فراشة باسمة

فراشة باسمة

defbook

“100 عام من العزلة”، الرواية الأشهر للاستثنائي الراحل حديثاً غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014)، كتبها في المكسيك عام 1965 وطبعت بعد عامين. يروي فيها حكاية عائلة تعيش في مكان معزول في أمريكا اللاتينية، تكاثرت على مدى 6 أجيال لمدة 10 عقود حتى صارت قرية كاملة تنتشر فيها الخرفات والخوارق والمعجزات، فحيثما وجدت العزلة وجد كل ذلك.

حتى ذلك الوقت، كانت “ظفار” الواقعة جنوب عمان، تعيش عزلتها عن العالم جيلاً وراء جيل، أريد لهذه المنطقة التي اتخذها الحكم عاصمة له وأدارها مثل إقطاعية خاصة، أن تكون معزولة وسط ثالوث الجهل والمرض والفقر، وأن يتربع الخوف عازلاً أكبر يحيل دون أية مواجهة أو رفض للاستبداد.

في 1965، أي في العام نفسه الذي ألّف ماركيز روايته (100 عام من العزلة)، كانت ظفار قد قرّرت أن تخرج على خوفها وعزلتها القسرية مهما كلّف الثمن. في التاسع من يونيو/ حزيران أعلنت ”جبهة تحرير ظفار” الكفاح المسلَّح رسمياً ضد الحكم الذي استرسل في غلق بوابة عمان عن كل العالم، وجعلها تتكاثر جيلاً بعد جيل وسط الجهل والفقر والمرض والخوف. لم تنجح الثورة في تحقيق هدفها العسكري في تحرير ظفار، وتم وأد الحلم كاملاً في منتصف السبعينات، لكن رغم ذلك، فإن هذه الثورة (بكل ما لها وعليها)، كانت البوابة التي أخرجت ظفار من بدائيتها وظلامها المطبق، وشكّلت بداية انفتاحها على العالم والتعليم والصحة.

ما علاقة كل ما سبق بالكاتب الروائي العماني أحمد الزبيدي (مواليد 1945)؟

“69 عاماً من العزلة” هي عمر الزبيدي وخلاصة تجربته كما أراها، فبينه والعزلة علاقة شائكة ومتوترة. كل شيء في حياة الزبيدي قادم من العزلة أو مهدّد بها. لعبت العزلة دورها في حياته منذ ساعة ولادته، وفي المقابل، لعب الزبيدي دوره في التمرد عليها طوال حياته، وأحياناً اختارها كموقف.

الزبيدي هو ابن ظفار، مولود في تيه عزلتها الأولى، وابن تاريخها العصي الذي تمردّت فيه على عزلتها المفروضة عليها. عاصر أحداثها الملتهبة بكل تداعياتها المعقّدة والملتبسة، قبل أن تُلجم الثورة، ويُلجم الكلام، ويصير تاريخاً ممنوعاً من التداول، وممنوعاً من الخوض فيه أو توثيقه أو حفظه، أي قبل أن تتحوّل ثورة ظفار إلى تاريخ معزول أيضاً. أقرأ المزيد

فراشة باسمة

basmsalman

قالت لي إحدى صديقاتي العلمانيات ذات مرة: “علي سلمان (زين)، بس لو ما كانت عليه عمامة”!

قالت ذلك مسكونة بهواجسها تجاه الاسلاميين السياسيين.

قلت لها، ولو لم يكن علي سلمان يرتدي العمامة سوف يأتي من يقول: “علي سلمان (زين)، بس لو كان ليبرالياً لا إسلامياً”، ولو كان ليبرالياً سيقال: “علي سلمان (زين)، بس لو كان من أصل سني لا شيعي كي لا يكون طائفياً”، ولو كان سني سيقال: “علي سلمان (زين)، بس لو لم يكن مختطفاً من قبل جماعة (الولي الفقيه) كما قيل عن المناضل الليبرالي السني ابراهيم شريف”. هذه الـ(بس) لن تكون الأخيرة، طالما أننا نبحث عن الـ(بس) التي تفرقنا لا الـ(زين) الذي يجمعنا.

كان لقائي الأول بالشيخ علي سلمان، وربما الوحيد، قبل 8 سنوات من الآن، في نوفمبر 2006، كنت أعمل في صحيفة الوقت، تفصلنا عن الانتخابات النيابية أيام، وأنا ذاهبة لكتابة بروفايل عنه ورأسي عامر بالتساؤلات والهواجس والبس بسات، فالعمامة كانت هاجس لي أيضاً، بعض تساؤلاتي متعلّق بمدى انفتاحه الشخصي الذي يعنيني كثيراً جسّه خصوصاً كون محاورته امرأة، والثاني يتعلّق بمحاولة فهمي لتركيبة الحار والبارد في هذه الشخصيته، كيف يجتمع الحار (السياسة) والبارد (الهدوء حد الاخفات) في هذه الشخصية؟ لقد نشرت تفاصيل لقائي به في بروفايل عنوانه: “الشيخ علي سلمان: مخفت جهر به سؤال الانقياد”. لا زلت حتى اليوم أحب هذا البروفايل وأعتز به. لكن ما لم أكتبه حينها، أنني عندما خرجت من لقائي به شعرت بتدفق شخصيته في داخلي، وامتزجت أريحيته الداخلية بمشاعري لأيام. قلت لأصدقائي البروفايليين بعدها على نحو واثق: “لقد أحببت هذا الرجل”. قلتها بدون (بس) رغم اختلافي مع مرجعيته الفكرية؛ شقّها الانقيادي خصوصاً.

ليس من السهل أن لا تحب الشيخ علي سلمان إذا عرفته، ما لم تكن خصماً (إنسانياً) له. لديه من الأريحية الشخصية، والانفتاح غير المتكلّف، والهدوء الداخلي، والصدق، والحب، والإخلاص للموقف، ما يجعلك تحترمه بدرجة كبيرة، إن لم تحبّه.

بعد أحداث 2011، وفي فترة الطوارئ صار الجميع أمام مكارثية التطهير، أمام نضح خطابات الكراهية، أمام حمّى الطائفية المستعرة، الغليان الذي بلغ مداه الأقصى، والتشطير المجتمعي والتجريم والتخوين وكل ما يوشك بالشارع إلى انفجار محتّم. وسط هذا الوضع المؤجَّج كان صوت علي سلمان يقاتل من أجل تحصين الشارع ضد اثنتين: الوقوع في دوامات العنف بكل أشكالها، والوقوع في دوامات الكراهية مع شركاء الوطن. أقول قاتل من أجل ذلك، لأن الانفجار كان وشيكاً جداً، ومعطياته كانت في أوج قوتها. ظلّ صوت علي سلمان (حاراً وقوياً) حين يوجهه ناحية مطالب الشعب السياسية العادلة والمشروعة، و(هادئاً حنوناً) حين يوجهه ناصحاً محباً إلى شركاء الوطن. لقد كان لهذا الصوت قوّته في تحصين الشارع المثخن بالجراح، من الانفلات في ردود فعل أريد له أن يقع في فخّها. حافظ صوت سلمان على موقفه الثابت 4 سنوات كاملة، لم ينحرف عنه يوماً تحت أي ضغط أو ردة فعل.

في هذه السنوات الأخيرة، رأيت الفرق بين (عمامة) شيخ علي سلمان، وهي تحصّن اتباعها ضد الكراهية والطائفية والعنف، مقابل (بعضٌ كثير) ممن كنا نراهم مثقفين وعلمانيين وليبراليين لا زالوا ينفثون دخاناً طائفياً بغيضاً ويشبعون المجتمع انقساماً وكراهية مرضيين. لهذا أقف اليوم هنا لأقول، أنا مع الشيخ علي سلمان (الزين) في موقفه السياسي والوطني والأخلاقي، وبدون (بس).

* مداخلتي ضمن الوقفة التضامنية مع الشيخ علي سلمان في جمعية الوفاق/ الجمعة 16 يناير 2015

فراشة باسمة
عدسة المصور عبدالله الستراوي

الوسط – جعفر الجمري

مذ «كالتي هربت بعينيها: جماعة الأمر وتشكُّل الذات المُغْلقة»، والتعلّق بالشفيف مما بعد عنوان «أثر الفراشة» لم نلمس أثر هروب فيما كتبتْ… فيما قرأنا. ثمة مباشرة في الموقف… اللغة لم تكن كذلك. كانت أنيقة في مكرها. هل ثمة مكر أنيق وآخر على الضد؟ ستقف على بعض ملامح ذلك ليس بعد قراءة «أثر الفراشة»، بل في الانشداد إلى إعادة قراءتها، وقليلة هي النصوص التي تغريك بذلك. لم يكُ يسيراً النفاذ إلى ما يقترب من يوميات بعمر دهر تلك التي كتبتها. باسمة القصاب بعد ما عنونته بـ «الهروب» الأول… ثمة تحولات لا مجال للهروب منها في لحظات مفصلية تعني أمة بأسْرها ووجوداً. قالت في لقاء «الوسط» معها ضمن حوار تناول موقع وموقف المثقف ضمن الحالة البحرينية بعد الأحداث والتحولات التي مرت بها قبل سنوات ثلاث: «المكر يجعل الكتابة أكثر إثارة وتحريضاً». كان للوشاية مساحة في التناول والتوصيف أيضاً. تحدّثت عن «الصحون» وأنماط الثقافة التي تُقدم من خلالها. الأنثروبولوجيون كانوا حاضرين في جانب من ذلك التناول. القصاب اسم فاعل في المشهد الثقافي لا يمكن تجاوزه، إلى تفاصيل الحوار:

 

سأبدأ من «أثر الفراشة» هل ثمة أثر لذلك الأثر بعد كل تلك السنوات؟

– «أثر الفراشة لا يزول» كما قال محمود درويش. نحن نتجاوز التجربة لكن يبقى الأثر في داخلنا إما أن يلهمنا أو يقوّضنا. أثر التجربة (الفردية/ الآنية) التي يعيشها أحدنا تصير فيما بعد مفتاحاً لرؤيته الخاصة لما هو أبعد وأكبر.

بالنسبة لي أعتبر أثر فراشتي (تجربتي) ملهماً. لاتزال تجربة تشكيلي كفرد داخل جماعة دينية صغيرة مغلقة (السفارة)، تغريني لقراءة ما هو أبعد؛ تشكيل الأفراد داخل الجماعات الكبيرة (العرق/ الدّين/ المذهب/ الطائفة/ الحزب). الصراعات والحروب التي نعيشها حولنا هي نتاج التكوينات المجتمعية التي تنتجها هذه الجماعات والثقافة التي ترسّخها في أذهان وسلوك أفرادها تجاه أنفسهم والآخر. الثقافة كلّها موضوع الأثر الذي لا يزول. ألم تُعرّف الثقافة بأنها «ما يبقى فينا بعد أن ننسى كل شيء». الثقافة هي الأثر. والأثر الذي لا يلهمنا يقوّضنا، وذلك موضوع شائك آخر.

 

اللغة التي كتب بها «أثر الفراشة» كانت بارعة في مكرها. لغة قالت الكثير بالنسبة إلى كثيرين. كثيرون أيضاً شعروا بهروب من خلالها. هل نحتاج إلى ذلك المكر والهروب؟

– الكتابة تتجلّى بالمكر. المكر يجعلها أكثر إثارة وأكثر تحريضاً على السؤال والتفكير والتأويل أيضاً. الكتابة التي تقول كل شيء لا تترك للقارئ ما يثيره ليفكّر فيه أو يبحث عنه. اللغة الماكرة استفزاز واعٍ. أعترف أنني كنت أمارس في كتابي «كالتي هربت بعينيها» مكراً وهروباً واعيين. لقد قلت تماماً ما أردت قوله عن تجربتي الجمعية، وما أردت قوله عن تحوّلي الفكري الذي كان سبب مغادرتي الجماعة وهروبي بعيني لأرى. نعم لقد هربت من إعطاء إجابات من تلك التي كانت الناس تريدها مني. أعتقد أن كتابي أثار من الأسئلة أكثر مما أعطى من إجابات. كنت أحاول أن أجعل القارئ يتلفّت معي للأثر البعيد لتجربتي، أن يقرأ بعينين هاربتين، لا بعينين ساكنتين.

هل نحتاج إلى كل ذلك المكر والهروب؟ في رأيي نعم، وخاصة حين يتعلّق الأمر بتحول فكري في مجتمع ديني، وحين تكون صاحبة التجربة امرأة.

 

بعد تلك التجربة والخروج من تلك الدائرة، هل كنت تتوقعين أن تشهدي صوراً وجوانب من «أثر الوشاية والمكر» مع الأحداث التي مرت بها البلاد؟

– في الحقيقة لم يفاجئني «أثر الشحن الطائفي» الذي تم توظيفه لضرب الحركة الاحتجاجية الشعبية عن طريق ضرب مكوّنات المجتمع ببعضها، فتلك حيلة معروفة ومتوقعة، لكن بالفعل صدمني ما شهدناه من (أثر الوشاية)، فتلك مشكلة أخلاقية لا طائفية ولا سياسية. أستطيع أن أفهم كم الخوف الذي تم ضخّه في الشارع المحسوب على طائفة معينة ضد الأخرى، أستطيع أن أبرّر هواجسه، لكن لا أستطيع أن أجد (أخلاقياً) ما يبرر فعل الوشاية. أقرأ المزيد

فراشة باسمة

-إياكِ أن تسمعي كلامهم يا إبنتي، إياك أن ترقصي أبداً!!

-لماذا يا أمي؟ أنا أحب الرقص جداً!

– حتى لا يقولوا “بنت المصرية” ترقص!


تجمع جيناتها بين مائين جليلين، ماء النيل العظيم وماء الجزيرة الساحرة؛ أم مصرية طبيبة (نادية) وأب بحريني طبيب (نبيل) زملاء دراسة في القاهرة. تعيش نهاد ميزة هذا التركيب المتسع بالحب والممتد جغرافياً وإنسانياً وثقافياً، لكنها بالمقابل، تعيش غربة انتماء وجودي يربك داخلها: “أريد أن أحدد مكاني على خريطة الانتماء”.


نعت «بنت المصرية» هو الجرح الأعمق الذي سكن وعي نهاد منذ طفولتها، وهو الذي أربك خريطة انتمائها، وبدلاً من أن يصغر فيها كلما كبرت واختطلت بالمجتمع، صار العكس، تحوّل إلى «عقدة»، لا من نصفها المصري الذي تفتخر به، بل من المجتمع الذي تخشى نظرته وتربّصاته لها فقط لأنها «بنت المصرية». أن يرى المجتمع إليها على أنها «نصف نصف» ظل تهديداً يسيطر على تفكير نهاد وشخصيتها وتصرفاتها ويضخّم ما تتوقعه من ردود فعل الآخرين تجاهها.


كانت نهاد (استشارية العناية المركّزة) وزملاءها أثناء دراسة الطب، يطلقون على استاذ الطب النفسي اسم «دكتور الكلام»، لم تكن مهنة الطب النفسي تروق لها حينها، لكنها أدركت فيما بعد، أن الكلام علاج آخر. ذلك أنه من رنين القلب يتكلّم اللسان، ولا يؤتى القلب إلا من اللسان.


لهذا كان إصدار نهاد لكتابها «بنت المصرية» مهم جداً بالنسبة لها قبل أن يكون كذلك بالنسبة للمجمتع. لا لأنه نتاجها الأدبي الأول الذي تواجه به المجتمع والعالم فقط (وهو طموح طالما حلمت به)، بل لأنه أطلق رنين قلبها بالكلام، وأخرجه من حيّز صدرها الضيق، إلى فضاء الناس والمجتمع والتداول. تبقى التفاصيل المؤلمة في داخل الانسان كبيرة حتى يفضّها بالكتابة فتصغر وتبهت وتفقد قدرتها على التكتّل والتهويش، وكلما كان أكثر جرأة على استدراجها وتحريرها من سجن الداخل، تحرّر معها ومنها.

ما الذي جعل «بنت المصرية» تتحوّل إلى عقدة اجتماعية في حياة نهاد؟ وهي المنحدرة من عائلة بحرينية معروفة، والإبنة البكر لزوجين طبيبين ناجحين ومميزين، والطالبة المتفوقة باقتدار في دراستها، والطبيبة الاستشارية المتميزة والمحبّة لعملها. هل هي الأم التي طالما أمعنت تحذير ابنتها أمام كل موقف وسلوك: “عشان ما يقولوش بنت المصرية”؟ والتأكيد عليها أن “ما يصدر من بنت المصرية ينظر إليه بنظرة مختلفة”؟ أم هو والدها الذي كان في بيته وحياته (مصرياً أكثر من المصريين) حتى تفاجأت نهاد بنفسها تائهة في أول يوم مدرسي أمام لهجة بحرينية لا تعرف منها شيئاً؟ أم هي زميلات المدرسة الصغيرات اللاتي كن يعايرنها بـ«بنت المصرية»؟ أم هي نظرة المجتمع وسلوكات زملاء الجامعة وأساتذتها؟ أم هي رهافتها وحساسيتها المفرطة؟ أم كلها جميعاً؟

تلك تساؤلات ستحاصرك وأنت تقرأ «بنت المصرية». لقد مارست نهاد مع نفسها دور (دكتور الكلام) الذي يحضر كل شيء من المنطقة المتوترة الى السطح. فتحت خيوط هذه العقدة ونثرتها بلغة بسيطة في 358 صفحة، لن تستغرق قراءتها أكثر من ساعات محدودة، أظهرت نهاد بعض الأحداث والتفاصيل، ولم تسعفها الجرأة أو الخصوصية في إظهار بعضها الآخر، لكن لن يكون صعباً فهم أن كل من ذكر أعلاه، كان له، بوعي أو بدون وعي، دوره في خلق وترسيخ عقدة «بنت المصرية» عند نهاد، بمن فيهم هي نفسها.

 


 دفعت نهاد الشيراوي من (رهافة شعورها) ثمناً مكلّفاً في كثير من المواقف. الطبيبة المعروفة بالبكاء على مرضاها (حنفية الدموع)، واحتضانها لأهالي المتوفين منهم ومشاركتهم البكاء، دفعت غالياً ثمن صورة التقطت لها وهي تبكي الشهيد عبد الرضا بوحميد لحظة موته، بعد أن تولت محاولة انقاذ حياته طوال 4 أيام في فبراير 2011. إنه حسّها الانساني الذي رفض التعوّد على الجثث السوداء في دروس التشريح، فكيف يحتمل أن يموت بين يديها شاب تسكن رصاصة الجيش في رأسه. كان ثمن دموعها تلك أكبر من اعتقال وأكبر من تخوين وأكبر من محاكمة وأكبر توقيف في العمل واستهداف متكرر رغم تبرئتها، كانت صدمة حسّ وإنسان. لم تذكر نهاد هذا الحدث في كتابها، ولا آثاره المؤلمة المباشرة على حياتها وصحتها النفسية، اكتفت بإشارات هنا وهناك، مع تبرير (حنفية) دموعها التي لا تعرف غير انحيازها للإنسان فقط.


لقد اختارت نهاد أن تفتح جرحها بالكتابة، وأن تهزمه بها. حوّلت ألمها وضعفها وعقدتها -إن صحّ لي القول- إلى إنجاز أدبي يعرّف بها ويقول عنها. تكرر نهاد خلال فصول كتابها أنها لا تزال تبحث عن الوجود الأعمق في داخلها، الوجود القادر على إخراجها من عتمتها الداخلية إلى نورها الخاص، النور الذي يبقى منها بعد أن تلف العتمة كل شيء، النور الذي يمنحها أجنحة تحلّق بها فوق الخرائط والانتماءات والأمكنة والناس. لعلّها وجدته أخيراً..

 

* بنت المصرية. نهاد نبيل الشيراوي. 2014. مؤسسة ابداع للنشر والتوزيع

فراشة باسمة

لا تدع حبّك يمضي دونك، فكل شيء خلق ليمضي، إلا الحبّ، خلق لتمضي معه وفيه وبه.


الحب، ذلك الكائن المفرط في خيلائه ونرجسيته وحساسيته، رصّه إليك برهافة، لا تدعه يشعر بأن أي شيء مما خُلق ليمضي، صار مقدّماً عليه، أو مخلوطاً به. الحب يخدشه الخلط.

كما يحتاج جسدك إلى الرياضة كل يوم، ونفسك إلى الترفيه، فإن حبّك بحاجة إلى التدليل كل يوم. دقائق قليلة من الإنفراد بالحب تكفي لتعبق بالكثير. لتصير سعادة تتدفّق، وينتشي الحب.

لا يقبل الحب إلا أن يكون في الصدارة، الصدارة التي يلحق بها كل شيء، ويعجز عن الوصول إليها أي شيء. إنها الصدارة الاستثنائية. يبقى الحب متجلياً طالما بقى واثقاً من صدارته متمكناً منها،  فإذا بهتت صدارته انكسر وانكمش على خيلائه، وسرعان ما يطأطئ أجنحة فراشته وينسحب، يجف عود الحب مثل غصن شجرة فقدت ماءها، يتكسر، ثم يموت. الصدارة ماء الحب.

لا تدع حبّك يفقد صدارته فيك، لا تترك حبّك يمضي دونك.

 

* اللوحة/ الفنان عبد الجبار الغضبان

فراشة باسمة
 
 

93_1_1

“تكاد الأجيال الجديدة تنسى أن الصحافة كتابة، والكتابة قلم، والكتابة، كما هو معروف، تصدر من الشعور والأعصاب لتفترش اللغة، وهذه ينابيع وجداول تُفتّحها وتهدر بها التجربة الحيّة ويُعْليها الصدق وتضمّخها المعرفة والخيال. الصحافي أديب يومي” أنسي الحاج.

 
تحتاج أحياناً، أو ربما كثيراً، إلى حجة في قوة أنسي الحاج، لتطمئن على أن ما يخفق في قلبك وعقلك وقلمك وأنت في الصحافة، هو ما تؤكده هذه الحجة.
 
ظللت أشك أن ما أذهب إليه بكتابتي الخاصة في الصحافة، ممكن أن يكون في الصحافة، أو أنني أضع الأشياء في غير محلها. خاصة مع تكرار أصوات تقول لي: ما تكتبينه ليس مكانه الصحافة. كانت كتابة أنسي في الصحافة إحدى، إن لم تكن أهم المرايا التي رأيت فيها بوضوح ما كان يعتمل في داخلي بغباشة. كنت أوقن وأنا أقرأ خواتم أنسي، وبعد قراءتي لتنظيراته حول الكتابة الصحفية أني لم أكن أكتب في المكان الخطأ. صرت أكثر ثقة أن لا أخضع لما بات يعرف بلغة الإعلام والصحافة، ولا أكون في الوقت نفسه خارج الصحافة.
 
كان أنسي يعلمني، ويحرضني، كيف تكتب عبارة مكتنزة بما فيك. قصيرة وغليظة بما يكفي. غارقة في الفكرة، لكنها ليست شعراً. كيف تمارس جنونك وجنوحك وأنت تكتب في “تجاعيد الممارسة الصحافية” اليومية. تلك التجاعيد التي أفقدت الكتابة الصحافية ماءها فصارت حرصماً هزيلاً.
 
كانت الصحافة العربية صنيعة أدباء، ليسوا من نوع اللفظيّين الإنشائيين، بل أصحاب الإلهام والابتكار وملهَمي الأسلوب كما يصفهم أنسي. كانوا طليعة حركة التنوير في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع العشرين. “الصحافة التي لم ينهض بها أدباء لم تترك أثراً”.
 
الصحافة دائما بحاجة إلى حكمة الأدباء في قول الواقع، وجنونهم ومرقهم ومشجّاتهم الدقيقة، وبالطبع إلى لغتهم المقاومة للتجاعيد، والأكثر من هذا، إلى إنسانهم.
اليوم هو السبت، وصباح السبت دائما يحيلني إلى خواتم أنسي مباشرة. اللغة كما أشتهي أن أرتشفها في كأس نقي. الحكمة كما تتجلّى في العشق والغواية والعبث والمراهقة والنقد المزعج واللاذع. كلما فرط خلقي من الضجيج اللا أخلاقي حولنا، وجدتني أجزع إلى خواتم أنسي استجمع إنسانيتي المتهتكة. لم يعد سهلاً لإنسانيتنا أن تجد من يرتق فتوقها التي صارت أوقع من هاوية. كان أنسي يفعل.
 
 
فراشة باسمة

“السماء الصافية تفكير بلا فكرة كحديقة كلها خضراء. قصيدة لا عيب فيها سوى إفراطها في الوضوح. تفتقر السماء إلى غيمة ولو عابرة لتوقظ الخيال من خَدَر الأزرق، وتفتقر الحديقة الخضراء إلى لون أخر”. محمود درويش.


لا يحب الروائي والمصوّر حسين المحروس، نص على هيئة سماء صافية أو حديقة خضراء، دائماً ثمّة غيمة تفتن السماء وتأتيها بالحيرة؛ غيمة «قندة»، أو غيمة «حوّام»، أو غيمة «مريم». في السماء الصافية تغيب التفاصيل المثيرة والمتحركة. السماء لا طعم لها دون قندة فارسية لا تذوب، أو حوّام على وشك من كل شيء، أو دون خضاب مريم والنسوة اللآتي لا يحتجن إلى أسمائهن. داخل كل واحدة من غيمات المحروس ماء يوشك أن يُمطرك حد الغرق. ربما لهذا سميت النسوة التي تسقي الماء بأنها (تُمطر) فيما يسمى الرجل (سقَّاء) كما جاء في نصّه الأخير «مريم». فالمرأة هي الغيمة، وسماء بلا غيمة لا تشي بالمطر، ولا تحرّض على غواية وشيكة.

عندما أقرأ نصاً للمحروس أخاله يكتب بعدسته لا بقلمه. النص عنده يأتي دائماً على هيئة صورة مجهرية، تتأنى للتفاصيل الصغيرة وتعبث فيها بمزاج رائق. التفاصيل عنده ليست ترفاً بل أدوات رؤية غميقة. عدسة المحروس يستفزها أن تنحرف إلى الموارب والشارد والمهمل والمنسي، ويستفزها أكثر أن تُدخل أقصى ما يمكنها من الضوء لتُخرج أدق التفاصيل التي لا تراها عيوننا العابرة، لهذا قلت أنها صورة مجهرية. وهذا تماماً ما يفعله في نصّه. لا تخلو تفاصيل المحروس من صورة تجعلني أدخل فيها، واقتناصات ماكرة تجبرني أن أتعثر بين ثناياها.


في نصّه الأخير “مريم” حضرت المرأة بكامل غيمتها، مطرة مطرة، حضرت لتهب الحياة أشكال فرحها، بخضابها وفرشتها ومراياها ورمانها ومزهريتها وألوانها، وغاب اسمها وحده. وبين هذا الحضور المتقد للشخص، والغياب المفرط للاسم، كانت عدسة المحروس النصية (لا الرقمية)، تأخذنا إلى صورة الخيط الأخضر، وضعته مريم في باطن خاتمها الذي اتسع بعد أن هزل جسدها، وتأخذنا إلى الإبرة التي تضعها مريم في ثقب أنفها حين تتعب من الخياطة، وربطة قماش الحجّامة التي حين تنثرها للبيع، تلوّن البرستج ذو اللون الواحد، والخضاب الذي يحب بعض النسوة فيترك لونه في أيديهن من المرة الأولى، ويحتاج إلى طرق يغمّقه في الأيدي التي لا يحبها، وفرشة أول العرس، وأول اللمس ووو…


لم تضع أسماء (مريمات) حسين المحروس، لقد أمعن في جعل أسمائهن أول ما يعرّفنا بهنّ، وأكثر ما يجعلهن صور حياة تتحرّك أمامنا. لقد أحضرهن غيمة غيمة.

 

فراشة باسمة
عدسة المصور عبدالله الستراوي

2013-05-01  كتبت: فاطمة العمار – حسين المرخي



قرأتْ مجموعة تطلق على نفسها (عصبة القراءة) متخذةً من إمكانيات برنامج what’s up (الواتس آب) مكاناً للالتقاء والحوار والجدل حول الثقافة والقراءة والكتب، كتابَ البحرينية باسمة القصاب (كالتي هربتْ بعينيها). انطوى الاختيار على قدرٍ من الاستفزاز، بمعناه المحرّض والإيجابي، وعلى جانبٍ من الغنى والثراء. وبالتأكيد، لم يخلو أبداً من عنصر الجدل.

في أواخر مارس التقت بعضُ عضوات عصبة القراءة، في أحد المقاهي، بالمؤلفة القصاب، فإلى أي حدّ نجحت المجموعة في المهمة؟ مهمة الملاحقة وتقفي أثر الهاربة؟ يجب أن لا ننسى أن من “انفلّتْ” بعينيها تؤمن بالهروب بوصفه قاعدة، وبالبقاء باعتباره مجرد استثناء.

 

 لماذا هذا الكتاب؟

(كان التحدي الأهم بالنسبة لي) تشيرُ القصاب (كيف أعيد قراءة ذاتي في تلك التجربة؟ الأسئلة التي بدأت تُثار عندي، كيف تم تشكيلي داخل الجماعة؟ كيف كنت، على مدى اثني عشر عاماً، مجرد كائنٍ مسلوب الإرادة، مسلوب الشخصية بهذا الشكل؟  هذا تطلّب مني أن أشدّ الهمة وأطّلع على قراءات متعددة وكثيرة قبل أن أباشر الكتابة. انفتحتُ على قراءات مكثّفة عن التكوينات الجماعية: كيف تتشكّل، كيف تستقطب الأفراد، صار لديّ اهتمام دؤوب بمحاولة فهم نفسي من خلال التعمّق في تكوين الجماعات وهذا ساعدني كثيراً، كأني أفكّ ألغازاً وشيئاً فشيئاً بدأتْ الصورة تتضح عندي.

 تواصل باسمة القصاب (بدأت كتابة قراءتي لتلك التجربة في 2005، كنتُ أهدف من خلال الكتابة إلى الإجابة على أسئلتي الخاصة، ولم تكن للنشر أساسا. كانت كتابتي تهدف إلى الخروج بإجابات معرفية على تشكيلي الذي تكوّن خلال تلك الفترة، حتى أوان النشر. عندما بدأت أكتب وحتى لحظة الإنجاز في 2006 شعرتُ براحةٍ كبيرة لأني استطعتُ أن أفهم وأستوعب السور أو الغلاف الذي كنتُ موجودةً فيه وبالتالي كيف ساهم في تشكيلي.)

 

لستُ نادمةً

 (توسعت عندي الرؤية إلى ما هو أبعد من هذه الجماعة الصغيرة) تقول باسمة دون أن تخفي شعوراً ما بالارتياح (صرت أفكّر وأتأمل في أحوال الجماعات، الجماعات العقائدية تحديداً سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية، لا فرق بينها في الواقع، كيف تشتغل هذه الجماعات على تشكيل أفرادها، وكذلك الثقافات التي تنتج الجماعات. هذه المعرفة التي تحصّلت عندي، هي الثراء الذي أتكلم عنه، وأنا على قناعة أن أفضل ما تقدّمه للآخرين هو شيء عشته ذاتياً من خلال تجربتك الخاصة، لهذا لستُ نادمة على تجربتي وإن كانت استغرقت كثيراً من عمري، لكني أنظر إليها أنها جزء من ثرائي الشخصي وجزء من تكويني الفكري والمعرفي الآن، بمعنى باسمة قبل هذه التجربة هي ليست باسمة بعد هذه التجربة أو أثناء هذه التجربة. الكتابة كانتْ على درجةٍ بالغة من الأهمية لأعيد فهم نفسي وحتى أتصالح مع نفسي وأتصالح مع تجربتي.)

 تسألها عضوات “العصبة” عن الإحساس الداخلي وقتَ الكتابة، التي هي بشكلٍ آخر فعلُ قراءة مضاعف، (الكتاب تسبّب لي بانفعالاتٍ عديدة، كل كاتب تتحرك داخله أشياء غامضة وقت الكتابة، خصوصاً حين تكون الكتابة مرتبطة بغور تجربة شخصية عايشها). بعد لحظات تفكير تضيف (لا أستطيع أن أستخدم تعبير “هزة”، ولا يمكنني استخدام مفردة بليغة تفي بالمعنى، لكن بمجرد أن مضيت في الكتابة وجدتني أتحرر من الغلاف النفسي الذي بقى يحاصرني بعد خروجي لأشهر. ثم تكوّن لدي ما يشبه التخوف: كيف سيستقبل المجتمع تجربتي؟ بل حتى أقربائي الذين لم يكونوا يعلمون عن تجربتي شيئاً. كانت مرحلة صعبة ومربكة وفيها الكثير من المغامرة.

بعد هذا الكتاب، خرجتُ وخلصت إلى ثراء معرفي سعيدة جداً به، واصلتُ الكتابة في جريدة الوقت (توقفتْ عن الصدور في مايو 2010) تعلّق باسمة أنها تتفرغ الآن للعمل على مشروع كتابي.

 

الخروج من “القمقم”

 تسأل عضوات (عصبة القراءة) بحماس وفضول وترقّب عن بدايات “التحوّل” الفكري والبوادر الأولى التي سبقتْ قرار الهرب.

تقول باسمة (البداية كانت في سنة 2001 وكما تعرفون طبعاً في بداية المشروع “الإصلاحي” فُتح المجال لتأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية بعد فترة قمع شديدة، صارت الناس تتوجه وتقصد المحاضرات والندوات، يومها كان أول خروج للجماعة من “القمقم” خاصّتها إلى المجتمع، في تلك الفترة، كنا نتحرك بشكل جمعي وليس فردي، وقد أوضحت هذا في كتابي، صرنا نشتغل وننشط في أكثر من جمعية، جمعية مقاومة التطبيع وجمعية المعلمين وجمعية البحرين النسائية، بدأت سلسلة من التحركات نحو المجتمع المدني بشكل مكثّف.

 جزء من هذه التحركات كان على صعيد الفضاء الالكتروني، كان فضاءً مفتوحاً ومنفتحاً، بدأت تظهر وقتها “القروبات” أو المجموعات الالكترونية، الحوارية والإخبارية، التي ينشط فيها مجموعة من المثقين والصحفيين، كانت مجموعة “قروب أوال” على جانبٍ من التميّز يضمّ مجموعة كبيرة من الصحفيين و الكتّاب و المثقفين، عدد من أفراد الجماعة انضموا الى المجموعة، وبدأوا يدخلون في نقاشاته ويتحدثون عنه، أثارني الفضول فاشتركت، شدتني النقاشات بسرعة، بدأت أدخل في فضاء المناقشات والاختلافات والرؤى، وكانت مواضيع التعددية و الآخر على رأس قائمة الموضوعات المطروحة، الكل كان يسعى ويحاول أن يجتمع تحت مظلّة الوطن وأن يزيح الاختلافات السياسية جانباً، مفردة مثل “الأطياف” مثلاً وغيرها من الكلمات بدأنا نسمعها، العمل والنشاط في العلن من خلال قنوات أهلية طبيعية. بدأت أسمع أصوات متعددة كثيرة لديها الكثير من الرأي والمنطق والوجاهة غير أصوات الداخل التي اعتدت عليها فقط. نقاشي مع الأشخاص كشفَ لي مستويات عالية من الفهم والإدراك والوعي.

 تعرفت من خلال المجموعة الحوارية أيضاً على بعض المثقفين الذين شكل وجودهم وأسئلتهم لي استفزازاً فكرياً ومعرفياً، وبدأت (أنحرف) باتجاه قراءات جديدة لم تكن دارجة في قائمة (نوعية الكتب) التي كنا معتادين على قراءتها. كانت القراءة مفتاح غوايتي إن صح لي التعبير، صرت أقرأ في الكتب الفكرية بدلاً من العقائدية التي تشبعت منها. مع كل قراءة جديدة (مختلفة) كانت الأسئلة تصطدم برأسي الذي تعود صد الأسئلة. اتسعت الأسئلة شيئاً فشيئاً وضاقت الاجابات التي كنت أتلقاها. لم يكن الأمر سهلاً، كان صراعاً صعباً ومريراً بين المعتقد الذي يتلبسني وبين العقل الذي بدأ يحررني. منذ 2011 وأنا أعيش ارهاصاتي الفكرية حتى 2004 عندما وضعت نقطتي وأعلنت خروجي.

 

 النقد وليس المحاربة

 طُرِح سؤال هل تغيّرت قناعة باسمة القصاب، بعد خروجها، تجاه “الحرب” الشرسة التي جوبهت بها الجماعة؟ بمعنى آخر، هل كانت “الهجمة” تحمل مبرراتها؟ هل تتفهمها؟

تقول ( لا. ثمة نقطة مهمة وجديرة بالوضع في الاعتبار، أن الجماعة جوبهت بحربٍ قوية جداً وقاسية جداً، هذه المسألة جعلت الجماعة تنكفيء حقاً كردة فعل عكسية وطبيعية، لقد تمتْ محاربتها عقائديا بشكل شرس “مقاطعات اجتماعية، دعوات، توصيفات، التعرض لهم بالضرب والنيل منهم بطرق مهينة ومذلة..”.

أنا أؤمن بحق كل شخص بأن يؤمن بما يريد، لكن أؤمن أيضاً بحقي أن أنقد مآزق هذا الفكر، النقد وليس المحاربة، ما عملتُ واشتغلت عليه في هذا الكتاب هو نقد لمآزق هذا التشكيل الجمعي للأفراد، هم لم يسيئوا لي، قمتُ بعملية نقد، لديّ محبة لكن لا أتهيّب.)

حساسية التشكيل

 تسألها إحدى عضوات منتدى القراءة عن أي احتمال أو إمكانية لانضمامها، بعناوين مختلفة، لجماعة معيّنة، تجيب باسمة القصاب بحزم مبتسم (أصبحت لديّ (حساسية معرفية) من انضمامي لأي تشكيل حزبي أو جماعي، هذا يتطلب الالتزام بخط جمعي في التوجه والفكر والرأي، وهو ما لن أعود إليه مجدداً، أريد أن أكون ذاتي المستقلة فقط والقريبة من كل شيء، بقدر ما أحتفظ بمسافة بيني وبينها تتيح لي قراءتها ونقدها).

 تلقائياً انجّر النقاش حول مفهوم”خارج الطائفة” الذي حمله عنوان كتاب المفكر البحريني علي أحمد الديري والصادر في 2011. تعلّق القصاب (خارج الطائفة ليس بالمعنى العقائدي البحت أو حتى نظرية اجتماعية، هي نظرية خروج عن التبعية، خروج عن تسليم عقلي لانقياد مطلق هو الذي يسيّر كل تفكيري وتوجهاتي  وعلاقاتي بالآخر والأمور التي يتوجّب علي القيام بها وتلك التي عليّ تجنبها، يخرج الفرد من مسلمات الطائفة ليكون جزءاً من المدينة والدولة. لكنه ليس موقفاً عنيفاً ضد الجماعة التي ولدت ونشأت ضمنها. عن نفسي أنا جزء من مكونات هذا المجتمع، نشأت بتكوين شيعي لكني لست في دائرة الانقياد لمسلماته ومطلقاته. يمكنني الإدعاء أني خارج الطائفة بهذا المفهوم)

 يبدو أن هذا الإعلان كان مستفزا، انهالت الأسئلة لمزيدٍ من التوضيح، تحاول القصاب صياغة رؤيتها (ما أحاول قوله أن تكويني المجتمعي الذي نشأت عليه هو تكوين شيعي، لا توجد عندي أي نية لأصطدم مع هذا التكوين، ما أحاول القيام به هو أن أفهم تكويني حتى لا يمارس سلطته علي، الفهم لا يعني بالضرورة أن يكون الفرد صِداميا. أعمل بما يقنعني، أحترم المرجعيات لكنها لا تُلزمني ولا تمثلني، هذا ما حاولتُ بالضبط أن أعبّر عنه في مقال (لستُ غنمة) فكرة الإنقياد وقد أحدث هذا المقال ما يشبه الضجة الفكاهية، لديّ حذر من أي نوعً من الانقياد، ليس حذراً بقدر ما أنه حساسية فكرية. عندي تصالح مع كل التنويعات الموجودة، هذا جزء من إيماني العميق بحق الآخرين أن يعيشوا وفق ما يروا ويعتقدوا.)

الإنسانية مبدئي

 هل هذا يعني أن يكون الإنسان متحرراً من أي مبدأٍ أو عقيدة أيضا؟ أثير هذا الجدل.

(بالتأكيد لديّ مبادئي) توضّح باسمة وتستدرك (لكن مبادئي على أسس إنسانية يشترك فيها كل العقل البشري. كل الرؤى عبر مختلف العصور التاريخية من فلاسفة وأديان كانت تسعى نحو تحقيق المباديء الانسانية العامة. أؤمن بالعدالة والحرية والمساواة وغيرها، هذه مبادئ إنسانية لا تختلف عليها أية عقيدة من العقائد ولا أي نظام بشري، لا يهمني معتقدك بقدر ما تهمني إنسانيتك.

 

http://www.ryhana.com/index.php/magazine/article/350

فراشة باسمة

خارج أسوار المسارح الكلاسيكية وأستارها، وفي بيت تراثي قديم وسط العاصمة المنامة؛ بيت “القصير” في فريق الفاضل العابر للثقافات، اختار الفنان الشاب حسين عبد علي أن يقدّم عمله المسرحي الأول إعداداً وإخراجاً “عندما صمت عبدالله الحكواتي”.

 حوش كبير يتوسط بيت من طابقين، الطابق الثاني مفتوح على الأول، يطل من خلال شرفة داخلية كبيرة تحيط به من جهاته الأربع، وسقف مفتوح على احتمال مباغتة المطر. أقواس تراثية قديمة تحيط بالحوش من كل الجهات، تتدلى منها أفنار إضاءة صغيرة، الأقواس تفصل بين الحوش وبين غرفات يفيض منها عبق الخشب وشبابيك ذات زجاج ملون. لا شيء مصطنع في هذا المكان الذي احتضن العرض لمدة ساعة ونصف، ولا شيء متكلّف في هذا البيت التاريخي الذي بقى محتفظاً بروحه المفتوحة على كل شيء، ولا تزال تسكنه عائلة بحرينية أحسسنا ببعض حركتها أثناء العرض، كان اختيار هذا المكان لوحده إضافة ثرية لجوهر هذا العمل.

 مسرح خشبي بسيط تربّع على مساحة حوش البيت. وسط المسرح 3 صناديق مجوفة ومربعة الشكل، محفورة بأشكال هندسية جميلة، وضعت فوق بعضها البعض بشكل عبثي. ستعلب هذه الصناديق معنا طوال فترة عرض المسرحية وستأخذ لها كل حين شكل ومكان ومعنى مختلف. صفان من الكراسي الحمراء، تجلس تحت الأقواس مباشرة، تحيط بالمسرح من كل الجهات، ونجلس نحن فوقها، قريباً من كل شيء يتحرّك.

 ليس هناك ما هو خلف الكواليس، على الأقل هذا ما شعرت به، ستدخل لترى الفنانين يجلسون معك على الكراسي ذاتها، يتحركون، يرحبون بمن يدخل، ولن تلبث حين يبدأ عرض المسرحية أن تكتشف أنك تجلس معهم في ذات المسرح، فالبيت كلّه سيتحول إلى مسرح كبير، فوق، تحت، حتى باقي الغرفات..

 عبد الله السعداوي؛ الحكواتي، يفتتح المسرحية بحضور أبيض، وحكي لا يستل العفوية، بل يريقها إلى حسّك مباشرة، سيجلس متوسطاً المسرح، تحيط به ثلّة شباب يتقدون بالحركة والإبهار، وسينتقل بك السرد سريعاً وخفيفاً، وبكثير من الحركة التي تأخذك إلى صورة لا تراها كاملة، لكنك تعيشها تماماً، سيصمت عبدالله الحكواتي سريعاً أيضاً، لكن الحكي لن ينتهي، سيصير الكل حكواتياً يروي قصته، وستتكاثر الحكايا..

 سننتقل بين حكايا يسردها بأداء خصب ومشدود، كل من باسل حسين، ومحمد الصفار، ومحمود الصفار، ومحمد المرزوق، وبالطبع المدهش حسين عبد علي. سيشدّك الانسجام الهارموني المتناغم بين الفريق، وسيأخذك كل من السرد والأداء في دهشة حركته وتعبيراته، وسيحاصر عينك عن أن تطرف خارجه، كما ستشارك البطولة أيضاً، بضع قطع قماشات صغيرة، ستقول لنا حكي كثير في حكم الخيانة والعار وغباء الاستبداد والتفاؤل والحياة والموت.

 ساعة ونصف ستنتهي وأنت لا تزال في حضورك الكامل، قبل أن يحضر الجميع أمامك وسط المسرح عند نهاية العرض، ولتصفق بحماس لعمل يستحق الاحتفاء. استمتعت كثيراً بحضور العرض الأول في 20 ديسمبر، لا يزال العرض مستمراً حتي 25 ديسمبر لمن يرغب في حضور عمل مميز لطاقات بحرينية جميلة، شكراً حسين عبد علي، شكراً للحكواتية جميعهم..

 

فراشة باسمة

بالنسبة لي، الثقافة ليست شيئاً آخر غير التحريض على التنوير والتحرير. هذان هما المشروعان اللذان يمكنني أن أفهم من خلالهما المدينة التي تطرح نفسها عاصمة للثقافة. الثقافة التي لا تملك مشروعها في تحرير الفرد من مختلف أشكال السلطات هي محض استهلاك. الثقافة التي يناهض مشروعها استبداد السلطة الدينية من جهة، ويقف جنباً إلى جنب مع استبداد السلطة السياسية، هي ثقافة عبودية أو مصالح. الثقافة التي يتغير موقفها تجاه الحرية بتغير (دين أو عقيدة أو انتماء أو عرق أو أصل) من يطالب بها، هي ثقافة كاذبة ومزيفة.

الثقافة لا تفرق بين سلطة وأخرى، ولا بين مطالب بالحرية وآخر، مهما اختلف شكل السلطة أو الفرد أو الجماعة. الحرية قيمة مطلقة وكل شيء يتبعها لا العكس. المثقف الذي يدعم الحركات المناهضة لاستبداد السلطة الدينية، ثم يقف صامتاً (أو معادياً) للحركات المناهضة لاستبداد السلطة السياسية، هو فاقد لمصداقية التنوير.

التنوير أشار إليه كانط على أنه خروج الإنسان عن حالة قصوره وعجزه، والتحرر هو جرأة اتخاذ الموقف للتخلص من هذا القصور. الشعوب العربية في ربيعها العربي أرادت الخروج من قصور عبوديتها نحو اكتمال حرياتها. أرادت أن تقود قصورها نحو الديمقراطية، أن تعيش تجربتها الديمقراطية الخاصة، وأن تكتمل بها وتتطور تدريجاً من خلالها.

الشعب البحريني، ليس خارج هذا السياق. طالما كان سباقاً، أراد أن يخرج من قصوره الخاص. أراد أن يطالب بحقوقه كشعب راق ناضج، لا كتابع ذليل. أراد أن يكون سيد نفسه، أن ينتخب حكومته بنفسه، أن يحاسب هو قصورها، أن يبتكر مؤسساته الشرعية التي تمكّنه من مواجهة قصور الاستبداد والفساد والتوزيع غير العادل لثرواته. السلطة تريد إبقاء الشعب في ذل قصوره إليها، في عبوديته المطلقة لها، في ركوعه وخضوعه واستسلامه. تريد أن لا يخرج عن عجزه أبداً، أن يكون تحت رحمتها، وتكون هي المتحكم المستأثر بكل شيء.

في مدينتي التي كنت أحلم أن أحتفي معها كعاصمة الثقافة العربية لعام 2012، صُدمت بالزلزال المكارثي الذي ارتجّ بنا منذ إعلان حالة السلامة الوطنية حتى اليوم. لا أحد يمكن أن يصدق، ما لم يكن قد عاش فعلاً ما حدث في البحرين خلال الأشهر القليلة الماضية. حلم 14 فبراير عرّى وجه هذه المدينة التي تتوج نفسها اليوم عاصمة الثقافة العربية. جعلها تخلع قناع الثقافة والتنوير والتسامح والتعدد والتعايش والحرية الذي كانت تروجه عن نفسها. وانكشف وجه ثقافتها الحقيقية، إنها ثقافة القتل، والعنف، والانتقام، والقصاص، والقمع، والتنكيل، والتعذيب، والإذلال، والتخوين، والكراهية، والسحق، والتجويع، والحرمان، والهتك، والدهس، والبلطجة، والوشايات، والتشفي، والميليشيات المسلحة، والتقسيم المجتمعي وإشعال الفتن الطائفية والمحاكم العسكرية. إنّها ثقافة تكميم الأفواه وأي صوت يطالب بخروجه عن قصوره السياسي.

في المدينة التي تتوّج نفسها اليوم عاصمة الثقافة العربية، صار من يطالب بخروج مؤسسات الدولة عن (قصور) استملاك القبيلة هو طائفي! ومن يطالب بخروج الشعب عن قصور عبودية السلطة هو خائن! من يطالب ببرلمان غير قاصر (كامل الصلاحيات) هو عميل! من يطالب بحكومة غير قاصرة (منتخبة من قبل الشعب) هو صفوي! من يطالب بدستور غير قاصر (يضعه الشعب) هو مجوسي! وصار من يقبل أن يعيش كامل قصوره وعبوديته شريفاً وطنياً!

في مدينتي التي ترفع شعار عاصمة الثقافة العربية لعام 2012، عشت أعنف صدمة ثقافية لمفاهيمي النظرية التي لطالما تغنيت بها، رأيت كيف تجعلها السلطة ــ عبر لعبتها المترهلة ــ تتكسر على أرض الواقع كأبشع ما تكون، رأيت كيف يسقط المثقفون فيها قبل البسطاء. رأيت كيف أننا بحاجة لرفع شعار تخليص المدينة من قصورها، لتكون مكاناً آمناً للحلم، قبل أن نحلم أن تكون عاصمة للثقافة.

http://al-akhbar.com/node/34861