، حيث الحضارتان البابلية والمصرية، كانت الآلهة، هي المعنية بتفسير الكون عن طريق الكهنة ورجال الدين. لا توجد مسافة بين العلم والدين. العلم هو ما يخدم الدين من حقائق وتفسيرات. وحدهم الكهنة هم أصحاب المعرفة المطلقة في العلم والدين، هم من خولتهم الآلهة لأخذ الناس إلى سراطها المستقيم. الكاهن يقدم تفسيراته الجاهزة، والناس تسأل لا لتفكر، لكن لتعتقد. أن تكون (مستقيماً) يعني أن تعتقد بما يميله عليك الكهنة، أن تفهم الكون وفق ما ترسمه لك. يستقيم أمر الكهنة مع أكثر الناس. لكن هل يستقيم الأمر نفسه مع الكون؟ ليس الكون في سلطة أحد ولا تابعاً له. لا يسير الكون باتجاه اثبات معتقد، بل باتجاه اثبات وجود. ينتفض الكون ليعلن حضوره الرافض لإجابات الكهنة وتفسيراتهم. هو لا يحاور استقاماتهم الجاهزة، بل ينحني بظواهره أكثر، يكسر يبوسة الإجابات الجاهزة أكثر، يفضح هشاشتها وجهلها وتناقضها. سيرفض عقل الانسان الاستمرار في (مستقيم) رمزي متهالك، وسينتقل إلى مرحلة جديدة.

(2) مع ظهور الفلسفة في العصر اليوناني، وحتى نهاية القرون الوسطى وأوائل القرون الحديثة، يحاول عقل الإنسان المتشبع بمبادئ فلسفة أرسطو، أن يفسر الظواهر الطبيعية بقياسها على سلوك الإنسان وباقي الكائنات الحية. يصف الكون البعيد والمطلق والمجهول والغامض بما يلمسه من جسد الكائنات القريب والمحدود والمحسوس والحاضر. يقابل بينهما: ما دام لكل عضو حيوي في جسم الانسان غاية، فكذلك كل ما في الكون يسير وفق غايات يحددها الرب. يحاول العقل (الغائي) تفسير ظواهر الكون المتعددة والمختلفة بما يعتقده من غايات الرب. يتوه الانسان في محاولة سبر غايات كل جزء من أجزاء الكون وظواهره وخروقاته. للكون دائماً مهارة أن يربك خطوطك المستقيمة المفترضة. يشاغبها بتشابكاته غير المتوقعة وغير المحسوبة. لا يكف الكون عن أن يريك تعدده في آفاقك الضيقة. أن يعددك في آفاقه الرحبة. تكف (الغاية) عن أن تكون تفسيراً مقنعاً. سيستهزئ بها العقل الذي ملّ عجزها عن التفسير. وسينتقل الانسان إلى مرحلة جديدة وعصر جديد.

(3) منذ القرن السابع عشر حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. تسيطر الفكرة الميكانيكية على الكون. يُدرك العقل عدم جدوائية أن ينحصر في الماورائيات والغيبيات والغايات. يتجه إلى التفكير المادي. يدخل العالم مرحلة الصناعات الدقيقة والآلات. الكون ليس شيئاً آخر غير آلة ضخمة. الظواهر الطبيعية يجري تفسيرها الآن بقياسها على سير الآلات البسيطة، لا على سلوك الإنسان. الكون (الآلة الضخمة) يُدار بنظام ودقة صارمين. يرى ديكارت أن آلة الكون، لا يتحرك جزء منها إلا تحت تأثير مباشر من قبل جُزيء آخر. تسيطر فكرة ميكانيكية الكون. المطلوب فقط هو اكتشاف طريقة عمل الكون، أو قانون الكون.

يكتشف نيوتن الجاذبية الأرضية. يحاول الوصول إلى قانون ثابت يحكم آلة الكون. يضع قوانين الحركة الكونية الثلاثة. يصفق العالم لنيوتن. يعتبره أعظم علماء الكون. يؤكد نيوتن أنه لوعرف مقدار الطاقة والحركة ومواقع الأشياء في العالم، لأمكنه معرفة الماضي والحاضر والمستقبل، لأن آلة الكون تسير في خط مستقيم يبدأ بالماضي وينتهي بالمستقبل مروراً بالحاضر في حركة خطية مطلقة. يعتقد العلم أنه حقق انتصاره الأبدي على الكون، وأنه قد وقع أخيراً على نظام آلة الكون وأمسك قانونها. يفاخر الرياضي الفرنسي (لاغرانج): “إن للكون قانونا واحدا، وقد اكتشفه نيوتن”[2]. ويفتخر اللورد كالفن: “لم يعد هناك المزيد الاكتشافه في الفيزياء الآن، ليس هناك إلا المزيد والمزيد من الدقة في القياسات”[3]. تصير قوانين نيوتن هي الخط المستقيم الذي تسير عليه كل من آلة الكون وآلة العلم.

الكون وكعادته المتردة على كل إطلاق، ينتفض مجدداً. يُفشل القانون (الواحد). يستمر في زلزلة العلوم التي تفرض عليه ما يجب أن يكون. يُخجلها كما أخجل الكهنة من قبل. لا فرق بين علماء الطبيعة والكهنة، ما دام جميعهم يريدون تقييده بقبضات قوانينهم ومعتقداتهم. يتسلل الكون مستنفدا امكانات هذه العلوم في تفسير الكون. يكشف لها عن حاجتها إلى إعادة النظر في مبادئها. تصير في حاجة إلى ما يصحح اعوجاجها. ستبدأ مرحلة جديدة، وعصر جديد، واختلاط آخر بين فهم الانسان وتمرد الكون.

(4) استمر تاريخ العلم صراعاً، بين إطار يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر فيه، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار. الصراع يأخذ شكل حوار أو رفض أو تمرد أو كشف أو تناقض أو تداخل أو جدل. كلما أتى العلم بإطار (قانون) جديد ليقحم الكون فيه، ازداد الكون تمرداً وتبعثراً وتفرقاً ليكشف أن هذا الإطار ما هو محطة عابرة في تاريخ فهمه ومعرفته، وأنه سائر إلى نحو آخر أكثر إلغازاً وإبهاماً.

هكذا نصل إلى المرحلة الأخيرة منذ حوالي 1875 إلى وقتنا الحاضر. يتراجع الاعتقاد بميكانيكية الكون وتحض فكرة ديناميكيته. الكون لا يعود آلة ضخمة كبيرة كما في المرحلة السابقة، ولا نظاماً دقيقاً صارماً يسير وفق قوانين طبيعية محتومة في حركة خطية مطلقة. الكون الآن هو مجموع التفاعلات المكونة له. هذا ما يذهب إليه آينشتاين الذي قوّض بنسبيته الأسس العلمية التي سبقته. فالمكان والزمان حسب آينشتاين لا وجود لهما خارج العناصر المادية  المكونة لهما والمتفاعلة فيهما. الفضاء الخالص لا وجود له، بل هو العدم بذاته، ولا يمكن تصوره إلا إذا كان يحتوي على النجوم والكواكب والسيارات والشهب والنيازك والاشعاع والسدائم والغاز والغبار وحقول التجاذب، وجود الفضاء مرهون بوجود محتواه من المادة والقوة، فمحتواه هو الذي يجعله هو هو، وهو الذي يسبغ عليه خصائصه. [1]

نسبية آينشتاين صاغت الكون بما يحتويه من مكونات، وما يعتريه من أحداث وانفجارات واعوجاجات واختراقات، لا بما يرصده له الانسان من قانون ثابت. آينشتين الذي أوقف حياته كلها على اكتشاف قوانين الطبيعة، يعترف أخيراً  “أشد الأشياء استغلاقاً على العقل في هذا العالم، أن العالم يمكن تعقله”. ينهزم العقل أمام الكون المستغلق على ان يُفهم أو يعقل أو يقنن ضمن قانون ثابت. فالثابت أنه ليس هناك ثابت في الفهم الإنساني للكون.

ربما أمكننا أن نقول، إن (الكون) ارتاح لوصول الانسان أخيراً لهذه النتيجة. وكأنه عبر تمرداته الطويله وصراعاته التي أوقع فيها عقل الانسان، كان يريد أن يوصله إلى مثل هذا. أن الكون وجودٌ قائمٌ في (حياة) لا في (آلة). أنه كائن متفاعل لا آلة صماء. القانون ليس سوى آلة، طالما أنه يريد أن يُلجم حركة الكائن الحرة والمتفاعلة. الكون لا يعبأ بما يريده منه الإنسان أن يكون. هو كائن فقط بما هو. وعلى عقل الانسان أن يتقبله كما هو، بكل ما فيه، لا كما يريد. يقول فرنل:”إن الطبيعة لا تعبأ بالصعوبات التحليلية ولا تكترث للصعوبات الفلسفية ولا لقوانين المنطق بل ولا لمقتضيات الفيزياء. إنها تعمل والسلام. أما القول بأن فكرة من الفكر لا تكون صحيحة إلا بمقدار ما تنطق عن عقولنا فهو هراء من هراء، لأن ذلك معناه أن الكون قد قُدّ بالضرورة وفقاً لمقولات عقلنا وإنه يحرص على الانسجام مع مطالب فكرنا. فليكن الكون ما يحلو له أن يكون، وما علينا إلا أن نسجل ما نسمع ونرى”[2].

(5) التحول بعلاقتنا مع الكون من (أن يكون وفق ما نرى) إلى علاقة (أن نسجل ما نسمع ونرى)، يجعل من الكون حضوراً دائم الدهشة والابداع والامتاع. دائم التجلي في حكمة وجمال خارقين. إن الكون المتحرك وفق ما يُراد له (الكون الآلة)، هو كون معروف سلفا من أين يبدأ وإلى أين يسير. ولهذا، هو فاقدٌ للقدرة على إدهاشنا، فاقد أن يكون حدثاً غير متوقع، فاقد أن يربك توقعاتنا واستنتاجاتنا. أما الكون الذي يتحرك وفق ما يُريد (الكون الحي)، فهو كون يبتكر نفسه بنفسه كل يوم، لهذا نحن في ترقب ما يفاجئنا ويدهشنا ويخترقنا ويسحرنا، نحن في تواضع ما يأتيه من أفعال وردود أفعال. لهذا كان آينشتاين يرى أن الاحساس الصوفي بنواميس الكون هو نمط عميق من التدين. هذا الاحساس يجعلك في دهشة ما لا تدرك وما لا تصل إليه. يقول:”إن أجمل انفعال يمكن أن تهتز له نفوسنا هو الانفعال الصوفي. فهو أصل كل فن، وكل حق. معرفتنا أن ما لا ندركه موجود حقاً ويتجلى حكمة وجمالاً، وأن ملكاتنا الفقيرة لا ترى منه غير أشد صوره فجاجة، هذه المعرفة وهذا الشعور، هما محور الشعور الديني الصحيح. بهذا المعنى، وبهذا المعنى وحده، اضع نفسي في مصاف الرجال المتدينين تديناً عميقاً”[3]

ملكاتنا الفقيرة لا ترى من الكون غير صورة سطحية فجة: آلة صماء مطيعة ومستجيبة ومنفذة لقرارات غيبية نافذة، أو لقوانين ثابتة مفترضة، لكنها ليست ترى منه ذلك الوجود الغامض الجميل المشبع بالحكمة، والنافذ بالبصيرة البعيدة، والقادر على التحكم والاختيار وفعل ما يريد وما يرى، مما قد لا ُيراد، ولا يُرى له.

(6) الإطار الذي أُريد طويلاً للكون أن يُقحم فيه، هو عينه الذي أُريد للإنسان (الأشبه بالكون من حيث الاستعصاء والاستغلاق والتمرد والتفرق والتبعثر والتشتت) أن يُقحم فيه عبر التاريخ أيضاً. يتشابه التاريخان حتى يبدوان منسجمين ومتطابقين تماماً. تاريخ الإنسان صراع مماثل بين إطار (جماعة، ثقافة، معتقد، نظام) يراد إدخال أكبر عدد من الأنفاس فيه، وبين أنفاس مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول فيه. وكما أن فهم العالم وتعقلنه صعب مستغلق، كذلك الإنسان الذي هو عالم صغير، صعب أن يفهم وأن يحصر في إطارات ثقافية تفرض عليه مسارات حياته وتفكيره.

تقرر اُطر الثقافات والجماعات: الإنسان إبن شرعي لقانون واحد فقط، ولإطار واحد فقط، و ما سواه خارج عن شرع الفطرة التي تسير عليها الخليقة. تحمل كل ثقافة (وكل جماعة) إطارها الواحد وتمضي به نحو العالم. تحاول، لتقنع العالم بمثالية إطارها، أن تفسر الانسان وفق نموذجها، أن تُدخل أكبر عدد من الانفاس في (غايات) إطارها.

تمرد الكون أوصل العلم إلى استحالة التعامل معه كآلة ضخمة، أو كإطار ثابت، بل كوجود حر فاعل متفاعل. لكن هل استطاع الانسان أن يوصل الأُطر التي تريد ضمه في داخلها، إلى استحالة التعامل معه كآلة؟ وأنه تماماً مثل الكون، يفعل ما يعي ويُريد، وأن علينا فقط أن نسجل ما نسمع ونرى، وننشغل بفهم الإنسان والعالم، لا الحكم على أي منهما؟

هل ستكف الأُطر عن أن ترى الانسان بغير تلك الصورة (الفجة): أنه غير قادر على السير دون (إطارها) المحدد له سلفاً، والمطلوب منه أن يكون على مقياس نموذجه أبداً؟! هل ستتمكن بملكاتها الفقيرة والعاجزة والمحدودة، أن تدرك الجمال الكامن في فكر وروح وقلب الإنسان، أن ترى الحكمة في تمرده الذي يصنع العالم، ويثري وجودات الكون؟!

هوامش:

[1] آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص64

[2] www.el7ad.com/smf/index.php?topic=76700.0;wap2

[3]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D9%85

[4]، [5]، [6] آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص 130، 83، 15.

وصلات:

الكون بوصفه متمرداً (1) http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12131

الكون بوصفه متمرداً(2) http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12167

 

 

(1)

تشكل (الاستقامة)، الاستعارة المركزية التي تستخدمها الأديان لتحديد طريقها المستقيم إلى الله. ويتفرع عن هذه الاستعارة مجموعة من الاستعارات الفرعية، منها الطريق المستقيم، السراط المستقيم، الطريق الحق، الضلالات، التيه، الانحراف، الميل والهوى والزوغان والضياع والاعوجاج.

الاستقامة مفهوم استعاري، أي أنها ليست تعبيراً حقيقياً كما هو الأمر حين نقول أن الشارع الذي تقطعه سيارتنا مستقيم، فهذا تعبير حقيقي. نستعيره مجازياً للتعبير عن ما هو فكري أو معنوي. نستخدمه للتعبير عن أفكار الإنسان أو ديانته أو أخلاقه أو خطه السياسي. لكننا عادة حين ننتقل من التعبيرات الحقيقية إلى التعبيرات الاستعارية، ننسى هذه الانتقالة، ونظن أننا مازلنا في التعبيرات الحقيقية. أغلب اختلافاتنا تحدث بسبب هذا النسيان. ذلك أننا دائماً ما نبني على مثل هذه المفاهيم _بعد أن ننسى أصلها الاستعاري_ أفهاماً وأحكاماً وعلاقات وتصورات ورؤى، نعتبرها حقيقية وجازمة، تتعلق بوجودنا ونظرتنا إلى أنفسنا والعالم والآخر. وهو ما يدعونا إلى إعادة التفكير في الاستقامة باعتبارها مفهوماً استعارياً، لا حقيقياً.

التعبيرات الدينية ترتكز على الصورة المجازية للمستقيم في تحديد المنهاج (الطريق) الذي يصل الانسان بالسماء. لكل تكوين ديني أو عقائدي فهمه الخاص الذي يصوغ من خلاله تصوره لهذا المنهاج. جميع التكوينات الدينية على اختلافاتها، تؤمن أن فهمها (نموذجها) يمثل السراط المستقيم إلى السماء. تقبلك جماعتك بقدر ما تكون مستقيماً على سراط فهمها. أن تكون مستقيماً يعني أن تتحرك وفق نموذجها المرسوم لك والمحدد لك سلفاً. وخارج هذا السراط، لا ينتظرك غير الاعوجاج. نقول “انحرف عن الخط المستقيم”. نقول “جاد عن الطريق المستقيم”. نقول “مال عن السراط المستقيم”. نقول “ضل” و”تاه” و”زاغ”.. الخ. إذن الاستقامة هي المركز الذي نطلق من خلاله أحكامنا على مسار الانسان الفكري والعقائدي، وهو حكم بحاجة إلى إعادة نظر وإعادة تذكير بالمنسي.

(2)

من هنا جاءت فكرة “السراطات المستقيمة” للمفكر الايراني عبد الكريم سروش، محاولة للخروج من المأزق الناشئ عن الفهم الديني لـ(السراط المستقيم). ذلك الفهم الذي يقيس أفكار الناس ومعتقداتهم وأديانهم على مقاس شعرته، ويحاكمها على أساس هذا الحد، ويصف كل ما لا يستقيم على خطه، بأنه زيغ وضلال وانحراف واعوجاج. عن طريق التدليل على تعدد الأفهام الانسانية والتجارب الدينية، حاول سروش تعليل تعدد المستقيمات الواصلة إلى السماء، مستدلاً بأن من غرس بذور التعددية في العالم هو الله، وأن كل نبي قد عزز من هذه التعددية بوصفه نبياً مخصوصاً بقومه.

شروس حاول الخروج من مأزق السراط الواحد، لكن بقت معضلة استعارة (الاستقامة) قائمة، وغير قابلة لأي اعوجاج، ذلك الذي لا يرى فيه غير انحراف عن السماء.

(3)

يقدم لنا ابن عربي عبارة شديدة الكثافة والدلالة حين يقول “اعوجاج القوس عين استقامته. فإن رمت أن تقيمه على الاستقامة الخطية المعلومة كسرته، فلم تبلغ أنت بالاستقامة التي تطلبها منه، غرضك الذي تؤمله، وهذا لجهلك بالاستقامة اللائقة به “.

كيف يرى ابن عربي اعوجاج القوس نفسه استقامة؟ ما الذي يجعله لا يرى في هذا الاعوجاج انحرافاً؟ كيف يستقيم القوس المنحني؟

صوفية ابن عربي تمكنه من أن يرى ببصيرته باطن الأشياء وباطن طرقها. بمعنى أنه يمكنه أن يتجاوز ظاهر الانحناءات، ويرى باطن غايتها، فيرى الاستقامة من خلال هذا الباطن. انحناءة القوس هي ما تمكنه من أداء مهمته باستقامة. أما محاولة جعل القوس مستقيماً، فإنها لن تؤدي إلا إلى كسره. والإنسان قادر على أن ينحني ليؤدي غايته بطريقة لا تؤديها استقامته على الطرق العامة. الإنسان قادر على أن يشعب من الطريق الواحد المستقيم طرقاً متعددة منحنية، تصله إلى غايته بعدد انحناءاته.

يأخذ ابن عربي من المرأة نموذجاً، فهي وإن كانت قد خلقت من ضلع آدم الأعوج (كما يقول لنا الطريق المستقيم)، إلا أن في باطن هذا الاعوجاج استقامة. فاعوجاج هذا الضلع، يحيل إلى معاني الانحناء والحنو. هو أعوج في الرجل، لكنه مستقيم في المرأة. هي قادرة على أن تجعل من انحناء ضلعها حنواً. من غير هذا الحنو لا يمكن أن تستقيم العلاقة الانسانية بين الرجل والمرأة. من هنا يمكن أن نقول إن اعوجاج طينة حواء عين استقامتها.

ابن عربي يعطي للانحناءة معنى الاستقامة. بمعنى أن لكل كائن من الكائنات استقامته الخاصة. أي تلك التي يشكلها وفق انحناءته اللائقة به. من هنا تأتي مقولته ” ما في العالم إلا مستقيم”، ليست المرأة إذن، اعوجاجاً عن الرجل، وليس الصوفي انحرافاً عن الفقيه، وليس المسلم ضالاً عن المسيح. ففي كل انحناءة من انحناءات المختلفين مع ما يبدو مستقيماً، استقامة أخرى. الجميع مستقيم بزاويته التي تأخذه إلى طريق غايته وغرضه المأمول منه. والاعوجاج هو ما يُعطي الكثرة والتنوع اللائقين بالعالم. والطرق إلى الله متشعبة بعدد اعوجاجات البشر وانحناءاتهم. هم يشكلون بهذه الاعواجاجات سراطات (مستقيمة). فاعوجاج الكائنات هو عين استقامة العالم.

(4)

انحن كما شئت، فكل الطرق مستقيمة بانحناءاتها، عليك فقط، أن لا تقيس الآخرين على نحو استقامتك فتكسرهم. دع الطرق تنحني وفق غايتها، فمقاصدها مقاييسٌ تحنو على طرقها، وتحنو على إنسانها، وتحنو على عالمها، فالدين هو الحنو.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12089

 

قال لي: “ألا تتفقين معي بأن الاحتلال نوعين؛ احتلال بمسمى الاستعمار، أي الاستيلاء على الأراضي بما فيها من مقدرات، وإخضاع شعبها لسلطة المحتل، وتغيير تركيبة البلد الديمغرافية وفرض ثقافة المحتل .واحتلال آخر ينطبق على حكام الأنظمة القابعة على كراسي السلطة؛ المطبلة للديمقراطية في حين هي تجمع ثروتها عن طريق النهب وتكوين امبراطوريات مالية. تلك التي تنثر فتات الخبز على شعوبها، في مقابل الترف والثراء الفاحش والاستحواذ على الأراضي وتغيير التركيبة السكانية لبلدانهم؛ بذريعة منح الجنسية؟”

قلت: أتفق معك، وأعتقد أيضاً، أن كل ما يربض فوق مساحة تخصك، يمنعك عن أن تكون في حريتك، هو احتلال. سواء أكان هذا الاحتلال دولة تستوطن أرضك، أو حكم ينهب ثرواتك، أو نظاماً يسلب كينونتك، أو كان غير ذلك؛ جماعة تحكم خياراتك، أو حزب يؤدلج فكرك، أو قيادة تخضعك لحكمها، أو أو.. كلها احتلال واحد بوجوه متعددة..

كان (هو) ذاهب إلى الاحتلال بمفهومه السياسي، وذلك بحكم ما يشغله من همّ سياسي، وكنت (أنا) ذاهبة إلى الاحتلال بمفهومه الفكري، بحكم ما يشغلني من همّ ثقافي، فكانت عينه تحدّق جهة الأنظمة والحكومات، وكانت عيني تحدّق جهة الجماعات والولاءات، ليس لأن همّ الأنظمة بالنسبة لي أقل من همّ الجماعات، لكن لأننا دائماً ما ننسى في غمرة همّنا السياسي الآخذ بعقولنا وحواسنا وأحاديث يومياتنا، أننا مبتلون بهم آخر لا يقل خطورة عن الأول، بل ربما هو سبب مآزقنا السياسية في كثير من الأحيان، أعني الهمّ الفكري.

الاحتلال هو سيطرة تامة النفوذ على منطقة خاصة بك. سواء أكانت هذه المنطقة أرض أو مُلك أو ثروة أو عقل أو فكر. يمنعك هذا الاحتلال من التعاطي الحر من خلال هذه المنطقة أو معها. يجعلك خاضع لحكمه وإرادته. السيطرة ليست بالضرورة أن تأت على شكل سلطة عسكرية، بل قد تأت على شكل سلطة رمزية (مجتمعية أو ثقافية أو دينية أو جماعية). السيطرة قد نعيها أو قد لا نعيها، وقد نعتبرها جزء من تكويننا وجزء من ثقافتنا، بل جزء من حريتنا.

ليست هناك منطقة أكثر خصوصية من القلب والعقل. القلب يصير محتلاً حين يقع في قبضة نفوذ حب جارف يذهب به، يجعله في أمره ونهيه وحكمه وحركته وسكونه. والعقل يصير محتلاً حين يقع في قبضة نفوذ (سلطة) تتحكم فيه وتسلبه أن يكون مساحة تفكير حرة، لكن فرق كبير بين الاحتلالين، فالأول يضيؤك فيما الثاني يطفيك.

لا يعترف الاحتلال (السياسي، الفكري) بالذات الإنسانية بوصفها ذاتاً حرة مستقلة قادرة على إدارة أمورها بنفسها واتخاذ قراراتها الخاصة فيما يتعلق بأمور حياتها السياسية والاجتماعية والفكرية، بل يتعامل معها بوصفها ذاتاً هشة ضعيفة تابعة غير قادرة على تحديد واختيار الأفضل مما يناسبها، لهذا هو يجعل من نفسه وليها وحاميها وراعيها، يمارس من خلال هذا (الجعل) مبدأ سيادته ووصايته، فهو يسن القوانين، ويشرّع الحدود، ويملي الأعراف المجتمعية أو السياسية أو الفكرية التي يجب أن تتأطر وفقها هذه الذات.

الاحتلال يوهمك أنك ضعيف في غير حمايته، يحذرك أن تكون خارج وصايته. أنت لا تعرف ما ينتظرك من أخطار فيما لو خالفته وخرجت عن سلطته (حمايته)، لكن الاحتلال يدرك ويعرف، والعارف ليس كالجاهل: أنت الناقص ببصيرتك، وهو النافذ البصيرة. يخيفك (ببصيرته) مما قد تتعرَّض له لو أنك سلكت بعقلك وحدك. يعمل فيك بنظرية الخوف ليتمكن منك “إذا أردت أن تسيطر على أحد ما، فأوهمه أنه خائف”. يصور نفسه أنه وجود مرهون بحاجتك أنت، أنه منقذ ومخلَّص جاء من أجلك، وأن لا مصلحة تنتظره غير تحريرك.

وإذا كان المُحتل سياسياً (دولة أو شعباً) يعي ما يجري عليه من وقع الاحتلال، فهو في رفضه ومقاومته، وهو في الوقوف أمامه والتصدي إليه، وهو في رفض ما يُفرضه عليه من أحكامه وقيوده، في تطلع دائم لما يتحرر به منه، فإن المحتل فكرياً غالباً ما لا يعي أن عقله كذلك، ولا يرى أن هناك ما هو مفروض عليه، بل يرى أن عقله يختار بإرادته الحرة ما نشأ عليه من فكر أو عقيدة أو انتماء أو ثقافة أو أعراف أو عادات، وأنه لو تُرك وعقله لما اختار غير ما هو عليه الآن. هو مقتنع أن ما يحمله من فكر يسير في مجرى نواميس الطبيعة والفطرة والحقيقة. وأن الآخرين (المختلفين عنه فكرياً)، متى ما تحرروا من أهوائهم وتجردوا من ميولهم الشخصية، فإنهم حتماً سيختارون حقيقته، وسيؤمنون بها دون غيرها.

يصير الفكر محتلاً، حين يمكِّن (ثقافته أو جماعته أو انتمائه) من أن تكون سلطة مسيطرة عليه، تحده وتحدد مساره وجهته وغاياته ومراميه وتحركاته، حين لا يتجرأ أن يغادر مألوفها إلى مجهول ما لا يعرف، حين يصدر عن حدودها وقوانينها المرسومة له سلفاً، يتحرك خلالها ولا يسمح لنفسه بتخطيها أو تجاوزها. حينها يتحول الفكر من أرض مترعة لا حد لها، إلى ممر ضيق. يقول سارتر: “إنه لمن المفارقة الصارخة أن يشبه وضع الرياضي، وذهنه، وضع رجل منخرط في ممر مفرط في الضيق، حيث كل خطوة من خطواته وحتى وضعيّة جسمه تكونان مشروطتين بطبيعة الأرض، وبضرورة المسير، ويكون مع ذلك، مقتنعاً بيقين لا يتزعزع، بأنه يقوم بكل فعل من أفعاله بحرية تامة”.

المحتل سياسياً، لا يقبل السير في مثل هذا الممر الضيق إلا مرغماً، ناقماً على احتلال مساحة أرضه وإجباره على السير في مثل هذا الضيق، لكن الإنسان المحتل فكرياً ليس كذلك، هو يسير في هذا الممر الضيق وهو متيقن من أن كل حركة من حركاته المشروطة بهذا الممر، إنما يقوم بها بحرية تامة. ترى كم منا متيقن أنه غير محتل فكرياً؟

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11792

يروى أن معلماً جمع تلامذته وسألهم: كيف نعرف بدقة اللحظة التي ينتهي فيها الليل، ويبدأ فيها النهار؟

أجاب أحد التلاميذ: عندما نستطيع التمييز من بعيد بين النعجة والكلب!

أجاب آخر: عندما نستطيع التمييز من بعيد بين الزيتونة والتينة!

هز المعلم رأسه وقال: ليست هذه هي اللحظة التي ينتهي فيها الليل ويبدأ فيها النهار. بل عندما يقترب منا شخص غريب، ونخلط بينه وبين أخينا، وتختفي الصراعات، يكون الليل قد انجلى، والنهار قد طلع.

ما الفرق بين لحظة التلاميذ ولحظة المعلم؟

لحظة التلاميذ: (أن تميِّز) من بعيد. ولحظة المعلم (أن تخلط) من قريب.

التمييز هو فصل متعمّد بين الأشياء. ولحظة (أن تميز) هي لحظة احتفاء بهذا الفصل. يقوم التمييز على شروط تنبذ التشابه وتوطِّن الاختلاف. لكي تميز، أنت لا تنظر إلى ما تشابه ولا تعره اهتمامك، أنت تنظر فقط إلى ما اختلف. يكون جهة فصلك.

في لحظة (أن تميز)، أنت تذهب بعيداً عبر الزمن، إلى تاريخ الإنسان الطويل. ذلك التاريخ المتشابهة قصصه، أحداثه، مروياته، تراثه، أساطيره، حكاياته، وأفعال الإنسان فيه، تدخل صراعاته، خلافاته، حروبه، نزاعاته، وتخاصماته، لكنك لا تفعل ذلك، من أجل أن تعيد قراءة تراث الإنسان الطويل وتاريخه، ولا من أجل أن تصحح ما أعوجه هذا التاريخ في حاضرك، ولا من أجل أن تكشف وهم التاريخ ونقصه ومشكلاته ومآزقه، ولا من أجل أن تخضعه لنقدك ودراستك وتحليلك، ليس لهذا تذهب، بل لتحضر الليل إلى نهارك، تحدد عبر هذا التاريخ صفك وصنفك وطريقك وطريقتك وحاضرك ومستقبلك. تأتي بصراعات التاريخ (البعيدة) إلى حاضرة نهارك. ستميَّز الآخر حسب عرقه أو دينه أو مذهبه أو معتقده أو انتمائه. وستستدعي خلافكما الذي أسس له ليل تاريخك. تستند على ماضٍ بعيد لم تعشه، تمارس فصلك وفق شروط لم يصنعها وعي لحظتك الآن، بل وعي ليل سابق عن قدوم ضوء نهارك. في لحظة (أن تميز) أنت في إعادة مستمرة لإنتاج الاختلاف والصراع. الصراع هو ماضيك (الليل)، وحاضرك (اللحظة)، ومستقبلك (النهار).

أما لحظة (أن تخلط)، فهي لحظة تبحث عن شيء آخر. تبحث عن الإنسان المتشابه الذي فيك. هي لحظة مدركة للاختلاف. لكنها معنية بالخلط وتذويب الصراعات. أنت لست في جهل الاختلاف، بل في وعي الصراعات الناتجة عنه. هذه اللحظة تحمل الاختلاف من ليل التاريخ وظلامه، من وعي جماعات الماضي المدججة بالصراع والاختلاف، وتأتي به إليك كي تراه بوعي إنسانك الحالي. تجعلك تعيد قراءته في ضوء نهارك، تقدم قراءة جديدة ومختلفة لتاريخ الإنسان الديني، السياسي، الثقافي، والاجتماعي. لحظة (أن تخلط) هي لحظة وعي متقدم بالاختلاف وبالصراع الإنساني الممتد على طوال التاريخ البشري. أنت قريب، لا من أجل عيش هذه الصراعات والامتداد بها، بل من أجل فهم هذا التاريخ وفهم الإنسان الذي شكل مسيرة العالم.

في لحظة (أن تخلط)، أنت تذهب لتبحث عما يجعل التاريخ مرآة تريك، لا أسر يسجنك. الليل هو الظلام الذي يفصلك عن العالم، والنهار هو الضوء الذي يجمعك بالعالم.

الخلط هو جمع متعمَّد. ولحظة (أن تخلط) هي لحظة احتفاء بما يجمعك عليك. أي بما يجمع إنسانك على العالم. وهو جمع لا يصنعه وعي سابق لا إرادة لك فيه، بل يضعه وعي لحظتك التي تعيشها الآن، اللحظة التي تدرك حاجتها وضرورتها ومستجداتها. اللحظة التي منها يبدأ نهار التسامح والتعايش، وينتهي ليل الصراع.

في لحظة (أن تخلط) أنت تدرك تماماً أن ‘’الإنسان مشروط بالتاريخ’’، لكنك في الوقت ذاته، تدرك أن الإنسان ‘’لا يصير نفسه حقاً إلا بقدر ما يخترق هذه الشروط ويتخطاها’’، كما يقول أدونيس. وكما يخترق الضوء قاعدة الليل ليتخطى ظلامها إلى نهاره، كذلك لن تبدأ لحظة نهارنا إلا بقدر ما نخترق من شروط الفصل والتمييز، ونلاءم من مساحات الجمع والخلط، وإلا فليس ثمة نهار، بل ليل آخر.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11746