فراشة باسمة

فراشة باسمة

الموت

«لن يفكروا أبداً، لن يتصبروا، إنما فقط سيحترقون بالرغبة». حسن الصباح. رواية آلموت.
ليست دوافع الغضب وحدها ما يتم استثماره عند الإنسان الديني، بل الرغبة أيضاً. فكما أن خطابات الغضب «نجد تجلياتها مؤخراً في أحداث العنف الديني في مصر»، تستثمر دوافع الغضب والاعتزاز والفخر والانتقام والحسد والغيرة وتوجهها وتستخدمها، كذلك يجري استثمار الرغبة.
الرغبة في ماذا؟
الرغبة في الجنة، في معانقة الحور العين، في أنهار الخمر، في القصور الخلابة والحدائق الغنّاء، في متع الحواس ولذات الجسد، في كل ما هو محرّم أو ممنوع. الأعمال الفدائية أو الانتحارية أو الإرهابية «باختلاف محمولات مسمياتها» التي تنشط عند جماعات إسلامية هنا وهناك، ترتكز أساساً على هذا البنك. الرغبات البشرية الطبيعية التي يجري التعامل معها كمحظورات على الإنسان أن يتعالى فوقها، تستخدم نفسها للترغيب في تنفيذ تلك العمليات. لا يجري الحديث عن «الشهادة» إلا مقرونة برغبة معانقة الحور العين. خطابات الجهاد تجعل الشهادة «وسيلة» للوصول إلى الحور العين «الهدف»: «فما هي إلا لحظة واحدة وتعانق الحور العين». طرفة عين واحدة من شأنها أن تحول الحرام كلّه إلى مباح كلّه.
رواية «آلموت» لفلاديمير بارتول، واحدة من أروع الأعمال الأدبية التاريخية التي نشرت منذ العام 1937، لكنها اشتهرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. آلموت قلعة على جبل شاهق في خراسان بناها ملوك الديلم، استولى عليها عام 483هـ حسن بن الصبّاح، الزعيم الذي يجري وصفه بالداهية واشتهر بشيخ الجبل، ومنها بدأ دعوته الإسماعيلية الباطنية، وقدم نفسه نائباً للإمام المعصوم، وراح يدير عملياته التي طالت أكبر رجال الدولة السلجوقية عدوه الأول، وأرعبت الدولة العباسية. يعتقد أن حسن الصباح هو أول من أرسى أسس الفدائية.
خلال عشرين عاماً سيعمل حسن الصباح على تحويل «آلموت» ليس فقط إلى حصن حماية لا يخترق، بل إلى ما يشبه الجنة. في جانب مخفي من القلعة نكتشف حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة والقصور والجداول والأنهار والأودية التي تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، ونتعرف إلى فتيات صغيرات جميلات اشتراهن شيخ الجبل، وجعلهن يعشن كأميرات مدللات مدربات على الغناء والرقص والعزف والطاعة المطلقة لأوامره وحده. إنه بنك الرغبة. المكان الذي تستثمر فيه الرغبة وتدّخر لوقت معلوم.
وفي وجه القلعة الظاهر سيحرص ابن الصباح على اجتذاب الفتيان بين سن الثانية عشرة والعشرين، شرط أن لا يكون أي من هؤلاء الفتية قد ذاق الخمرة أو عرف النساء أو عاش أي متعة أو لذة من قبل. وسيوكل تدريبهم العسكري إلى يد قادة بارعين، ومعلمين يحفرون فيهم أصول المذهب واللغة والشعر والطاعة المطلقة له. لن يجد شيخ الجبل صعوبة في تحصيل فتية يقدمون أنفسهم بين يديه. الأتباع سيرسلون أبناءهم إلى القلعة إيماناً منهم بابن الصباح وأملاً في تحصيل الشهادة بين يديه.
سيشيع عن نفسه أن لديه مفتاح الجنة، وأنه قادر على أن ُيدخل الجنة من يشاء ساعة يشاء. بهذه الطريقة يتمكن من بسط نفوذه على أتباعه أكثر. «مكانة الناس في العالم تكون وفقاً لاستعدادهم إلى المعرفة. الأتباع كانت تطالب الأنبياء قديماً بمعجزات، وكان عليهم أن يقوموا بها إذا ما أرادوا المحافظة على نفوذهم. كلما انخفض وعي الجماعة كلما عظم حماسة من يحركها». يقول ابن الصباح. النفوذ يحتاج إلى أتباع بسطاء مؤمنين، وبقدر ما يتمكن صاحب النفوذ من تحقيق رغبات الناس «طلب المعجزات رغبة»، يكون إيمانهم به.
دخول الجنة سيكون مقصورا على من يتم اختيارهم للقيام بمهمة خاصة تتطلب تضحية بالحياة. سيدخلهم جنته لمدة ليلة واحدة. وهناك ستجد حواسهم شهقتها الأولى، ستُسلب قلوبهم وتُسحر ألبابهم ولا يعودون إلا أجساداً تنتظر أمر سيدها بالموت ليعود بها إلى جنة الرغبة. «وإذا ما اقتنع فدائيونا لدى صحوتهم بأنهم ذهبوا فعلاً إلى الفردوس، فسوف يكونون قد ذهبوا فعلاً لأنه لا يوجد أي فرق بين الجنة الحقيقية والجنة المزيفة فحيثما نكون واعين لوجودنا، نكون قد وجدنا… لن يفكروا أبداً، لن يتصبروا، إنما فقط سيحترقون بالرغبة». الرغبة هي الحقيقة الوحيدة التي صاروا يؤمنون بها ويعيشون من أجل أن يبلغوها.
هكذا سيتمكن ابن الصباح عن طريق استثمار الرغبة، من إحكام تنظيمه الحديدي، وتقديم نماذج تلقي نفسها إلى الموت بسعادة ولهفة. عندما طلب منه بعض مبعوثو السلاجقة التنازل عن آلموت والرجوع عن دعوته. اكتفى بالرد أن استدعى اثنين ممن أذاقهم جنته. أمر أحدهم أن يُلقِ بنفسه من أعلى البرج إلى الأرض، فانطلق الفتى برغبة طافحة وجذل ظاهر وارتقى البرج وقذف بنفسه إلى الأرض فتقطع جسده ميتاً. ثم التفت إلى الآخر وسأله: ألديك خنجر؟ فأجاب: نعم، فقال له: اقتل نفسك، فانتزع الفتى خنجره وغرسه في عنقه هاشاً إليه وفار دمه ثم خر صريعا، عندها قال ابن الصباح للرسل بين يديه: أبلغوا من أرسلكم أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا هذا مبلغ طاعتهم لي!!

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=59504

 

«إن ما حل بأمتنا من عقوبة إلهية بسبب بعدها عن دينها وتركها للجهاد في سبيل الله عز وجل.. فيا أصحاب الفضيلة العلماء: تعالوا قودوا أمتكم وادعوها إلى الله وارجعوا بها إلى دينها تصحيحاً للعقائد ونشراً للعلم وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وجهاداً في سبيل الله عزوجل وتحريضاً عليه «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال»… وإذا لم تستطيعوا ذلك في بلادكم فهاجروا في سبيل الله عزوجل.. والهجرة مرتبطة بالجهاد والجهاد ماض إلى يوم القيامة.. « «خطاب 1»
«سكوت الجماهير المؤمنة المعارضة سيحمل على تأييد القانون بلا ضمانات، وسيعتبر ضوءاً أخضر لتمريره، وإذا تأخر يوم المعارضة الجماهيرية الصارخة بعض الشيء، سقطت قيمة المواجهة، وهذا القانون لو مرر فلا عودة عنه إلا بالدماء الغزيرة، وقد لا تفيد الدماء» «خطاب 2»
النصان السابقان مقتطعان من نماذج خطابات اسلامية غاضبة. الأول يُظهر الله الغاضب الذي يعاقب الناس على تقصيرهم بالكوارث والأوبئة. والثاني يُظهر ما يجب أن تكون عليه الجماهير «المؤمنة» من غضب من أجل الله دائماً وأبداً. غضب «المؤمنين» يأتي على شكل تحريض على الجهاد أو على المواجهة الصارخة.
يستمد «المؤمن» غضبه من غضب الله. الله دائماً غاضب على هذه الأرض، إذ ليس يسود في هذا العالم إلا الكفر والعصيان والانحلال، وليس على وجه هذه الأرض ما يستدعي غير الغضب.
* * * *
في كتابه «الغضب والزمان» يقرأ الفيلسوف الفرنسي بيتر سلوترداك أشكال الترويض المستمر للغضب. وكيف أن الإيدلوجيات المختلفة عبر التاريخ، عملت على أن تعزز في الإنسان دوافع الغضب والاعتزاز والفخر والانتقام والحسد والغيرة والتسابق والتنافس وشوق الاعتراف ‍(1)، أي استثمار ما هو غريزي وحيواني فيه، من أجل تعزيز وجودها وفرض سيطرتها وإلغاء من يختلف معها، وهي إذ تقوم بهذا الاستثمار فإنها تعتمد على بنك الغضب. ما بنك الغضب؟
يلفتنا سلوترداك إلى أن طاقة الغضب التي في الإنسان وما يرتبط بها من دوافع أولية مثل الفخر والاعتزاز والانتقام والحسد والغيرة والتنافس، هي عرضة للاستثمار، فكما أن عقل الإنسان عرضة للاستثمار، وكما أن جسده عرضة للاتجار، كذلك قوة غضبه هي موضوع للتجارة. في بنوك الأموال تدخل رؤوس الأموال المجمّدة وغير المستخدمة ليتم تحريكها وتدويرها واستثمارها وتكثيرها. وفي بنوك الغضب تدخل مشاعر الناس وتخوفاتهم وغرائزهم وعصبياتهم واحباطاتهم ليتم تحريكها وتدويرها واستخدامها.
هناك إذن بنوك للعقول وبنوك للأموال وبنوك للأفكار، الفائدة التي نتحصل عليها من هذه البنوك هي ما تبرر وجودها، ما يعود علينا من أموال أو أفكار أو عقول يجعل هذه البنوك شرعية ومبررة وذات نفع عام. لكن ما الذي يبرر استثمار الغضب عند الإنسان؟ أليس الغضب هو ما يمثل الجانب الجاهل والغريزي الذي تحذرنا منه الأديان ونظريات التربية والأخلاق؟
التاريخ الإنساني صناعة غضبية بامتياز. القادة الذين حركوا الجماهير على مر التاريخ إنما حركوا بالأصل غضب هذه الجماهير. ينجح هؤلاء بقدر ما يتمكنوا من قيادة غضب الجماهير نحو غاياتهم وأهدافهم.
وبقدر ما يكون الغضب ذا طابع مقدس، يكون مبرراً ومشروعاً، بل مفروضاً وواجباً. الغضب باسم الإله يحضر باستمرار في النزاعات البشرية التي يقترن فيها الديني بالسياسي. يصير النزاع السياسي «الذي هو في أصله نزاع سيطرة واستيلاء وقوة ونفي للآخر» مبرراً ومقدساً باسم الغضب الديني، أي غضب الإنسان من أجل الإله. فالتاريخ الإنساني السياسي المشبع برائحة الدم، هو نفسه تاريخ الغضب باسم الإله.
* * * *
الغضب كما تقدمه نماذج الخطابات «1،2»، ليس غريزة إنسانية فقط، بل هناك غضب إلهي. هذه الخطابات التي تنتمي إلى الاسلام السياسي، تقدم الله بصورة الغاضب الدائم السخط على ما يقوم به الإنسان في الأرض. غضب الله سيستخدم قوى الطبيعة للانتقام من الإنسان على ما يأتيه من ذنوب وآثام، سيعرضه للهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير، سيعرضه للمجاعات والأمراض والأوبئة والأمراض الغريبة والمهلكة والحروب، سيهلك زرعه وحرثه ونسله، سيمنع عنه المطر والخير والحصاد، وسيزيد حرارة الأرض عبر الزمن، سيهلك أقواماً وأمماً وشعوباً، وسيبيد جماعات.
الإنسان المسلم مكلف بخلافة الله في الأرض، فهو مكلف بخلافة صورة الله الغاضبة. لهذا فهو يتماثل مع الله في غضبه فقط. الصورة التي يعرفها عن الله. المسلم يد الله الغاضبة في الأرض.
هل يليق أن يفرح المسلم في حين أن الله غاضب؟ الفرح عند هذا المسلم لا بنك له. الدنيا ليست مكاناً لاستثمار الفرح. بل هي مكان لعبور الغضب. أنت تتمثل صورة الله بقدر ما تكون غاضباً وساخطاً. لهذا ستغضب من الإنسان الآخر الذي يختلف معك وعنك، ستغضب من الغرب الذي يمثل بالنسبة لك شيطاناً منحلا أخلاقياً ومقياساً للفسق والفجور والفساد، ستغضب من الأديان الأخرى التي لا تتفق صورة إلهها مع صورة إلهك، ستغضب من المعتقدات الأخرى، من الثقافات الأخرى، من العالم، ومن الحياة نفسها.
الاسلام السياسي التي نعيش مآزقه اليوم، يشتغل برأسمال بنك الغضب. والغضب الإلهي هو أحد أهم مصادر هذا البنك. إنه رأسماله الحقيقي الذي يقنع به جمهوره كي يثقوا به ويودعوه غضبهم يتصرف فيه كيف ما يشاء. الغضب الإلهي غضب مشروع ومضمونة عاقبته. لا ينكسر هذا البنك ولا يفلس ولا يتعرض لأزمات اقتصادية. هو مأزوم دوماً وفي أزمة وجودية وتأزمه هو رأسماله.
ممثلو الله في الأرض سيمثلون حالة الغضب الإلهي. ولأنهم يد الله في الأرض، فإنهم من سيقيم العقاب على الأرض نيابة عن الله، لذا سينفذون عميات الثأر والانتقام والعقاب والقصاص، وسيفتخرون بغضبهم، وسيعترفون بما أنجزه هذا الغضب من قتل وسفك للدماء، وسيعلنون مسؤوليتهم عنه، وسيحذرون أعداءهم مما ينتظرهم من المزيد بكل فخر واعتزاز.
* * * *
على عكس الإله الغاضب الذي يغرقنا فيه الإسلام السياسي اليوم، ثمة إله باسم يداخلنا عليه الحسّ الصوفي: إله فرح محب متسع رحب متعدد كثير. من يتمثل هذا الإله، سيكون محباً رحباً متسعاً متعدداً مثله، وسيستثمر دوافع الحب والخير والسلام الموجودة في الإنسان، بدلاً من دوافع الغضب، وبعدها، قد يمكننا الحديث عن بنك السلام الإنساني، بدلاً من بنك الغضب الإسلامي.
[ (1) للتوسع في المفهوم انظر: أزمة المسلم الأخير ونهاية التدين. العادل خضر. ص 165-176.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=58343

 

فراشة باسمة

 

 

« تفحص الأوراق التي بين يديك، تملّ منها، والمسها، وشم رائحتها، وانظر كم هي ضاجة بالحركة، وكم هي مُحرقة أو باردة، وفقاً لما ضمنها صاحبها من أفكار، ولعلك إذا فعلت تنتبه إلى الحياة بين أصابعك». المقطع يصف حال الفيلسوف ابن سينا، وهو غارق في دهشة ما عثر عليه من كتابات ومخطوطات في مكتبة السامانيين الملكية.
وبالنسبة لي، الكتاب الذي لا يجعلني أنتبه إلى الحياة بين أصابعي، ولا أضج بالحركة الموجودة فيه، ولا أحترق بأفكاره، ولا يصدم برودتي، هو كتاب لا أعول عليه. استطيع أن أقول عن رواية «ابن سينا.. أو الطريق إلى أصفهان» للكاتب الفونسي جيلبرت سينويه، انها من ذلك النوع الذي ملأني بالحركة والتاريخ والسيرة والمعرفة معاً، بالنار بالنور في الوقت نفسه، وبتعقد الحالة الإنسانية، وأنها توفرت على الصدمة أو الدهشة التي تستحق القراءة والتوقف طويلاً، ربما..

 

فيم الصدمة؟
قبل أن أقرأ هذه الرواية، كانت النعوت التي أعرف من خلالها ابن سينا تنحصر في كونه فيلسوفاً إسلامياً أو طبيباً مسلماً أو عالماً فقيهاً أو شيخاً رئيساً .. الخ. تنمط صورة ابن سينا في مخيلتي. ربما لم أضعه في صورة جاهزة قبلاً، بل لم تكن معرفتي به تتجاوز تلك التعريفات العامة، لكن المؤكد أن الإطار الذي يمكن لعقلي أن يضعه فيه لن يتجاوز التالي: عمامة كبيرة على الرأس مع جلباب، لحية كثيفة، رجل شديد الجدة والصرامة، قليل الكلام والابتسام، منصرف كلياً إلى العبادة والعلم، زاهد في ملذات الجسد بكل أنواعها، عاكف على النهل من العلم وحده، محافظ على طقوس العبادة وملتزم بالأحكام والشرائع والنصوص الدينية.
الرواية كسرت هذا الإطار بالكامل، أو لأقل أنها حطمته تماماً إلى غير رجعة. صاغت نموذج ابن سينا في صورة مختلفة لا يمكن أن أضعها داخل واحد من الإطارات المشهورة أو المعترف بها، وقدمته كحالة فردية خاصة منفلتة خارج الشكل النمطي للشخصية الاسلامية كما يقدمها التراث. بدا ابن سينا غير ملتزم إلا بولعه الشديد بالمعرفة والعلم. وبعيداً عما قد يستثيره ذلك لدى البعض من تقديرات أخلاقية، وبعيداً عما هو مقبول أو غير مقبول ثقافياً ودينياً، فإني اعتقد أن هذه الصدمة كانت هي ما أعطت لشخصية ابن سينا في الرواية دهشتها الخاصة.
نعم، كان ابن سينا منكباً على العلم كما لم ينكب على شيء آخر، بدأ رحلة تلقي العلوم وحفظ القرآن وعمره لم يتجاوز العاشرة، ثم تلقى علوم الفقه والأدب والفلسفة والطب، وترك ما يقارب ال 200 مؤلف في الفلسفة والطب. يصر على أنه مسلم شيعي ولا يقبل أن يُنسب إلى غير ذلك، لكنه رغم ذلك لم يكن منكباً على العبادات والطقوس. يمارس عبادته بطريقته الخاصة. يقول «العلم والعمل في مقام الصلاة، انهما يمهّدان لنا طريق الجنة وينجياننا من متاهات الخطيئة». له وسيلته الخاصة في التقرب إلى الله، وسيلة العقل والعلم كما يقول: «دع الآخرين يقتربون من الله بكل وسائل التقوى، واقترب أنت منه بكل وسائل العقل، وستسبق الجميع». موقن أن وسيلته «العقل» ستمكنه من الفوز بسباق القُرب من الله بكل جدارة.
كلما تحيّر في مسألة أو ضاق بأمر تردد إلى بيت الله، وفي مهابة صمت الجامع صلّى وابتهل، حتى يفتح له المُغلق ويسهل المتعسر: «الله هو المرآة». يقول في سيرته التي خطها بنفسه. «إنه تجلّي الحقيقة الذي لا يفوقه تجلّ». ستدهشنا هذه العلاقة المتحررة من صيغ التقوى المعروفة، المأخوذة بالثقة والفتح والكشف.
سيغربلنا ابن سينا خلال الرواية مع تناقضاته والتباساته في تفاصيل هذه العلاقة. سنجده حين يستعصي عليه مشكل علمي لا ينفك، ينقض على إبريق الخمر الذي يرى أنه يساعد على التركيز، وإذا لم يسعفه، سوف لن يلبث أن يفترش سجادة الصلاة يسأل الله حل معضلته الفلسفية أو العلمية. إنها سبيله إلى النجاة منذ القديم. هل تعجبتم؟ نعم من هذا إلى ذاك مرة واحدة!! هكذا يروي عن نفسه.
لا يخشَ ابن سينا الجهر بشربه الخمر، ولم يؤثر ذلك على جديته أو مكانته العلمية بين علماء عصره، يروي سيرته: كنت أرجع بالليل إلى داري، واشتغل بالكتابة والقراءة، فمهما غلبني النوم، أو شعرتُ بضَعف، عدلتُ إلى شُربِ قَدح من الشراب، ريثما تعود إلي قوّتي، ثم أرجع إلى القراءة، ومهما غلبني أدنى نوم أحلمُ بتلك المسائل بأعيانها.
كذلك لم يكن ابن سينا، وهو المهموم بالعلم والفلسفة والطب، مغادراً جسده، بل كان مستجيباً لرغباته وشهواته الجسدية فيما يتعلق بعلاقته بالمرأة. ستطالعنا الرواية به يقصد ماخوراً في طريق عام، ويقيم علاقة عابرة مع إحدى المومسات. سيسبب ذلك صدمة تلميذه واستنكافه فعل شيخه: «سامحك الله ايها الرئيس، أنت سيد طالبي العلم لا شك في ذلك، لكنك أيضاً سيد طالبي اللذة في المعمور كله»، «اسمع اليك أحياناً فلا أفهمك أيها الشيخ، ويشهد الله أني لا اشعر بذلك حين تحدثني في أمور العلم»، وسيجيبه ابن سينا بغير متكلف، «لولا الخطيئة لم تكن المغفرة»، لم يكن ابن سينا يرى في ذلك ذنباً كبيراً، بل كان يراه خطيئة «للخطيئة مذاق الصلاة أحياناً.
لهذا لم أستطع تصنيف ابن سينا، لا بتصنيفاتنا العصرية المعروفة ولا بتلك التراثية المسكوكة، ولأننا اعتدنا ضمن ثقافتنا الدارجة أن نعتمد تصنيف الناس كمدخل أولي لفهمهم والتعامل معهم، فقد حاولت عبثاً أن أعثر لابن سينا على إطار يصنفه ضمن نموذج، لكن دون فائدة.
بعد انتهائي من قراءة الرواية، وقعت على مقولة لإدمون عمران المليح «وهو بالمناسبة مفكر مغربي من أصول يهودية توفي مؤخراً» يقول «من منّا لم يشعر مرة في حياته بالرغبة في أن يكون مزدوجاً، بل متغرّباً أو غريباً عن ذاته، وهي العلامة التي تدل على تعقد الشرط الإنساني»
ويبدو أن هذه المقولة كانت تحمل إجابة من نوع ما. ابن سينا كان أقرب لهذا: التغرّب كعلامة على تعقد الشرط الإنساني.
كأنه كلما كانت الحالة الإبداعية عند الإنسان أكبر، كان التغرب عنده أكبر والازدواج، وتعقد الشرط الإنساني أكبر وأكبر. لهذا كان إنسان ابن سينا منفلتاً خارج الشروط المجمع عليها، وداخل رؤيته الخاصة فقط.
تعقد الشرط الإنساني يبرز في سيرة ابن سينا وانتقالاته المتعددة والكثيرة بين موائد الملوك وبين بُسُط الفقراء. يبرز في تعقّد تكوين عائلته المكونة من أب وأخ اسماعيليين، وأم يهودية، وابن شيعي. يبرز في تعقد موقفه ضد دين أمه وأخيه وأبيه وتحرّجه منهم، في الوقت الذي يتخذ من أخص أصدقائه إلى نفسه ورفيق سفره ورحلاته مسيحياً. يبرز في علاقته بالحكام والأمراء ومحاولته الإبقاء على ذاته المستقلة رغم قربه الحميم منهم. في ما يجزل له هؤلاء من العطاء أو المطاردة. في التزامه بأعباء الطب والوزارة والتعليم والتأليف في وقت واحد. في قلة ساعات نومه، وانصراف ليله إلى الدرس والكتابة والقراءة. في اشتغاله على نفسه بالعلم دون معلم. كانت حياة ابن سينا كما قدمتها الرواية ضرباً من الاغتراب والازدواج والتعقيد، وهذا يكفي ليجعلها رواية ضاجة بالحركة التي يمكن لمسها وشمها والإحساس بمشاغبتها بين يديك.

 

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=57147

 

فراشة باسمة

(1)
مع ثلة من أصدقاء ومحبي الفلسفة، جاء احتفالنا باليوم العالمي للفلسفة في 18 نوفمبر الماضي. الاحتفال يقام للمرة الأولى في البحرين منذ أقرت اليونيسكو في 2002 الخميس الثالث من نوفمبر كل عام يوماً عالمياً للفلسفة. ميزته أنه جاء عفوياً وحميمياً ومرحاً، وبطريقة غير مُمأسسة ولا جماهيرية ولا متكلّفة ولا معقدة التنظيم، اقتصر على عدد من المشاركين والمهتمين والأصدقاء الذين تعنّوا له بشغف وتفرغوا له بحب، ما أتاح لنا الدخول في قراءات متعددة وطرح الإشكالات والتحاور حولها بطلاقة ومرونة كبيرتين.

لم يقتصر برنامج الاحتفال على النص الفلسفي الصرف «كما في فعالية قراءة نص كانط « ما الأنوار؟»، بل تداخل مع الرواية «قراءة في رواية الفيلسوف: ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان»، والسينما «مشاهدة ومناقشة فيلم الفيلسوف تولستوي: المحطة الأخيرة»، والرسم «ورشة النص الفلسفي والتشكيل»، والموسيقى «فلسفة العود عند إخوان الصفا»، وفي كل أمسية كان ثمة تعارف جديد ينتظرنا مع مهتمين جدد من حقل جديد، وكانت الفلسفة هي الجامع الذي يفتح الحقل على الآخر بسلاسةٍ وحيوية ومتعة. كان كل حقل مهيئاً للانسجام مع الآخر الذي يبدو بعيداً. ترددت مثلاً بشأن مدى تذوق الرسامين للنصوص الفلسفية، لكني تفاجأت بهم يدخلونها بمرح رشيق وبفلسفة خاصة. تلك التي جعلت النصوص تبدو فرحة باللون مزهوة بفعل الفرشاة فيها. يمكنني أن أقول أن الاحتفاء أتاح لي أن أتذوق أكثر مقولة سيوران «المعرفة هي ثمرة فوضى حميمية». الفوضى التي تجمع حقول مختلفة، وتخلق بينها بهجة كشف مشتركة، وتمازج ملون حميمي. وبالمناسبة، المقولة فتحت أيضاً شهية عدد من الفنانين المشاركين في ورشة الرسم، وصارت موضوعاً للوحاتهم وحواراتهم وضحكاتهم العابرة ليلتها. لماذا هي بالذات؟ ربما لأن الرسم، في شيء من أصله، هو فوضى أنيقة.

(2)
على رأس صفحتي الخاصة في الفيس بوك وضعت المقولة السابقة لسيوران. الكاتب الصحفي عقيل سوار ترك لي تعليقاً يستشكل الفوضى التي أحتفي بها. كتب: «السؤال كيف «نُعرِّف» الفوضى الحميمية من تلك التي أصبحت بعد سيوران «الفوضى الخلاقة» في خضم الفوضى العارمة التي تجتاحنا؟ هل من حالة العراق مثلا حيث أصبح الضحايا قتلة؟ أم مما تتوعدنا به حالتنا البحرينية؟».

في رأيي الخاص، أن ما يجري في مناطقنا في الحالة العراقية أو الحالة البحرينية لا علاقة له بفوضى الفلسفة الحميمية، بل بفوضى السياسة العنيفة، وفارق كبير بين فوضى الفلسفة وفوضى السياسة.

فالأولى، أي فوضى الفلسفة، ناتجة عن تفكيك الأطر «الثقافية والدينية والعرقية والسياسية والطائفية والقبلية والجماعاتية والمؤسساتية» التي تحكم فكر الإنسان، هي تعمل على تضييق سلطة تلك الأطر وفك هيمنتها على عقل الإنسان. ولأن التفكيك عملية تقتضي الشك والسؤال والحيرة، ولأنها تتضمن النبش والحفر والتقليب والتنقيب والكشف و«الخروج عن» و«التحرر من»، لذلك فالفلسفة فوضى بهذا المعنى. باعتبار ما تفسده من اطمئنان الإنسان ليقينياته الجاهزة التي ألقتها عليه ثقافته.
الفلسفة تطرح الإشكالات التي تُحرج سلطة الأطر وتُهد‍‍ِّد إحكامها. لا يمكن للفلسفة أن تعمل من داخل إطار. من لم يملك جرأة أن يتجاوز إطاره لا يمكن له أن يرى خارجه. الفلاسفة عبر التاريخ كان يبدأ تنويرهم الخاص بعد أن يتحرروا من سلطة إطاراتهم الفكرية والثقافية والدينية التي شكلتهم في مراحل حياتهم الأولى. ما إن يتجاوزوها حتى تبدأ إشكالاتهم الفكرية تغوص عميقاً في مآزق مجتمعاتهم. إنها إشكالات من صميم واقعهم ومن صلب ثقافتهم.

الفلسفة تقوم على جعل الإنسان يصل إلى فهمه بنوره الخاص. الفوضى هنا ناتجة عن تعدد الأفهام، والفلسفة تحتفي بهذا التعدد. لهذا فهي فوضى حميمية يكتمل بعضها بالبعض الآخر ويتداخل.

أما فوضى السياسة، فهي مختلفة تماماً، هي فوضى ناتجة عن احتكاك الأطر بعضها مع بعض، عن اصطدامها بعضها ببعض، عن اصطكاكها بعضها ببعض. السياسة فوضى القوة. من يملك القوة يتسيد ومن لا يملك يُسحل. هكذا نجد الأطر السنية تتذابح مع الأطر الشيعية في العراق مثلاً، والأطر الدينية هنا أو هناك، تتقاتل مع من يمثلون لها خصوماً دينيين.
السياسة بما هي فوضى القوى، تستنفر الأطر وتجعل الجماهير ترتهن إلى إطاراتها أكثر وأكثر. تجعلها ملتفة حول إطاراتها التي تعتقد فيها خلاصها ونجاتها وأمنها وحماية هويتها ووجودها الخاصين. السياسة تُعلي صوت الإطار «صوت الطائفة حيناً والجماعة حيناً والحزب حيناً والقبيلة حيناً والعرق حيناً والدين حيناً واللغة حيناً» وتحشد له وتصور خارجه أعداء يستهدفون الكبو بإطارنا الخاص لإعلاء أطرهم الخاصة. لذلك هي فوضى دموية عنيفة لا حميمية فيها.

(3)
يمكننا أن نفهم الفرق بين الفوضى الحميمية (الفلسفة) والفوضى العنيفة (السياسة)، بتأملنا الفرق بين دائرة الفيلسوفة هيباتيا التي كانت تشتعل بطلابها فكراً داخل مكتبة الإسكندرية في القرن الرابع الميلادي، وبين خارجها، حيث ساحة الجدل العام «أجورا»، يشتعل بها أصحاب الأطر الدينية والسياسية حرباً في الوقت نفسه «1». بين «فوضى» درس هيباتيا الذي جمع المتناقضين في دائرة يسمي بعضهم بعضاً أشقّاء، يحترم كل منهم الآخر ويتساوى به، وبين فوضى أجورا التي راحت تستعر بالمختلفين، وتحتفي بمذابحهم وتحشدهم للموت، تلك الفوضى التي سريعاً ما سيعلو صديد أوارها، وستجتاح المكتبة العظيمة، لتحرق كتبها عن آخرها، ولتحول كل شيء إلى فوضى تشبهها بلون الدم، ولتنتهي بسحل هيباتيا في شوارع أجورا، وهي حية!!

لا يمكن أن نتجاوز فوضانا العارمة ما لم نتجاوز فوضى أطرنا المستحكمة، ولن يحدث ذلك دون فلسفة تحرر أذهاننا من صيغ هذه الأطر، وتطلقنا نحو فضاء حميمي إنساني نتشارك فيه.

هامش:
(1) «نفس هيباتيا الأخير». صحيفة الوقت. العدد 1443- 2 فبراير

أعود للكتابة في صحيفة الأيام، البيت الأول الذي احتضن عدداً من أبرز الأسماء في صحافتنا اليوم، والتي بقت دائماً مكاناً أليفاً قادراً على احتضان الجديد، والمزيد. علاقتي مع صحيفة الأيام جاءت متقطعة وغير منتظمة، ربما لأن علاقتي بالكتابة كانت كذلك، وربما لأني لم أستطع بلورة ذاتي الكتابية قبل 2006م. لكن «الأيام» كانت دائماً باباً مفتوحاً، ويداً ممدودة.
هذه العودة، تعيدني إلى أجواء خاصة، تحديداً إلى 2001، حيث كل شيء في هذا الوطن ساخن وملتهب ومتحرك. السجون للتو أُفرغت من السجناء السياسيين. المنفيون والمبعدون يتقاطرون من الخارج. الميثاق يشهد تدشينه الجماهيري. الجمعيات تتشكل على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها السياسية والمهنية والاجتماعية. حرية الرأي تبلغ منطقة متقدمة وغير مسبوقة. الحوارات الساخنة تشغل الصحف والمنتديات والملتقيات. الشارع في لهفة الكلام والندوات تقام في كل مكان. كل شيء أشبه بالحلم الذي لم نعشه. هنا سأجد نفسي مدفوعة إلى الكتابة.
مقالي الأول الذي نُشر في صفحة «قضايا»، كان يحمل عنوان «فهل يغيرنا الحب؟». سؤال يقصد أن يستوقف فينا أفق التغيير الذي بدأنا نعيش ملامحه حينها، ويدعو اختلافاتنا لفتح قلبها على جامع الوطن. الكاتب سعيد الحمد الذي كان ولا يزال يحمل همّ القضايا التي تثقل كاهل هذه الصفحة، قال لي حينها ناصحاً، وباسماً: «اسمعي يا باسمة.. هذه الصفحة سياسية، وأنت تكتبين بلغة رومانسية، تخففي من رومانسيتك في الكتابة لتناسبي مزاج هذه الصفحة». الآن تغير نمط كتابتي كثيراً جداً، لكني لا أعرف هل تخلصت من (وصمتي) بالرومانسية أم لا، وفي الحقيقة لم تكن تقلقني هذه الوصمة – ما لم تكن تمثِّل وهماً ساذجاً وسطحياً – بل ربما العكس، فإذا كانت الرومانسية تحضر في مفهومنا العام على أنها حلم، والسياسة على أنها واقع، فإنه بدون الحلم يصبح الواقع غلاظة لا يمكن احتمالها ولا الاستمرار فيها.
يمكنني أن أعرِّف الرومانسية – في حدِّها غير الساذج – بأنها أنوثة تخفف من تبجُّح السياسة وواقعها الذكوري. فإذا كان الواقع يغصُّ بما تبنيه حضارات الذكورة من مآسٍ، كما في تعبير أنسي الحاج: «الرجل بنى حضارة الموت، حضارة القتل، حضارة الحرب، حضارة الغزو والنهب والاضطهاد»، فإن الأنوثة هنا (الحلم أو الرومانسية) تمثَّل اللطافة الذي تقترح وجوه أخرى محتملة للحضارة، وتمهّد لإحلالها بدل تلك المتصدّعة والعنيفة. «إحلال السلام محل العنف، واللين محل القسوة، والمتعة محل الواجب، والجمال محل الفعالية، والسحر محل السلطة» (1).
في 2001، كان أكثرنا – بنسبة 98.4%- يعيش أنوثة الحلم أو رومانسيته بدرجة أو بأخرى، قبل أن ترتد بنا ذكورة الواقع من جديد. جميعنا كنا فيما نحلم به من إحلال الواقع المُرّ بالآخر الذي لم نعشه: إحلال السلام محل العنف، واللين محل القسوة، والسحر محل السلطة، والائتلاف محل الخلاف، والتكامل محل التنابذ، والحوار محل الطرش، والإندماج محل النفور، والمساواة محل الاستئثار، والعدل محل الفساد، والوطن محل الحزب والجماعة والقبيلة والطائفة. وجميعنا لم نكن نتمنى أن نفيق من الحلم. لا أحد ينكر هنا كم سَحَرَنا هذا الحلم وكم بهرنا وكم حوّلنا وكم استفز قلوبنا ومشاعرنا وتوقيعاتنا ومواثيقنا وحِراكنا، وكم فتح شهيتنا لصفحة جديدة. هل كان يمكن أن يحدث شيء لولا أن السلطة السياسية اختارت حينها أن تدخل قلوب الناس عن طريق الحُلم؟ ولولا أن رومانسية هذا الشارع (بحدها الإيجابي) اختارت التعاطي مع هذا الحلم من أجل إحلال واقع جديد محل القديم؟!
مجموعة «أُوال» الحوارية الإلكترونية، هي إحدى تجليات الانفراج السياسي، وواحدة من المجموعات الحوارية والمنتديات التي سيّرها عطش الشارع للحوار المفتوح في ذلك الوقت، استقطبت عدداً من أبرز الصحفيين والمثقفين والكتاب والسياسيين. كان كل منهم لا يزال يحاول لملمة صيغة توافقية تبقي الحُلم في داخله وفي خارجه بمأمن من التصدّع. في هذه المجموعة شهدتُ لأول مرة الحوار بوصفه شهقة المختلفين، الرقي الذي يبقيك في احترام جميع الآراء وأنت تنصت لها من زوايا المختلفين. كانت القلوب لا تزال مساحة التقاء، والأفكار لا تزال بضة طرية (ولنسمها رومانسية أو حالمة) في مختبر حوارنا الافتراضي، نعم هكذا كانت، قبل ان يترهل كل شيء في مختبرات واقعنا الذي سنعيشه فيما بعد، وقبل أن تتشتت الأسماء، ليبرز بعضها داخل دهاليز السياسة بعنف أحياناً، ويتطرف بعضهم في رجم بعض.
وهكذا سريعاً ما يصرع الواقع الصورة الرومانسية التي نحلم بها، لكننا نظل نتمنى أن لا يغادرنا الحلم، أو لا أقل من أن يبقى فينا شيئاً منه، بعد أن يفقدنا الواقع براءتنا.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=54918

 

سألتني زميلتي (الإسلاموية): هل وجدت ثمة ما يُلفت في معرض الكتاب؟

قلت لها: لن أفيدكِ برأيي في شيء يا عزيزتي، فما أقصده أنا في معرض الكتاب يختلف عما تقصدينه أنت، أنت تقصدين دور نشر إسلاموية شيعية على نحو دار الهادي والأعلمي والمحجة البيضاء والكلمة الطيبة والولاية وأهل البيت، وأنا أقصد دور نشر فكرية ثقافية على نحو دار الساقي والجمل والمنظمة العربية للترجمة والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهما وجهتان مختلفتان تماماً. دور النشر الأولى تزرع اليقين وتثبّته، أما الثانية فتصدم اليقين وتهدِّده، فهل تراني أفيدك؟

صرخَت: لا لا.. اتركيني في يقيني، ولن أسالك عن رأيك المهدِّد مرة أخرى. ضحكنا معاً.

قبل الألفية الجديدة، لم أكن أعرف غير دور النشر الأولى، منها أستمد كل قراءاتي، وبها أصيغ يقيناتي ومفاهيمي ونظرتي إلى الحياة

والله والآخر، أما الأخرى فلم أقاربها، بل لم تكن موجودة في خارطتي الذهنية. عندما أصادفها في معرض الكتاب أرى إليها بتعالٍ وانتقاص، أنها كتب مترفة ذات عناوين معقدة وفارغة، لا تقدم ما يبصّر الإنسان بهدف دنياه وآخرته، أي قيمة يمكن أن تكون لمثل هذه الكتب. الآن، لا أجدني إلا هناك، حيث الإنسان يختبر وجوده الخاص ومفاهيمه الخاصة ورؤيته الخاصة وتجربته الخاصة، بل وجنته وناره الخاصتين.

مؤخراً أيضاً، قررت أن أقوم بجرد مكتبتي الخاصة. أخليتها تماماً تقريباً من الكتب الإسلاموية، تلك التي شكلت منطقة تديني نهاية الثمانينات وخلال التسعينات، قبل أن أغادر إلى منطقتي الأخرى الآن. هذه الكتب قرأتها بشغف ولهفة الجيل الذي عاصر تدفقها إذ ذاك: “الأربعون حديثاً”،”الآداب المعنوية للصلاة” ،”جهاد النفس” ،”أسرار الصلاة” ، وغيرها الكثير للإمام الخميني الذي بهرنا حينها بعرفانيته بقدر ما حيّرنا بسياسته. “القلب السليم”، “الذنوب الكبيرة” ،”جنة الخلد”، “الاستعاذة”،”القصص العجيبة” ،”التأمل” لـ(عبد الحسين دستغيب) الذي أخذنا حينها في ذنوبنا الكبيرة وقلبه السليم، وكتب أخرى كثيرة للمطهري ومحمد جواد مغنية وجعفر السبحاني والكوراني وحسن أبطحي وأسماء ليس يسعها المقال هنا. تبرعت بهذه الكتب كلها لمن رغب بها من الزملاء والزميلات الذين لا يزالون يبحثون عن طاعة وتسليم وامتثال ويقين يقيهم شر النار ويدخلهم الجنة. أعلنت أن لم تعد لي حاجة فيها. أبقيت لنفسي فقط القليل جداً مما له رائحة ذاكرة حميمية عندي، فقد أعود يوماً لأسترجع الذاكرة، لا النص.

استنكرت إحدى الزميلات: يعني صارت هذه الكتب (كُخّة) بالنسبة لك الآن؟

قلت: ليس هكذا، هذه كتب قرأتها بكلّي في مرحلة من مراحل حياتي، ولست أتنكر لها، بل هضمت عصارتها بشغف حينها، لكن عصيرها الآن، ما عاد يغوي ذائقتي التي تجاوزَتها، فتلك لا تزال تتحرك بين جنة ونار متعاليتين أزليتين جامدتين معدتين سلفاً، في حين، راحت ذائقتي تعيد رسم جنتها ونارها بوعي تصنعه ذاتي لحظة بلحظة، وشرابها حب هامل..

«الشاذ عن الجماعة للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب». المقولة يستدل بها أحد شيوخ الدين ضمن درس الأخلاق في إحدى الحوزات الدينية البحرينية. تأتي الدروس في أقراص مدمجة ضمن منهج حوزوي متكامل للراغبين في الدراسة منزلياً. الاستدلال يبدأ من «شيطنة» الشاذ عن صلاة الجماعة، لينسحب تلقائياً إلى «شيطنة» الشاذ عن الجماعة نفسها بما هي تكوين مجتمعي ديني في هذه الحالة. أثار هذا الاستخدام جدلاً بيني وبعض الصديقات اللاتي أتسع معهن في الاختلاف «تواظب إحداهن على تلقي هذه الدروس». يرين أن الجماعة التي تشكّلن في نظام عُرفها وتقليدها، هي قالب وجودهن الدنيوي وحصن أمانهن الأخروي، وأن الشذوذ محفوف بمخاطر الأهواء.
يرجعن إلى المنطق الشعبي السائد «قلدها عالِم واطلع سالم». يرين أنه يعصمك من الوقوع في أحابيل الشيطان والنفس والهوى وينجيك من المحاسبة. فأنت تقلِّد العالِم رقبتك في الدنيا، ليفديك برقبته في الآخرة. قالت إحداهن: ولماذا أشذّ عن جماعتي وأوجع رأسي وعقلي وأرهق فكري وأفلسف الأمور وأعقّدها «تقصدني أنا»، مادام هناك من هو أعرف وأعلم مني، ومن سيحمل الوزر عني يوم القيامة في حال أخطأه الاجتهاد؟
قلت في نبرة استفزازية متعمّدة: «الشيطان الذي سيقبلني ذاتاً مُفكِّرة، خيرٌ عندي من الجماعة التي لن تقبلني إلا غنمة».
****
منطق الجماعات يقوم على تحويلك «غنمة». لماذا غنمة بالذات؟ لأن «الحيوانات الأخرى تستطيع أن تمضي وحدها لتجد مرعاها، أما الغنم فلها صفة معروفة وهي السير خلف الراعي. فإذا أراد الانتقال بقطيعه من مكان لآخر، نادى بصوته المعروف فيتهيّأ القطيع كله ويتّجه نحوه، فيسير الراعي والخراف تتبعه كيفما اتّجه. ومن الصعب جداً أن يستطيع أحد صدّ الأغنام عن السير خلف راعيها».[1] الغنمة في خوف الذئب ما بقيت أبداً. قيل «إذا أردت أن تسيطر على أحد فأوهمه أنه خائف». ولأن الغنمة تحيا في ظل خوفها، لذلك هي لا تغادر ظل راعيها ولا تجيد السير إلا خلفه وعلى نهج خطه. فخارج هذا الخط ثمة ذئب متربص ينتظر لحمها. الأغنام غير قادرة على اختيار المرعى المناسب لها، هكذا روّضتها الطبيعة. لهذا فهي في اتباعها المطلق والمطيع والمسلّم للراعي، هو من يرعاها ويعتني بها ويقودها إلى المراعي الخضر وجداول المياه العذبة، وهو من يريحها من الحرّ في مكان ظليل، ويحميها من الذئب المتربص.
ضعف بنية جسد الغنمة وخوفها الأبدي، يفقدانها جرأة القرار، جرأة أن تشذ أو تختلف أو ترى ما يخالف رؤية الراعي. وحده منطق الغنم يحيل كل شيء إلى الراعي الذي بيده أمرها، بدءاً من طريق سيرها إلى اختيار مرعاها إلى نوع طعامها إلى حمايتها إلى تربيتها وحتى ذبحها وسلخها وقت الحاجة.
****
الجماعات لن تقبل لك/ منك أن تكون «إبلاً» مثلاً، ذلك أن الإبل هي من تقود راعيها، تسير أمامه لا خلفه كما هو حال الغنم، والراعي هو من يتبعها. لهذا يشعر راعي الإبل أنه أكثر خصوصية من غيره من الرعاة، فمن يرعى الإبل لا يعود يرغب في رعي البقر أو الأغنام.
يؤمن الراعي بقدرة الإبل على اختيار مرعاها الأفضل والأروح. تسير الإبل بوقارِ ما أودعها الراعي من ثقة؛ ممشوقة متزنة متأنية، رافعة رأسها للأعلى، فكأنها تسير بوحي الحب لا بمنطق الخوف، وفي أمان الثقة لا في قلق الشذوذ. تنزع الإبل بنفسها تطلب مرعاها، النزع في مصطلح الرعاة هو الموسم الذي تقرر فيه الإبل مغادرة مكانها بحثاً عن مرعى آخر، فيتبعها الراعي. وحين «تبرك» في مكان ما، يعرف الراعي أنها وجدت فيه ما يستحق البقاء، ستبقى الإبل ترعى فيه لشهور قبل أن تقرر الانتقال إلى مكان آخر. أينما حطّت الناقة يحطّ راعيها مسكنه، فهو في ثقتها. لهذا بنى الرسول مسجده الأول «قِباء» في المكان الذي بركت فيه ناقته بعد دخولها المدينة المنورة، فجعل من مبركها مكان صلة بين السماء والأرض، جعله مكاناً مباركاً.
لكن ليس الأمر نفسه مع الغنمة، وليس مع راعيها، فليس ينتظرها إلا الذئب إن نزعت، أو طلبت بنفسها مرعاها، هكذا يقول منطق الغنمة، وهكذا يقول لك منطق الجماعات.
****
الجماعات تحتفي بك بقدر ما تكون غنمة، وتنزعج منك بقدر ما تكون إبلاً. لا تريد منك الجماعات أن تسير في ثقة وعيك، بل تريدك مرهوناً بوعيها، أن تتمثّل وعي راعيها. الجماعة تتّهم وعيك حين ينزع باتجاه ما يراه عقلك وحاستك وفهمك ورؤيتك، وتمجِّد وعيك حين تكون غنمة منصاعة فقط. في الجماعة الوعي رديف الامتثال، ونقص الوعي رديف النزوع. وحين تنزع فإنك تصير شاذاً ينتظرك الشيطان كما الغنمة الشاذة مصيرها بطن الذئب.
تفاخر الجماعات بامتلاكها عدداً أكبر من الأغنام المنصاعين، تعتقد أن الانسجام في داخلها يتحقق بحُسن انصياع أغنامها، وأن سر قوتها تكمن في امتلاكها لقاعدة أكبر من الأغنام المنصاعة. أن تعد الجماعة لأعدائها ما استطاعت من قوة، يعني أن تتكاثر بأغنامها ما استطاعت، حتى ترهب باقي الجماعات المختلفة عنها ومعها.
****
في منطق الجماعات كما في الخطابات الدينية، يكثر الحديث عن منطق الغنمة والراعي. تسمع وتقرأ عبارات مثل: كبش الفداء، الخروف الضال، حظيرة الإسلام، الراعي الصالح، خراف المسيح. يحكم هذا المنطق الأفراد داخل هذه الجماعات وداخل التكوينات الدينية. ستكون استعارة الغنمة حقيقتهم التي يفهمون من خلالها ذواتهم. وبهذه الذات سينكرون عليك أن تشذّ عن أن تكون غنمة. سينكرون على ذاتك أن تكون «عاقلة، مفكرة، ناضجة، مدبّرة، مميِزة، مدركة، واعية» بما يكفي لأن تختار وتقرر بنفسها.
سيكون «الشاذ عن الجماعة للشيطان، والشاذ من الغنم للذئب» ميزان المفاضلة والتحذير والتخويف. فأنت إما أن تكون غنمة فتأمن، أو يتخطفك الشيطان.
هكذا تعمل هذه الخطابات على ترويض نزوعك وتحجيم اختلافك وتسميم بئر وعيك وعقلك وفكرك الخاص، فتجعل من كل اختلاف شذوذ، وكل نزوع نحو وعي آخر شذوذ، وكل فهم جديد أو رؤية جديدة شذوذ، وكل فكر يأتي من الخارج شذوذ، وكل نقد أو كشف لمأزق هذه الخطابات شذوذ، وكل شذوذ هلاك.
لست مع شذوذ متصارع متنابذ مع الجماعة، ولا متعالٍ أجوف، ولا لاهث وراء مصلحة شخصية أو منصب، ولا باحث عن شهرة، ولا ناسب إلى نفسه فضلاً أو تمييزاً أو تفوقاً. بل مع شذوذ ناضج يملك فهمه الخاص ورؤيته الخاصة وقراءته ومنطقه الخاص. شذوذ باحث، ربما يشبه نزع الإبل وهي تسير بتأنٍّ ووقار وبتحسس عميق للمكان، وهي حين تفعل ذلك فإنها ترى في المراعي كلها مساحات الله، وحين تبرك عند مرعى بعينه لفترة من الزمن، فإنها لا تلغي المراعي الأخرى ولا تسلبها حقها في أن تكون مكاناً آمناً للآخرين، فالأرض كلّها مرعى.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12780

فراشة باسمة

سأل أحدهم جلال الدين الرومي: هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة؟

قال: الصلاة أيضاً، لكن ليست هذه الصورة الظاهرة فقط، هذه «قالب» الصلاة، لأن لها بداية ونهاية، وكل شيء له بداية ونهاية يكون قالباً. التكبير بداية الصلاة، والسلام نهايتها.

****
ثمة فارق بين ما يمكن أن نسميه «قالب» الصلاة، وبين «قلب» الصلاة. الصلاة التي تبدأ بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالتسليم هي قالب الصلاة، لأنها تحدِّد وقت اتصالك وطريقته، وكل ما يُحدَّد فإنه يَحِدّ. الصلاة الأخرى التي يشير إليها ابن الرومي يتّصل منها القلب، والقلب نقيض القالب، سمي قلباً لأنه يقلِّبك في حالاته وأوضاعه وتجلياته ومكاشفاته ومعايناته ومشاهداته ومجهولاته، أما القالَب فيصبَّك فيه صبَّاً، يصبّك وفق شكله ويحدّك ببدايته ونهايته وسعته أو ضيقه.

يبدأ «قلب» صلاتك حيث ينتهي «قالب» صلاتك. حيث تغادر ضيق قالبك ومحدوديته ونهائيته، إلى سعة قلبك ولا محدوديته ولا نهائيته، هل أمسكت يوماً حدود قلبك؟! لكنك حتماً ممسك بأقصى حدود قالبك. الكثير من قوالبنا المعتمدة مجتمعياً وثقافياً، نتعلّم حدودها قبل أن نتعلّم النطق حتى، لكن للقلب دوماً شأن آخر. لا يقبل القالب إلاّ صورة واحدة فقط، هي تلك الصورة المعدّة له سلفاً، بينما يقبل القلب كل صورة. لهذا كان ابن عربي الذي حرّر قلبه من ضيق القوالب وسلطتها يقول «لقد صار قلبي قابلاً كل صورة، فمرعى لغزلان ودير رهبان، وبيت لأوثان وكعبة طائف، وألواح توراة ومصحف قرآن. أدين بدين الحب أني توجهت، ركائبه فالحب ديني وإيماني». هذا الدين (دين الحب)، لا يمكن لأصحاب القوالب أن يقبلوه، لهذا اُتُّهم ابن عربي بالكفر والزندقة والإفك والضلال ووو. القوالب تقوم على الاستثناء لا الاتساع، هي لا تتسع لدين تقوم ركائبه على الحب والتسامح والقبول والتعدد والتنوع، بل تحصر الدين في قالب واحد على جميع ركائب أهل الأرض أن يتشكّلوا وفقه.

القالب سلطة حدّ والقلب سلطة حُب وفرق بين السلطتين. سلطة القلب دائماً تُقلِق سلطة القالب وتخيفها، فتلك الأخيرة سرعان ما تكبو حين يعلو في القلب الحب، ذلك الذي يأخذك إلى حيث لا تعلم.

الرومي وعبر إجابته على سؤال: هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة؟ كان يحاول أن يخرج بسائله من أن يكون القرب من الله مجموعة من القوالب. القرب لا يتحقق عبر قوالب الشعائر والممارسات والطقوس التي تنتهي صلتها بمجرد أن تنفض سجادة صلاتك، ولا عبر بياض ثيابك التي تحرص أن ترتديها بعناية وطهارة ونظافة، بل هو قلب ينبض ببياض الله في الأرض، قلب يجعلنا نحب صورة الله البيضاء ويد الله البيضاء وقلب الله الأبيض وحضن الله الأبيض، يجعلنا نشتهي أن ندخل صورة الله كل الوقت، أن نتشبه بها قدر الطاقة. ذلك هو قلب الصلاة، وتلك هي الصلة الأبقى والأقرب والأصدق والأخشع. ليست القوالب هي من تُحضر الخشوع إلى الصلاة، بل القلب هو من يفعل.

لماذا كلّما علا في مساجدنا وجوامعنا ومحاريب صلواتنا ومزاراتنا وأماكننا المقدسة صوت الصلاة، كبا فينا صوت السلام وتقلّص منا التسامح وغاب عنا الحُب؟ لماذا من ذات المكان، وبذات القدر من ارتفاع الأصوات، وربما أرفع، تعلو أصوات العصبية والكراهية والتهديد والوعيد والزجر؟ لماذا كلما اتسعت مساحات مساجدنا (التي نسميها بيوت الله) وارتفعت مآذنها، ضاقت صدور بعضنا على بعضنا الآخر وتقولبنا في جماعات أشدّ ضيقاً وتعصباً وتطرفاً؟ لماذا كلما أمعنّا في ارتداء أثواب التدين البيضاء، غادرنا (بذات الإمعان) بياض السلام، وصرنا نحمل للآخرين الرعب بدلاً من الطمأنينة، والخوف بدلاً من الأمان والاحتواء؟ أليست الطمأنينة والأمان والاحتواء هو نبض الله فينا؟

****

«أسامة»، فيلم أفغاني يروي حوادث قصة حقيقية في الحكم الطالباني لأفغانستان. في هذا الفيلم لن ترى غير الرعب في عيون الفتاة (12 عاماً) التي لن نعرف اسمها؛ سنعرفها فيما بعد باسم الصبي (أسامة). الطالبانيون يمنعون المرأة من كشف وجهها أو الخروج إلى العمل أو حتى مغادرة المنزل بلا محرم مهما دعت الضرورة، سيكون الإعدام رمياً بالرصاص في ساحة عامة، هو عقاب من تتجرأ على التمرد. والدة أسامة أرملة فقدت زوجها وعمّها في حرب السوفييت مثلها مثل عدد كبير من النساء، فقدت عملها كممرضة بعد أن أغلق رجال طالبان المستشفى الذي تعمل فيه، اضطرت بعد أن أعيتها الطرق إلى قطع ظفائر ابنتها التي لم تبرز معالم أنوثتها بعد، ودفعها للعمل في السوق كصبي لتحصيل ما يمكن أن يسد رمق حاجتهم اليومية.

ستعيش هذه الفتاة رعباً لن يكفّ عن أن يلمع في عينيها ويرجف على شفتيها طوال وجودها خارج المنزل، لن يهدأ رعبها حتى وهي في حضن جدتها التي ستبقى تهدهد روعها بحكايات قبل النوم. سريعاً ما سيأخذ الطالبانيون أسامة من دون إذن أهلها مع بقية الصبية لتهيئتهم وتدريبهم عسكرياً، وستكون أحكام الوضوء والطهارة والغسل والصلاة وقراءة القرآن هي الدروس التي سيتلقاها الصبية هناك. شيخ الدين السبعيني المكلّف بتعليم الصبية، سيهتم أن يقوم بنفسه بالاغتسال (جزئياً وارتماسياً) أمام الصبية، وسيهتم أن يراهم يطبقون الغسل واحداً واحداً ليتأكد من إتقانهم لـ «قالب» الغسل الذي علّمهم إياه. الصبية سيحولون القوالب التي يتعلمونها إلى متعة بريئة قبل أن تقولبهم كباراً. أما أسامة فسرعان ما ستنكشف حقيقتها بعد أن تبدأ أولى علامات أنوثتها بالبروز (الدورة الشهرية)، وسيتم جرها إلى ساحة الموت مع باقي النسوة اللاتي تجرأن على مخالفة «قالب» طالبان. الشيخ السبعيني سينقذ أسامة من حكم الموت الذي ينتظرها، سيفعل ذلك لا من أجل أن يحررها، بل ليتزوجها. وضمن طقس أشدّ جنائزية من الموت، ستقوم زوجاته الثلاث بتهيئة أسامة وتزيينها ليدخل عليها من دون اكتراث ببكائها الطفولي الذي لم يكفّ ينادي أمها. الأم التي لا تعلم عن ابنتها شيئاً. سينتهي الفيلم بالشيخ يغتسل مرتمساً في مغطس مجهز له خارج الغرفة!

هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة؟
كيف يمكن أن تكون قوالب الصلاة والغسل وقراءة القرآن قُرباً، مادامت لا تغسل ولا تطهّر ولا تنظّف إلا قالب الجسد فقط؟ كيف تكون قُرباً مادامت تُنجز كل هذا الرعب والفرض والمنع والقمع والفتك والبشاعة والاغتصاب والقتل الرمزي والحقيقي؟

****
أيتها الصلاة التي لا قلب لكِ: لتذهبي إلى الجحيم..
لا نريد قرباً من إله تشغله القوالب، بل نريد إلهاً يحتفي بالقلوب، التي هي ميزة الإنسان.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12732

فراشة باسمة

«عزيزاتي.. أعزائي.. أحببت مشاركتكم تشخيص مرضي الذي ظهرت نتائجه في الأربع وعشرين ساعة الماضية، تبين أني مصاب بسرطان الغدد اللمفاوية، وأنا بصدد عمل إجراءات للتأكد من التشخيص، ووضع خطة للعلاج في أحد المراكز المتخصصة في مثل هذه السراطانات. قررت وعقدت العزم على محاربة هذا المرض الخبيث وسأنتصر عليه».
أُرسلت هذه الرسالة على مجموعة دروب الحوارية بتاريخ 19 يناير .2010
بعد أربعة أيام فقط، يكتب الطبيب نبيل تمّام على صدر صفحته على موقع الـ «فيس بوك»:
«في 22 يناير/ كانون الثاني 2009 استقبلني الناس في المطار بعد رجوعي من غزة التي تقاوم السرطان الصهيوني، وانتصرت غزة، وفي 22 يناير/ كانون الثاني هذا العام، ودّعني الناس لذهابي لمقاومة السرطان المرضي، وسأنتصر عليه».
كان ذلك صباح اليوم التالي لمغادرته البحرين نحو أحد المراكز المتخصصة في أميركا للتأكد من التشخيص وبدء جلسات العلاج.
في يوم واحد من ظهور نتيجته التي فاجأت الجميع بمن فيهم هو، يقرِّر تمّام إعلان مرضه الذي أُخبر أنه في مرحلته الثالثة، وبالقدر نفسه من سرعة الإعلان، يقرِّر أنه سينتصر. قراران هما أصعب ما يواجه من يمر بهذه التجربة، تلك التي تستهلك الكثير من انهيار صاحبها، قبل أن يستوعبها، وقبل أن يتمالك نفسه تجاهها. لكن تمّام يقرِّر أن يبدأ بالأصعب، أن يسبق المرض بإعلان الحرب عليه، أن يبادره بحرب نفسية تتحدى استعلاءه الذي طالما هزم أذهان المصابين قبل أجسادهم. يعرف تمّام جيداً أن الانتصار ليس خارجك بل فيك، وكذلك الهزيمة. لهذا سيعلن، لا للناس فقط، بل للمرض أولاً، أنه هو الأقوى وأنه هو من سينتصر، إعلان المرض قبل بدء تلقي العلاج نصف الهزيمة، وقرار الانتصار هو النصف الآخر للهزيمة.
قبل حوالي العام، كان نبيل تمّام ضيفنا في سوق الجنة [1]، يحدثنا عن مشاركته ضمن لجنة علاج جرحى غزة، تضم أطباء من كل العالم، يروي لنا رحلته القاسية والمؤلمة مع زميله علي العكري، لتوصيل المعونات المالية إلى غزة المحاصرة بسرطان الغزو الصهيوني، والاطلاع على الأوضاع والحاجات الماسة من أجهزة وأدوية ومؤن. لم يعد الطبيبان البحرينيان للوطن إلا بعد أن توقف العدوان على جسد غزة، ذلك الجسد الذي بقى منتصراً على الموت، رغم كل ما جرّعه له سرطان العدوان من نسف مدمّر شبه كامل. في مطار العودة، كان جمهور غزة البحريني، يستقبلهما بهتافات العزّة، وبأكاليل وردها المحمولة بالفخر.
قبل فترة قصيرة من تاريخ إعلان المرض وجوده غير المحمود داخل جسد تمّام، كان هو هناك مرة أخرى، عند أطراف غزة، يشارك حملة شعبية تناهض إقامة جدار العزل الفولاذي، ومن هناك، كان الـ«فيس بوك» وسيلته ليصلنا معه بكل ما يحدث، ساعة بساعة، وحدثاً بحدث، ثم ليبقى، حتى بعد مغادرته غزة، ينقل لنا ما لا يغادره من غزّة.
سيبقى تمّام مستمراً في بثّه المقاوم، لكن هذه المرة لا عن سرطان غزة، بل عن سرطان مرضه. سيبث أخبار علاجه بالقوة نفسها وبالمقاومة نفسها وبالشجاعة نفسها، فكلا السرطانين واحد، لا فرق بين ما يتغلغل في جسد وطن وما يتغلغل في جسد إنسان، طالما أنه وجود دخيل وغير مشروع، ستبقى مقاومته عزّة، ومحاربته نضال، والاستسلام له خضوع، والانهزام أمامه موت.
كل ما يباغتك/ يقتحمك/ ينتشر فيك، لينشئ كيانه على حساب كيانك الخاص، ليحيا على موتك، هو سرطان يجب استئصاله بلا ضعف وبلا خوف وبلا تردد. الانتصار هنا لن يصبح خياراً بل قرار، وحين تعلن قرار الانتصار، فإنك ستُباغِت بدلاً من أن تُباغَت.
يعود تمّام إلى البحرين في 12 فبراير/ شباط لمواصلة علاجه الذي بدأه في أميركا. أذهب لزيارته وزوجته في بيتهما في ”مقابة”. هي المرة الأولى التي أقابله وجهاً لوجه خارج جسد العالم الافتراضي. سأجد رجلاً مفعماً بحركته الرشيقة ومرحه وعفويته فيما يشبه السخرية من رهب المرض، سوف يداعب الجميع بروحه المرحة بعفوية تلقائية، سيقول للنساء اللاتي يأتين للسلام عليه: اعذرنني لأنني ممنوع من التقبيل. سيضحك الجميع. سيمازح زوجته جميلة عندما كان يتلقى العلاج هناك: تعالي لتري جسدي مشعاً كلّه. وأنت قبل أن تبادره بمواساتك الركيكة المرتبكة، سيبادرك هو بشحنك بتجارب من سبقوه إلى الانتصار، سيروي لك عن الاتصالات التي أتته ممن لا يعرف، من أميركا وأماكن أخرى حول العالم، تروي له تجاربها الناجحة مع المرض، عن المراسلات الالكترونية، وعن الكثيرين الذين تعرّف بهم في صفحة الـ«فيس بوك» في تلك الفترة القصيرة من حياته. ستجد أنك أنت من يستمد منه طاقة الحياة، أنك أنت من في حاجة لإشعاعاته تداخل جسدك المعتم، أنك أنت من في حاجة أن تتعلّم كيف ينتصر الإنسان ابتداءً. أن ينتصر قبل أن يعرف إلى أين تسير به المعركة الشرسة التي يدّخرها له الزمن، وقبل أن يعطيه خارجه «علاجه» شيئاً من علامات الانتصار..
أيها النبيل تمام..

لا شك أنك أنت المنتصر..

لمشاهدة المقال والتلعيقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12684

فراشة باسمة

 

لم أملك دموعي وأنا أشاهد المقطع الأخير من فيلم «أجورا» (المعروض حالياً على شاشات السينما)، رغم تخفيف مخرج الفيلم للقتل المتوحش الذي أنهى حياة الفيلسوفة والفلكية وعالمة الرياضيات هيباتيا (370 – 415م). في هذا المقطع الأخير، يتم جر هيباتيا وضربها وركلها وتعريتها بالكامل، ونعتها بالكافرة والفاجرة والساحرة من قبل متطرفين دينيين مسيحيين هائجين، وفيما يستعد هؤلاء لإحضار حجارة الرجم، يدخل عبدها الذي أعتقته، يخنق نَفَسها بيده، لينجيها الشعور بما سيقع عليها بعد لحظات. أقول إن المخرج خفف بشاعة القتل؛ لأن الروايات التاريخية تقول إن هيباتيا تعرضت إلى الرجم والسحل والحرق وهي حيّة، لم تلفظ بعد أنفاسها الأخيرة. لم يكفِ هذا التخفيف ليمنع دمعة ساخنة أن تخرج، وأن تطلق سؤالاً ساخناً، أظنه يائساً هو الآخر، تماماً كما كانت نظرة هيباشيا في لحظتها الأخيرة: هل الإنسان متوحش بطبعه أم أن التوحش دخيل عليه؟ بمعنى هل ولعه بالقتل وسفك الدماء سابق لتعصباته الدينية والعرقية والسياسية والفكرية، أم أن هذه التعصبات هي ما يتوحش به؟! وهل الشعار الذي كان يرفعه المسيحيون يومها «باسم الرب سوف نطهر أرض الرب» هو حجتهم حينها للتوحش، أم هي ذريعتهم؟!
* * * * *
هنا، في هدوء العالِم، كانت هيباتيا تُفلسفُ العالَم، تحاول فهم العلاقة بين الشمس والكواكب الدائرة حولها، الوصول إلى قانون ينظم هذه العلاقة بما يستوعب جميع الكواكب في السماء. وهناك، في صخب الواقع، كان المتصارعون الدينيون يشعلون الإسكندرية حرقاً في علاقة اهتياجية ومضطرمة. كان أفق هيباتيا يحركه العالم الذي يحتضن أنفاس كل الناس، وكان أفق رجالات الإسكندرية يحركه العالم الذي لا يستوعب إلا النفس الواحد. لهذا كانت هيباتيا تكتم أنفاسها عن الدخول في انحيازات الأرض الصاخبة، وتطلقها نحو حياد السماء الهادئ والرزين.
أن تكون هادئاً في وسط صاخب، لا يعني أن تكون غير مكترثٍ بما يدور حولك، بل أنْ ترفض الانجراف خلف سلطة الصخب. هل قلت إن الصخب سلطة؟ تقود السلطة وعيك وإرادتك، أو تقودك من دون وعيك ومن دون إرادتك أحياناً أخرى. الصخب سلطة لأنه قادر أن يسلبك هدوء نفسك، أن يمنع صوت عقلك من الوصول إلى أذنيك، أن يقودك إلى أن تكون جزءاً منه، يفقدك عقلك واتزانك ووعيك، يجعلك غيرك. أحدٌ لا تعرفه: متوحش قاسٍ مهتاج. سريعاً ما ستدرك بعد أن ينتهي منك الهياج، أنك ما كنت لتكون ذاك الآخر، لولا أن الأمور سارت على النحو الهياجي الذي قادتك إليه. هكذا سينجرف والد هيباتيا الرياضي الفيثاغوري السكندري (ثيون)، غير ذات مرة، إلى ما سيندم عليه لاحقاً، مما لم يكن ليأتيه، لولا سلطة الصخب، ذلك الانجراف الذي تختلط فيه الأصوات، وتتداخل المشاعر، وتهتاج الانحيازات والتحاملات والعصبيات. حين يعلو صوت الصخب، ستجد نفسك رهينة مشاعرك البدائية المتمثلة في الغضب والهياج والحماسة، وستنجر حتماً لجماعتك التي تنتمي إليها بالفطرة (لا بالاختيار ولا بالعقل).
* * * * *
لم تعد ساحة «أجورا» ميداناً عاماً مفتوحاً على جدل المتخالفين، بل صارت ميداناً مفتوحاً على تناحر أصحاب العقائد من المسيحيين والوثنيين واليهود. لهذا كانت هيباتيا تجاهد أن تأمن بنفسها وتلاميذها عن الوقوع في هاوية التعصبات العقائدية، تلك التي لم ينجُ منها أحد. وفي درسها الذي يجمع المتناقضين والمتخالفين عقائدياً، لم تسمح بالاحتكام إلا إلى الاحترام الذي يجب أن يبقى أصلاً بين الأشقاء، كان درسها يرفض الصخب بقدر ما يحتفي بالاختلاف. الاختلاف يجعلك متساوياً مع الآخرين، لكن الصخب يعميك.
تسميهم الأشقاء؛ تلاميذها الذين يتحلقون في دائرة درسها[1]. تعلمهم أن الثابت بينهم هو تلك العلاقة الرياضية التي تتساوى بالجميع «إذا كان الأول يساوي الثاني، والثاني يساوي الثالث، فالنتيجة أن الأول يساوي الثالث». الجميع متساوٍ إذاً في دائرة درس هيباتيا، بمن فيهم هيباتيا نفسها. كانت هيباتيا تحلّق بطلابها خارج دائرة خلافاتهم العقائدية، تثير شهوتهم إلى الدوران (متساوين) حول الشمس بما يشبه الكواكب. في هذه القاعة فقط، سيبدو كل شيء مثالياً وهادئاً. ستصرّ هيباتيا على دافوس أن يعرض على تلاميذها مجسم طاليس الذي صنعه بيده من خلال فهمه لدروسها. لم يكن دافوس تلميذاً، بل عبدها الذي ينصت لدروسها عاشقاً ومتلهفاً.
خارج هذه القاعة، حيث ساحة «أجوراً» العامة، تأخذ الأمور منحى آخر. إنه المنحى النقيض تماماً. لا أحد يقبل أن يتساوى مع أحد. الجميع يريد أن يكون الأول الذي لا يساويه أحد. أنت تطلب المساواة مادمت ضعيفاً، لكنك ما إن تملك القوة، حتى تمسح الآخرين مسحاً لتساوي نفسك فقط.
* * * * *


ذنب هيباتيا أنها أتت في عصر بدأ فيه العقل الفلسفي يضمحل لصالح العقل الإيماني. ستصير الفلسفة كفراً وتهديداً للدين، وتصير هرطقة، بل مصدر للهرطقات كافة كما يقول طرابيشي في كتابه «مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام»، فـ «وراء كل هرطوقي فيلسوف».
في هذا العصر (منتصف القرن الرابع الميلادي)، كفّت المسيحية أن تكون ديانة مضطهدة لتغدو ديانة دولة[2]. ولكي نكون منصفين (كما حاول الفيلم أن يفعل)، فإن مثقفي العالم الوثني أيضاً لم يكونوا قد قابلوا المسيحية بغير الازدراء، بوصفها ديانة بربرية موجهة إلى أناس بلا ثقافة. وهو ما كانت هيباتيا تقاومه وترفضه وسط ثقافتها الوثنية، وهو ما جرّ عليها غضب بعض الكبراء لولا تدخل تلاميذها لحمايتها.
حين صارت المسيحية دين دولة، تحوّل أتباعها من أقلية مضطهدة إلى أكثرية سلطة. ولأن الاضطهاد حين يتحول إلى قوة، يمارس الآليات نفسها التي مورست ضده عندما كان ضعفاً، فقد راح المسيحيون يكررون آليات الاضطهاد نفسها على أهل الاعتقادات الدينية السابقة من وثنيين ويهود. يمارسون ما يسمونه تطهير الأرض من الوثنيين واليهود. من هنا جاء حرق مكتبة الإسكندرية وبما فيها من بحوث علمية ووثائق وخرائط. حُرقت كلها بدعوى انتمائها للتراث الوثني. صارت الفلسفة تعادل كلمة الكفر، كما أصبح نعت أحدهم بأنه يوناني يعادل وسمه بأنه وثني. وهكذا وصمت هيباتيا أنها وثنية كافرة عاهرة وساحرة.
وسط هذا العنف الديني، كانت هيباتيا تحاول أن تحافظ على هدوء دائرة درسها، لكن الصخب سرعان ما يجرف معه كل شيء. نجح الصخب أن يقتلع تلاميذها عن دائرتها، وأن يلقي بهم في هاوية أجورا. تتفرق بهم المصالح والاعتقادات والتطرفات. في الصخب أنت مائة ما لم تكن جزء منه. سيخنق الصخب نَفَس هيباتيا الأخير ليخنق معه عصر الحضارة الهيلينية ولتبدأ عصور الظلام. حتى لحظتها الأخيرة، ستحتفظ هيباتيا بهدوئها وإصرارها أن تكون ذاتها فقط. لن تذعن لاعتراف كاذب تجرّها نحوه سلطة الصخب. ولن تقدِّم اعتراف خائف ينجيها من الموت: «أنا فيلسوفة، أؤمن بالفلسفة» ستقول معرّفة بإيمانها. ستسلّم هيباتيا نَفَسها إلى قتل تحمل شرفه ويحمل التاريخ عاره. وسترمق حياد السماء، قبل أن يغيب نفسها الأخير، بنظرة أخيرة، تسألها عن قُبحٍ يؤتى على الأرض باسمها.
[1] انظر علي أحمد الديري: دائرة هيباتيا. الوقت 27 يناير/ كانون الثاني.
[2] جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام.