فراشة باسمة

فراشة باسمة

دائماً لدى اسم عبّاس حضور خاص في أذهاننا، حضور يرتبط مرّة بالنبل والإيثار والشجاعة كما شخصية العبّاس أخ الإمام الحسين، ومرة يحيل إلى شخصية مفهومية بحرانية مثالية  كما عبّاس في “قندة” حسين المحروس، ومرة إلى المواطن البحريني البسيط الطيب العفوي الأصيل كما في الكثير من المشاهد التمثيلية هنا وهناك. 

في رواية “العربانة”، للكاتب البحريني ماهر عبّاس، لنا حكاية أخرى مع عبّاس آخر، يتداخل حضوره مع كل الإحالات أعلاه، ويراكم معها صوراً جديدة. في هذه الرواية نشهد في عبّاس نموذجاً عصامياً مُلهماً صُلباً وعصيّاً على الانكسار، نموذج فيه من الذكاء والوفاء والنبل أيضاً، ما يشدّنا إليه بقوّة.

حكاية موغلة في الدراما، تنطلق من قرية السنابس، طفولة مُعتمة وواقع مؤهل لجرف الصبي نحو التشتت أو الضياع أو الهروب، لكن عبّاس، يختار أن يُشعل نوره الداخلي، بدلاً من أن يلعن عتمته أو يستسلم لها. لا ينتظر عبّاس شيئاً يأتي من خارجه ليغيّر حياته، بل ينطلق هو نحو الخارج وعمره لم يتجاوز الثانية عشر من العمر. يبدأ من حيث الصفر، من حيث العربانة التي اشتراها بالتقسيط ليعمل حمّالياً في سوق جدحفص، من حيث عثراته الأولى بها ومعها على الأرض المعبّدة بالصخور، من حيث صبية الكار (الكبار) الذين ترصّدوا له، ثم يغادرها نحو (عربانة) بشكل آخر، مشقّة أخرى تتقلّب به بين صعود وهبوط، وبدلاً من أن يعيش مثل أي طفل في عمره همّ الدراسة وحده، عاش عبّاس مسؤولية إعالة نفسه وعائلته. 

صغيرٌ يلعب مع أخته ليلى لعبة (السلّم والثعبان)، يرمي حجر نرده، يصعد السلالم الصغيرة بجلد وحماس، يقطعها عتبة عتبة، مشقّة مشقّة، وعندما يوشك الوصول إلى النهاية السعيدة، يباغته ثعبان يبتلعه إلى قاع العتمة مرّة أخرى. لم يكن يعلم أن حياته ستكون رهينة هذه السلالم الشقيّة، وتلك الثعابين اللعينة، فهل يرديه اليأس؟ “الثعابين لا تقتل الشجعان أبداً”. “ارم كل شيء خلفك، وتوجه فوراً لأقرب سلّم متاح، للبدء من جديد”. 

لا يقول (ماهر عبّاس) ما إذا كانت عربانته، باكورة إنتاجه الأدبي، رواية من وحي الخيال، أم سيرة حقيقية، يتعمّد أن يجعل القارئ مبلبلاً بين تفاصيل حقيقية حدّ اللمس، وتضليل هنا وهناك. لكن عبّاس، بطل روايته الحقيقي جداً، تمكّن طوال سرده لهذه الحكاية، أو هذه السيرة، أن يسمعنا صوته الداخلي بقوّة، أن يقبض على أنفاسنا، أن يبقينا منشدّين إلى معركته، إلى ما يبثّه فينا من أحاسيس ومشاعر وانكسارات ولحظات جميلة أيضاً، أن يجعلنا نتعثّر بين سلالمه وثعابينه، نسقط معه ثم  نفزّ قائمين: “الحياة معركة لا تنتهي إلا عند الاستسلام لها”. 

فراشة باسمة

هذه رواية لا تنتصر لأحد، ليس لأي من الأطراف المتقاتلة ولا المتصارعة، إنها تنتصر إلى الإنسان والأرض فقط، إلى ملح الأرض الأصيل. 

الذاكرة المطمورة

لا تقول «الأحقافي الأخير» للروائي العماني محمد الشحري (إصدار 2020)، إنها تتحدّث عن ثورة ظفار [1]، فما زال الكلام عن هذه الثورة ممنوعاً، ولا يؤتى إلاّ رمزاً، لهذا ترمز الرواية إلى أسماء الأمكنة والأحداث، لكنّها تتّسع في التفاصيل، وتمنح الواقع مساحة جامحة من الخيال بقدر جموحها.

يضع الشحري لروايته اسم «الأحقافي الأخير»، ينسب بطل روايته إلى بلد الأحقاف التي تدور فيها أحداث روايته، وهو اختيار يحمل مداليل كثيرة، فالأحقاف لغوياً ما استطال وأعوج من الجبال الرملية، وجغرافياً قيل أرض رملية بين عمان وحضرموت، وقيل فيها مساكن قوم عاد التي اندثرت وزالت بعد عقابهم بعاصفة رملية شديدة جداً طمرت المدينة بالرمال. 

فكأن التسمية في أحد وجوهها تربط بين كلمة الأحقاف (ما استطال واعوجّ من الجبال الرملية)، وما استطال من أحداث هذه الثورة وتداعياتها، وما أعقبها من عاصفة رمال القوات المتحالفة التي ضربتها وأخمدتها وطمرتها بالكامل تحت الرمال، كما طُمر ذكرها وصار مطلوباً نسيانها. لكن “الذاكرة هي الإنسان، وحينما يفقد الإنسان ذاكرته يفقد نفسه”.

الضحايا الأسهل

تجترح الرواية هذه الذاكرة بمهارة، وتلتفت إلى شقٍّ مغيّب فيها؛ الإنسان البسيط الذي لا طموح سياسي له، ولا انتماء إيديولوجي، ولا حاجة له غير الحرية، أبناء الجبل والبسطاء من الرعاة والسكّان الذين كانوا يحمون الثورة ويقاومونها في الوقت ذاته، لقد عانى هؤلاء من الطرفين المتصارعين وتألموا من الطرفين وتعرضوا للقتل والإعدامات والاتهامات بالتآمر والخيانة من الطرفين كذلك. إنهم الضحايا الأسهل في هذا الصراع.

يمثّل الأحقافي الأخير (علي سعيد) ورفاقه طرفاً ثالثاً ترسمه لنا الرواية، لا ينتمي إلى أي من الطرفين المتقاتلين على أرض الواقع: ثوار الجبهة، والحكومة وحلفائها. هو ثائر على الاحتلال والظلم، لكنه على مسافة من ثوار الجبهة، يستنكف أن يقتل أبناء الأرض الواحدة بعضهم البعض “تجد الأرض صعوبة في الانحياز إلى طرف من الأطراف المتقاتلة، كذلك الوضع في الأحقاف فكل المقاتلين أبناؤها، رضعوا معاً تراب الشقاء والتعب، ومع ذلك يوجهون فوهات البنادق  بعضهم إلى صدور بعض.. كيف تحولت الصدور إلى مخازن للحقد والغل؟”

للأحقافي رؤية ناقدة لطرفي النزاع: “نحن أصبحنا بين طرفين كلاهما يستخدم شعارات وخطباً أيديولوجية عاطفية، معظم هذه الشعارات مستوردة من خارج مجتمعنا، أما نحن ملح الأرض، فنعرف ماذا نريد، لا الجبهة بشعاراتها الشيوعية والماوية، ولا بروباغندا الحكومة بخطابها المصطنع ودغدغة المشاعر الإسلامية والقومية، يقنعوننا بمشاريعهم المرتكزة على عواطف عابرة لكسب الوقت والقوالب”. 

يعرّي الأحقافي أحد وجوه الصراع: “عندما أطلقت الجبهة أسماء مثل القمة الملحدة، ومدرسة لينين، أطلقت الحكومة أسماء ذات صيغة إسلامية على فرقها العسكرية: فرقة عمر بن الخطاب، وفرقة علي بن أبي طالب، وفرقة عمر المختار، متناسين أن عمر المختار شنقه الإيطاليون، وهم مستعمرون أوروبيون مثل الانجليز”.

الموقف لا الهروب

لا ينتمي الأحقافي إلى أي من الطرفين، هذا صحيح، لكنه لا يقف في الحياد، فالحياد أمام الظلم بلادة وتخاذل. أبقى الأحقافي نفسه على مسافة من الأطراف المتصارعة، ثم وضع أمامه هدفه الذي يريد “لا نريد إلا العدالة”، إنه موقفه الخاص الذي مضى إليه دون تردد. أن تبقى على مسافة بين طرفين لا يعني  وقوفاً سلبياً متبرماً بينهما، بل حركة متقدّمة عليهما. إنه ذهاب إلى الموقف لا هروب منه، مهما كلّف هذا الموقف من ثمن، “مشروعنا الذي لا نزال نؤمن به وسنموت دونه هو تحرير الإنسان من الخوف، خوفه من الأنظمة، ومن أخيه الإنسان”. 

ينشئ الأحقافي تياراً مقاتلاً حراً مستقلاً لا ينتمي إلى الجبهة ولا إلى الدولة، تيار لا هدف له غير تحرير الأرض والإنسان. “نحن شعب حرّ يرى قوة سلطته في ذاته”. هكذا يعلن الأحقافي موقفه الحازم “نحن لا نقاتل تلبية لشهوة القتل، ولا نخضع لسطان الانتقام والانتشاء بالدماء، نحن حملنا السلاح لطرد المحتلين الفارسي والبريطاني”. يقول الاحقافي الأخير.

نجحت الآلة الإعلامية الرسمية في تصوّير كلّ مقاتل بأنه شيوعي وملحد وكافر، ونجحت في تأليب الأحقافيين على بعضهم البعض، وفي التشطير المجتمع والتحريض على الوشاية والقتل. يتعجب الطيار الإيراني الذي وقع في يد فرقة الأحقافي بعد أن سقطت طائرته العمودية عندما يجدهم يقومون للصلاة. يسألهم متعجباً: لماذا تصلّون؟ ألستم شيوعيين؟ لقد أُرسل لمحاربتهم على أنهم شيوعيون، وكان يقوم بإلقاء القنابل عليهم حين سقطت طائرته بينهم فانتشلوه من الموت. يجيبه الأحقافي: “نعم نحن شيوعيون في إعلام آلة الدعاية البريطانية والحكومة التي تحاربنا، وهي تقول ما تشاء، لكننا كما ترى نصلي ونصوم ونخشى الله”. سيكون ما سيلقاه الطيار الإيراني بعينه من شهامة في التعامل وشجاعة وعفة وأنفة وصدق وكرم وحزم، ولادة جديدة له، ليصبح هو راوي هذه الرواية “أنا نشوان الحمري، ولدتُ لحظة الموت”.

المقاتل الأخير

لا يتأمّل الأحقافي من مشاركته في الثورة وصولاً إلى السلطة، بل تسليمها إلى الشعب “نحن نقدم أنفسنا كحركة تحررية وطنية تحاول تسليم السلطة إلى الشعب بدلاً من وضعها في يد قبيلة”. ولا يجد أن نهاية الثائر هي الوصول إلى السلطة، بل مراقبتها: “الثائر الذي صنع الثورة لا يحق له استثمارها، لأنه سيكون كمن فتح بقالة يسترزق منها. الثورات ليست دكاكين. الثائر إما أن يموت في تحقيق هدفه، أو يسلّم السلطة لغيره إذا تحقق النصر، وبعدها يعود إلى صفوف الجماهير فرداً لا سلطة له، يراقب مسار الثورة، أما إذا استفاد منها أو تقلّد مناصب فيها فهو خائن لها”. 

هكذا يسمعنا الشحري عبر هذه الرواية صوتاً جديداً داخل قلب تلك الثورة، صوت ثائر آخر يعيد تفكيك الثورة ويعيد قراءتها ويعيد لمس إنسانها وأوجاعه وصراعاته. وكأن الأحقافي هو المقاتل الأخير في الثورة، قبل أن تتمكّن العاصفة الرملية المدوّية من إخمادها، وطمرها بالكامل تحت رمال التاريخ المحرّم والممنوع من النبش.

[1]   ثورة ظفار (1965-1975). قادتها “الجبهة الشعبية لتحرير ظفار” التي صارت “الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل” لاحقاً، تمخّضت عن معارك ضارية بين المقاتلين المسلحين في ظفار من جهة، وجيوش السلطان والاحتلال البريطاني وحلفائهم من جهة ثانية. تم القضاء عليها في منتصف السبعينات بعد انقلاب أبيض نفذه السلطان قابوس على والده السلطان سعيد بن تيمور في 1970 واطلق مقولة “عفا الله عمّا سلف”، قبل أن تتم مواجهة الثورة بالاستعانة بالقوات البريطانية والحلفاء مثل إيران (الشاه) وغيرهم من القوى المختلفة.

فراشة باسمة

قراءة في رواية «المحيط الانجليزي» للكاتب والأديب البحريني فريد رمضان (إصدار 2018)

جانب من عرضي للرواية في منزل الصحافية عصمت الموسوي

“أكتب يا يعقوب، سيأتي الطوفان قريباً، ويغسل دماء تضيع أرض العرب إلى يوم الدين”
الشيخ رشيد حمدان

قيل أن مشقة قراءة كتاب جيد لا تقل عن مشقة كتابته. هذه الرواية أتعبتني في قراءتها، لكن تعبها كان لذيذاً. فهي فضلاً عن العمق الذي تحويه، فإنها أيضاً تشتغل على امتداد تاريخي وجغرافي وثقافي وعرقي معقد.
وضعتني الرواية في حومة لذيذة أحببتها، أثارت تساؤلات حول العرق والرق والعبودية والهويات المركّبة والمعقّدة، بقيت في حضورها طوال فترة قراءتي لها، وبقيت معي لأيام بعد أن انتهيت منها. وعندما عدت للمرور عليها للمرة الثانية بعد أكثر من شهر تحضيراً لهذه الجلسة، وجدتني أقرأ الكثير منها وكأني أقرأه للمرة الأولى، وشعرت أنني بحاجة لإعادة قراءتها مرة ثانية.


تتحدث الرواية عن غرق سفينة تاجر رق عربي قادمة من المحيط الهندي باتجاه بحر العرب، محمّلة في قبوها بالبضائع، وبفتية عبيد وفتيات، وسرّ ملعون سيكون سبباً في قرع طبول تحطّمها. سيتم انتشال الناجين على يد بارجة حربية انكليزية، وهنا ستبدأ رحلة السرّ وهي تعبر هذا المحيط المجنون.
سيتكشّف لنا هذا السرّ تدريجياً مع تنامي حكايات العبيد وتنامي شخصياتهم، سنشهد تحريرهم على يد الأب المسيحي وانشاء مدرسة خاصة لهم في مسقط وتلقينهم التعاليم المسيحية وتغيير أسمائهم ومحاولة دمجهم في الحياة. ستتطوّر الأحداث، قبل أن يتفرّقوا بين تخوم هذا المحيط في زنجبار وتنجانيقا ومكّة وميناء بومباي ومسقط والبحرين.
في حكاية أخرى تسير بشكل متواز مع الأولى، تأتي بعد عقود من حادثة غرق السفينة، سنعيش حكاية شاب بلوشي، تواجه قريته لعنة السرّ نفسه، ويضطر لحمله معه والهرب به بعد أن صارت حياته وقريته مهدّدة بالخطر، ليقع فريسة في يد قطاع طرق، يختطفونه مع آخرين، ويعبرون به ذات المحيط، ويجد نفسه معروضاً للبيع في عمان، ثم تتدحرج به الأحداث إلى البحرين.

تتشابك الحكايتان وتلتقيان في أحداث دراماتيكية مثيرة، وتسيران معاً نحو فكّ خيوط السرّ على مهل، فيما شخوص الرواية تتنامى وتكبر وهي تصارع ماضيها وتحاول تجاوزه. يتمازج هذا السرد الغني بالحكايات والأحداث والتفاصيل التاريخية، على امتداد عرقي وديني وجغرافي وثقافي كبير، مأخوذ بالأساطير والمعتقدات.
امتداد جغرافي واسع ومعقّد ذلك الذي يعبره فريد رمضان في روايته “المحيط الانكليزي”، وأحداث تدور في حقبة تاريخية لا تقلّ تعقيداً، بين نهاية القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين.
كل شيء في الرواية يدور داخل ذلك المحيط المضطرب والمنفلت، إنه ليس واحد من المحيطات الجغرافية الأربعة المعروفة، بل يحيط بحدود وتخوم البلاد المُستعمَرة تقع تحت نفوذ الأسد البريطاني، تحديداً بين المحيط الهندي (حيث بحر شبه القارة الهندية وبحر شرق أفريقيا) وبحر العرب. محيط يموج بالثروات والخيرات والكنوز بقدر ما يموج بالأعراق والأديان والمعتقدات والثقافات والأساطير، وبقدر ما يزخر بالحكايات العجائبية.
في هذا المحيط كل شيء قابل للبيع “الأرض والشجر والحيوان والبشر.
يقبض الأسد البريطاني على هذا المحيط الذي يؤمّن له (تجارته)، مقابل تأمينه (سلامة) سلاطين البلدان التي يستعمرها، لكنّه مع ذلك لا يتمكّن من إحكام قبضته على ما ينفلت من جشع القراصنة وتجارة البشر المربحة، ورغم تجريم الرق والعبودية وقيام السفن الحربية البريطانية بتفتيش السفن وحصارها ومصادرتها في بعض الأحيان، إلا أن لتجّار البشر منافذهم ودهاليزهم، كما للسلاطين مآربهم من هؤلاء العبيد.


لعبة مدَوزنة مشدودة رغم كل متاهاتها وتعقيداتها، اشتغال ثقيل في التاريخ محفور بشغف وانتقاء. تستحوذ عليك الرواية كما الضوء الأحمر الذي يأسرك في قبو السفينة الغارقة، وحتى آخر تتبّعك لمعرفة سرّه، لن تتمكن من الانفلات من لعنة ضوئه اللغز، ولا الإفلات من قبضة الرواية ولا محيطها.
في الرواية ستلتبس علينا الخرافة بالحقيقة وستختلط بالوهم، وربما وجدنا أنفسنا أحياناً أكثر ميلاً لتصديق الوهم الذي يحرّك مشاعرنا وخيالاتنا، فللوهم سحره الخاص على العقول والمشاعر. سنميل إلى تصديق أن اللعنة التي تسكن هذا الحجر، ربما لأننا أبناء ثقافة تقيم الاعتبار للوهم، وتستأنس به، وتستنكف الحقيقة. وفي كل الأحوال لقد ترك رمضان لنا نهاية روايته مفتوحة ليبقينا واقعين تحت أسر السرّ الأحمر، أو وهمه.


العبيد والرق هم لحم هذه الرواية. العبيد الذين يحملون لعنة لونهم لا يتحررون. الأطفال الذين انتزعوا من تيه أفريقيا أو من بلدانهم ووجدوا أنفسهم في متاهة على أرض العرب. كلّما غادروا سجناً دخلوا في آخر. غادروا سجن تاجر الرق ليدخلوا في سجن الارسالية وإن كان أكثر رحمة وأكثر إنسانية. لقد قالها الأب بيتر “علي الاعتراف بأننا حررناهم من أصفادهم، لكننا استبدلناها بأصفاد جديدة. لقد لقّناهم التراتيل والصلوات، وعلمناهم ممارسة الطقوس اليومية رغم ادعائنا بحرية اختيارهم الإيمان بديننا المسيحي”. لكن في النهاية تم تعميدهم كمسيحيين.
هؤلاء العبيد حتى بعد تحريرهم عليهم في كل مرة أن يبدلوا أسماءهم ويغيروا دينهم ربما ويغيروا لباسهم حتى يندمجوا في المجتمع الجديد. عند العبيد فقط إسمك ليس هو الذي أسماك والداك به، تلبس الأسماء وتستبدل مثل السراويل. على العبد أن يبدل اسمه ودينه وعاداته ولباسه كي يقبله المجتمع الجديد. عليه أن يقوم بالمهات التي لا يقوم بها أحد. عليه أن ينهض بالأدوار التي يستنكفها الآخرين.
يصل هؤلاء إلى المرافئ مع البضائع. “بشر سود وسمر رمت بهم سفن مجهولة عند مرفأ المنامة في أزمان مختلفة. أولئك الذين جاؤوا محمّلين في أقبية السفن لا على صدرها ليعيشوا في أقبية الحياة، والذين يلقون على الأرض مع البضائع القادمة في الميناء.
بعضهم يتحدث العربية والبعض يتحدث السواحلية والبعض الأعجمية باختلافاتها، وغيرهم من بومباي وبلاد السند وحضرموت، تجمعهم البطالة والفقر المدقع”. عبيدٌ أو معدمين، تختلف أعراقهم وألوانهم، يجتمعون على الفقر والعوز، ذلك الذي يجعلهم قابلين للقيام بأي مهمة، حتى القذرة منها. سيستخدم الشيوخ عوز هؤلاء الغرباء لتثبيت حكمهم وإحكام نفوذهم، وسيستخدمهم التجار لتكريس ثرواتهم وتفريغ نزواتهم وأهوائهم، سيوظّفهم الشيوخ فداوية لهم أو بطانة، وفي أجهزة الشرطة التابعة لهم. (مايك أو مسالمي أو سالم، تنفيذ وصية الاب واخذ صندوقه إلى أخيه صموئيل في البحرين/ ثم حارس شخصي للشيخ في المحرق/ الشرطة في القلعة/ رئيس العرفاء)

ستنفتح الرواية لدينا أسئلة كثيرة عن هؤلاء المتاجر بعوزهم، ونحن نشهد تحولاتهم وتقلبات أسمائهم وأديانهم كلّما رست بهم السفينة في مكان آخر داخل هذا المحيط المجنون.

ستثير الرواية أسئلة مثل:
كيف يمكن للرب أن يكرمهم وهم يحملون لعنة لونهم؟
كيف يمكن تحرير أرواح مسجونة في الماضي؟
حتى بعد أن يحاول هؤلاء العبيد نسيان ماضيهم، سيكتشفون أنه يبقى معهم يرضعونه لأبنائهم، هكذا تقول موانتي التي صار إسمها ماريا: “وأنت تحاول نسيانه وأنت ترضع أطفالك، وتكتشف أنك تغذيهم هذا الماضي المبرح”. الماضي لا يغادر العبيد. والعبيد لا يتحررون من الماضي.

سنحب الطفل (أتور/ استيفان لاحقاً/ ثم عابدين) بأسئلته المشككة دائماً: هل كان سيدنا المسيح عبداً حتى يقيد؟
وسنحبه وهو يرفض تغيير اسمه على يد المبشر المسيحي: ألن يعرفني الرب لو قابلته باسمي الذي أحمله؟
المفارقة أن أتور المتقد بالذكاء هذا، المشكك، والذي رفض تغيير اسمه، هو أكثر من عاش عبودية مضاعفة طوال عمره، ربما اسمه الأخير (عابدين) هو الأقرب لتوصيف عبوديته المضاعفة تلك، فقد اضطر في آخر عمره لإخفاء دينه، وتغيير اسمه للمرة الثالثة، وتحت تهديد لعنة دابة قتل نفسه ليخلّص العالم من شرها الذي يلاحقه أينما ذهب.


سندخل البحرين عبر ذلك المحيط الملعون أو المجنون. سندخل إليها عبر وصول يوسف وقبله مايك (أو سالم). وهنا سوف لن نجد غير الجنون. تقول الرواية عن يوسف بأنه “حاول أن يفهم موالج عقل ناسها وقياس صحة سلوكهم خاب أمله وفشل فشلاً ذريعاً” “بحرين بلد مجنون”، حتى صاحب يوسف كل مخابيل المنامة. ستتعجب من كل هذا الجنون الذي يسكن هذه الجزيرة الصغيرة، وقد تصدق أن للأمر علاقة برائحة البحر، وقد تتأمل درس بحر البحرين الذي علّمه أحد الربابنة ليوسف: “كل ما عليك فعله بعد أن تتشبّع من هذه الرائحة، هو مراقبة كيف تتغير وجوه المهاجرين بعد أن يستوطنوا هذه الأرض قادمين من أراض جافة أو صحراوية أو بحرية أو استوائية، وهي تتحول مع الوقت إلى عنصر بحريني مخفوق. كل البحار لا تنثر هذه الرائحة إلا بحر البحرين”!

فراشة باسمة

في أمسية لجمعية وعد بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل المناضل عبد الرحمن النعيمي والذكرى 16 لتأسيسها. عدسة الصديقة جميلة الوطني


إنهم يكرهون وعد لأنها وريثة المناضل عبد الرحمن النعيمي، جبل المبدأ الذي يُسمّي الأشياء بمسمياتها دون تزويق أو تخفيف، يضع إصبعه، بلا مواربة، حيث عمق المأزق السياسي الذي نعيشه، يغرزه تماماً حيث جذر هذا المأزق وتاريخه وحاضره وتداعياته. إنه الرجل الذي يسمّى الفئات المقهورة بأسمائها، ويستحضر تاريخ قهرها وواقع نبذها، ويشير إلى الاستبداد في وجهه، يستحضر حاضر ظلمه وبطشه، لا يمنعه من ذلك خوف أو مصلحة، ولا يعيق موقفه طائفة أو تيار فكري مختلف ينتمي إليه.

لقد ورثت وعد قوّة التسمية، وبهذه القوّة يحضر اسم الأب المؤسس لها، وعلى هذه القوة تتأسس شرعيتها الوارثة، وأعنى هنا وراثة خط وتراث النعيمي وهو في أوج حيويته وقوته وفصاحته المدهشة في تسمية المدلهمات السياسية. لقد عاش النعيمي في ضنك الموقف طويلاً، لكنه لم يخذل مبدئه وكرامته يوماً. قالها دائماً وظلّ وفيّاً لها: “سنقول لا باستمرار للظلم، وسندافع باستمرار عن شعبنا والمقهورين فيه، وعلى استعداد باستمرار أن نعيش حياة الضنك مع الكرامة، وعلى استعداد أن نواجه أسوأ الأوضاع ولا نركع”. 

يريدون لوعد أن تتخلّى عن هذا الإرث، أو تُسلب هذا الإرث بالقوّة، والأمر يدور بين الترغيب والترهيب. يمكن لوعد أن تبقى، لكن من دون أن تضع الأرقام على أبواب الفاسدين، ومن دون أن تحلّ الأزمات الصعبة بمعادلات اقتصادية رقمية بسيطة وواضحة، ومن دون أن تكون قريبة من الناس أو تدافع عن المقهورين أو تسمّي همومهم ومعاناتهم، يمكن لوعد أن تبقى من دون أن تحتضن الشهداء وتقبّل جبين آبائهم وتقدّم الورود لعوائلهم، يمكن أن يغضّوا الطرف عن وعد مثلاً، حين تقبل أن تسمّي الأزمة السياسية بأسماء الإرهاب والخيانة والعمالة والطائفية كما يريدون تثبيتها.

هنا تحضر ليبرالية وعد التي لا يمكن التشكيك فيها، إنها آخر القوى الليبرالية المؤسسة على حرية الفرد في أن يختار نظامه السياسي وحزبه السياسي واقتصاده السياسي بعيداً عن انتمائه العقائدي أو القبلي. يراد لوعد أن تتحول من وجود ليبرالي يسعى لتحرير الإنسان وتحرير عقله وقراراته وخياراته واحترامها أيّاً كانت إلى كيان مدجّن لا يملك حتى خياره السياسي ولا قراره التنظيمي، أن تتحول من كيان مهمته تعزيز العدالة وترسيخ المساواة واحترام الأديان والأعراق والطوائف والإنسان، إلى صدى أجوف يردد ما يراد له ومنه.  إنهم يكرهون وعد لأن حضورها الليبرالي المتفرّد يعطي لتسمياتها قوة في المجال العام، وهي قادرة بهذا الحضور أن تكون مصدر ثقة للآخرين في الإعلام وفي المؤسسات الدولية وفي العالم الغربي. 

يكرهون وعد لأنها تؤمن أن الوطن هو حق الجميع  في الفضاء العام المشترك، وهو المكان الذي ينبغي أن لا يرجف فيه الأمل ولا الإنسان، لذلك هي تبحث عن المشترك الذي يجمع أبناء الوطن ويوحدهم نحو الهدف الأكبر، وتقف صامدة أمام كل محاولات تفكيك علاقتها مع المقهورين والقوى الوطنية المختلفة التي تمثلهم، هكذا سار مرشدها الروحي في بناء علاقاته مع المختلفين وإقامة تحالفاته السياسية معهم: “التفتيش عن القواسم المشتركة بين الناس أو بين الحركات السياسية هو التعبير الدقيق عن نضج الحركة السياسية، ونضج القائمين على هذه الحركات، وشعورهم العالي بالمسؤولية تجاه شعبهم وتجاه الناس الذين يمثلونهم، وحرصهم الحقيقي على تحقيق الأهداف السياسية التي يناضلون من أجلها”. 

يكرهون وعد لأنها تؤمن بحق كل الشعوب، دون استثناء في ممارسة الديمقراطية، حتى لو كانت تخشى عواقبها أو تتوجس منها. فالديمقراطية مبدأ والعواقب تجربة. والإنسان ينمو بالتجربة ويتطوّر ويتصحح مساره، أما حرمانه من حقه في ممارسة الديمقراطية بحجة أنه غير مهيأ لها فتلك من مسمّيات الاستبداد. يقول الأب المؤسس: “سعينا جاهدين للوصول إلى قواسم مشتركة مع كافة الوطنيين من الإسلاميين والديمقراطيين، على أساس أن الوطن للجميع، وأن الديمقراطية حق لكل مواطن بغض النظر عن قناعاته السياسية وبغض النظر عن قناعاته في موضوع الديمقراطية، وبالتالي ما يمكن أن يصدر منه إذا استلم السلطة أو صارت لديه الأغلبية في المجلس النيابي، وحيث إن الموقف المبدئي هو الذي يجب أن يحكم في الوقت الحاضر، والأهداف السياسية المتفق عليها هي التي يجب أن توحّد صفوفنا في الوقت الحاضر”، هكذا يحث النعيمي القادة والسياسيين من الديمقراطيين والوطنيين: “حركتنا السياسية مطالبة بالبحث عن القواسم المشتركة الحالية وليس عما يمكن أن يكون عليه الحال بعد تحقيق المطالب الدستورية، حيث أن لكل حادث حديث، ولكل مرحلة تحالفاتها”.

يمكننا أن نقول باختصار، إنهم يكرهون وعد لأن صوت عبد الرحمن النعيمي ما زال يصدح فيها، يعيد لململة صفوفها كلما تعرضت لبلبلة أو ارتباك أو حيرة، وكلما داخلها هاجس أو رجف بها وعيد، إنه هناك معهم بابتسامته الواثقة والواثبة يتصدّر قلب قاعتها، وهو يسمعهم صوته في كل مرّة: “سندافع باستمرار عن شعبنا والمقهورين فيه، وعلى استعداد باستمرار أن نعيش حياة الضنك مع الكرامة”!

فراشة باسمة
مع مريم النعيمي وابنتها أمل

كلمة ألقيت ضمن احتفاء قرابة 100 امرأة بحرينية بأم أمل في يوم عيد الأم 21 مارس 2017

يحضرُ اسمُ مريم النعيمي، فتحضرُ ذاكرةُ المنفى، المهجر، البيت، الوطن. تحضرُ عند كلِ أولئك الذين مرّوا على بيتِ مريمَ في المنفى، فكان وطنهم الصغير، وكل الذين لم يمرّوا مثلي، لكنهم قرأوا الكثير، وسمِعوا عن ذلك الملفى الآمن، في ذلك المنفى القاسي.

سأتحدثُ إليكم اليوم بقلبِ مهاجرٍ فقد وطنَهُ الكبير، لكنه حيث منفاه ذاك، لم يجد بيتاً يشبهُ بيتَ مريمَ يأوي إليه كما كنتم تفعلون حين يُقسركم الوطن، أو يتعذّر عليكم، أو تخشون العودةَ إليه. 

يتذكّرُ المهاجرُ ذلك البيتَ الآن، كان يظنُّ أنه شيئا من التاريخ لن يحتاجَ إليه إلا كذكرى جميلةٍ وحميمية، يتذكره اليومَ كحاجةٍ وجودية، يتمنّى أن يجدَه في مهجره، أن يطرقَ بابه، أن يتدفأ بأنفاسِ مريم فيه، وهي تحتضنُ من عزّت عليهم أوطانُهم. هو لا يتذكّر تفاصيلَه بقدر ما يعيشُ تفاصيلَ الحاجة إليه.. 

لماذا نحن اليوم في بيتِ مريمَ ونحن في وطننا الكبير؟ لا أظنّ أننا جئنا فقط لنتذكر هذا البيت الذي كان مأوى وملاذاً في المنفى، ولا أظنّ أننا هنا اليوم لنُدفِئ قلبَ مريم َ

بالحبِ الذي نُكنُّه لها جميعنا، بل نحن هنا أيضاً، لأننا نفتقدُ في الخارج الوطنَ الذي يجمعنا، الوطنَ الذي يحنّ علينا، الوطنَ الذي يعطينا الأمل في الخير، كما تفعل أم أمل.. 

قد لا نختلفُ كثيراً عن حالِ ذلك المهاجر، ما أكثرَ المنفيين في داخل أوطانهم، أولئك الذين لا ملاذَ آمن لهم، ولا غد آمن لهم، ولا وجود آمن لهم، ولا صوت آمن لهم، ولا حرية لهم ..

“لم نعد نعلمُ من الذي هاجر، نحن أم الوطن”، كل ما نعرفَه أننا بحاجةٍ إلى مأوى رحيمٍ لقلوبِنا المتعبة، لجراحنا المثخنة، لأرواحنا المنفية، كلُنا بحاجة إلى وطنٍ صغيرٍ يشبه بيت مريم؛ المواطنةُ فيه محبّةٌ ودفئ، المواطنةُ فيه لا تسأل عن عرقك ولا مذهبك، تشعرك أنك لست وحدك، وأنك كثير بمن يختلفون عنك، ويختلفون إليك، ويشبهونك في الوطن. نحن بحاجة إلى مواطنةٍ تشبه قلب مريم حين كانت تحتضنُ الجميعَ هناك، تفترشُ لهم الأرض، وتشعلُ فيهم الأمل بإمكانيةِ انبعاثِ الوطنِ من جديد، وعودتِهم إليه. تهدئُ رجفةَ الخوفِ التي تزلزل قلوبَنا مما ينتظر هذا الوطن، وما ينتظرنا فيه.

نطرق بيتَك يا مريم، ليس من باب الذكرى ولا التاريخ، ولا الزمن الجميل، بل من بابِ الحاضرِ والآني، من أجلِ تلك الرجفةِ التي تُفقدنا الأمان.  

مريمُ يا أمّنا، أيتها المعنى الجميلِ للوطن، أرجوك، أرجوك، ابقي بابك مشرعاً، فكلُّ الأبوابِ مهدّدةٌ علينا بالغلق..

فراشة باسمة

أعترف أني شعرت بنوع من التثاقل، قبل البدء بقراءة كتاب الصديق علي الديري، الصادر عن مركز أوال للدراسات والتوثيق «إله التوحش.. التكفير والسياسة الوهابية» رغم إدراكي أهمية هذا الكتاب والعمق الذي يحويه. أقول تثاقلت، لأن التوحش الذي نغرق فيه، يجعلني -مثل غيري- نبحث عن كتاب نهرب به عن هذا الواقع الكريه، إلى نصّ أنيس، لعلّه يعيد لنا شيئاً من إنسانيتنا المفقودة، أو ينعش فينا حرارة الحب التي غابت عن قلوبنا وجوارحنا. وربما لأني أعتقد أن الخروج على الوجه القبيح للعالم يبدأ من إشاعة الحب، لا من إعادة نبش هذه النصوص القبيحة، كان داخلي يقول: قراءة نصوص هؤلاء المتوحشين، توحش آخر.

لكن ما إن دخلت، حتى وجدتني انزلق في قراءة سلسلة، ما يشبه رواية تاريخية مشوّقة ومتعمّقة، وإن كانت موجعة، رواية تعرض سيرة رجل وسيرة دولة، تمر عبر اتفاق تاريخي مفصلي، وقع شفاهة بين رجلين: رجل ملّة ورجل دولة. كان الأول بحاجة إلى قوة السلاح لينشر دعوته، والثاني بحاجة إلى العزّ والتمكين. هكذا أطلق رجل الدولة القوّة في يد رجل الملّة، مقابل ما وعده به الأخير “وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين”. كان ذلك اتفاق الدرعية في العام 1744م، بين الشيخ محمد عبد الوهاب، والأمير عبد العزيز بن سعود.

هذا التناول، صيغ بحسّ نقدي عميق، حسّ لا كراهية فيه، تناولٌ يتمنى تقديم مراجعة نقدية تؤسس لاستئصال هذه النصوص، التي لا ترينا غير صورة إله متوحش غريب، ودين روحه الكراهية والتقتيل.
لا يحمل هذا النقد مناكفة من ابن طائفة لطائفة أخرى، فعلي الديري الذي عُرف بمناكفته الثقافية اللاذعة لطائفته الاجتماعية ونقدها، لا يتناول في كتابه هذا طائفة تكفّر طائفة أخرى، بل (عقيدة) تكفّر المختلف وتستبيح دمه وماله وحلاله، مهما كان هذا الآخر مشتركاً معها في الطائفة نفسها، أو مختلفاً عنها في المذهب أو الدين. إنها عقيدة متطرفة عنيفة مبنية على البراءة والكفر، فمن لا يؤمن بـ(لا إله إلا الله) على طريقتها في التوحيد يُكفّر.

يأتي هذا الكتاب متقاطعاً ومتكاملاً مع كتابه «نصوص متوحشة» الذي صدر في 2015، فالديري مشغول بمحاولة فهم جذور التوحش الذي نعيشه اليوم، أو الوحش الذي سرق وجوهنا. وهو ينطلق من فرضية تقول أن خلف كل صراع عقائدي تقتيلي وتكفيري، أصل سياسي: “فتش في كل خلاف حول التوحيد وما يتصل به من صفات الألوهية عن السياق السياسي، لتفهم هذا الخلاف، وكذلك إذا أردت أن تفهم صراعات الفرق العقائدية والكلامية، فتش عن السياق السياسي”. ليس هناك أقوى من أن تضرب خصمك السياسي في عقيدته لتخرجه من الإسلام، فتشرعن قتله وتبيح التخلص منه.

يتتبع الديري في كتابه الأخير، كيف تحول كتاب دعوة هو «كتاب التوحيد»، إلى وثيقة حركة سياسية ودينية، ودستور دولة لاحقاً. وكيف صارت تلك (الدعوة) عقيدة حرب واختصام توسّع باب الشرك، وتفتح باب الكفر. كيف جُرّد مفهوم التوحيد من كل معاني الوحدة والإيمان ولم يعد يمثّل غير الخصومة والتبرؤ والتكفير والمحاربة فقط. وكيف جُرّد مفهوم الإسلام من كل معاني السلام، حتى أصبحت رسالته محصورة في الجهاد فقط. وكيف جرّد جميع المسلمين ممن هم خارج هذه (العقيدة) من الإسلام، حتى صار الاستثناء من الإسلام هو الأصل.

إنه ليس نبشاً للتاريخ، فالنبش يقتضي أن يكون المنبوش ميتاً أو منتهياً، لكننا هنا أمام حاضر له امتداد تاريخي. أمام نصوص معاشة وحيّة تعمل على تشكيل أتباعها وصياغة عقيدتهم وتوجيه تكوينهم وعلاقتهم بالآخر. نصوص لم يتم تجاوزها كتاريخ، بل ما زالت تدرس في المدارس وتنشر وتترجم وتعاد طباعتها وتوزيعها والتبشير بها والدعوة إليها في الداخل والخارج.

إنه الوجه الحقيقي الذي يلاحقني في حياتي ولا أستطيع الهروب منه مهما ذهبت إلى نصوص السلام والحب ونمت محتضنة إياها لعلها تراودني في أحلامي على هيئة حمامات سلام بيضاء.  ومهما هربت، عندما أستيقظ صباحاً، لن أرى غير جرائم الوحش وهي تزلزل أسى العالم!

فراشة باسمة
جانب من المشاركة في أمسية جدل بمناسبة يوم الفلسفة العالمي

الفلسفةُ بنت الأسئلة. تُعرف الفلسفة بنوعية أسئلتها وتُعرَّف بها، تتغيّر حين تتغيّر أسئلتها، تكتسب صفة القِدم والجدّة بقدم أسئلتها أو جدّتها، مع ذلك لا تموت أسئلة الفلسفة وإنما تُستعاد، وفي كل استعادة تولد من جديد.

لو أردنا أن نفرّق -بشكل اعتباري غير صارم- بين الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة، يمكننا أن نقولَ باختصار، أن الفلسفةَ القديمة تبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، بينما الفلسفة الحديثة تبحث في ضوء النهار عن الإنسان، بمصباح إنسان آخر.

الفلسفةُ القديمة تسأل عن البعيد وتنسى القريب، والفلسفة الحديثة تسأل عن القريب، ولا تنسى البعيد. 

القديمة تسأل عن الأصل، عن الآلهة، عن العلة، عن الجوهر، عن المحرّك الذي لا يتحرّك، عن مُنشئ الكون، والحديثة تسأل عن الفرع، عن العَرَض، عن السبب، عن الإنسان الذي يتحرك، عن مُنشئ العلاقات الاجتماعية، والروابط القريبة. 

الفلسفةُ القديمة غارقة في الميتافيزيقا، فيما بعد الموت، في الغيب، فيما فوق القمر، في الخلود، والحديثة غارقة في الوجود، في الحياة، في الحاضر، فيما تحت القمر. إنها غارقة في الإنسان، ما يخص أشكال وجوده في هذا العالم، وجوده على شكل نوع اجتماعي، على شكل فرد، على شكل جماعة، على شكل مجتمع، على شكل دولة، على شكل عرق، على شكل هوية، على شكل دين أو طائفة أو مذهب.

 إنها تسأل عن كل هذه الأشكال وكل هذه الوجودات، تهتم بما يجعل هذه الوجودات المختلفة والمتباينة -كلّها دون استثناء- تعيش حياة طيبة، تسأل عما يجعل هذه الأشكال تقيم علاقات طيبة فيما بينها، وتبحث عن قواعد تجعل العلاقات الإنسانية ممكنة، مدنية ومسالمة، متعايشة ومتسامحة. 

لهذا تشتبك الفلسفة الحديثة مع باقي علوم الإنسان وعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، فيما الفلسفة القديمة تعتبر نفسها أم العلوم وأصلها وشرفها.

الفلسفةُ القديمة تسأل عن السلطة العمودية، عن الخضوع للنظام الكوني والأوامر الإلهية، عن حقّ الإله الذي في السماء على البشر، تقيس الشاهد (الإنسان) على الغائب (الإله)، والحديثة تسأل عن شرعية السلطة في الدنيا، تسأل عن حق الإنسان الذي على الأرض، عن حقوق كل البشر، عن آلامهم وأوجاعهم، عن العقد الاجتماعي الذي يربط بينهم ويصون حق كل منهم، تقيس الشاهد (الإنسان) بالشاهد (العالم)، إنها تحدّ السلطة بالإنسان. تجعل السلطة عقداً بين البشر يمليه الإنسان، ويثريه بتجربته ومحاولته وخطئه ونقصه وتصحيحه.

 تسأل الفلسفةُ الحديثة عن الحرية، عن قدرة المرء على اختيار مصيره، عن قدرته على إعادة صنع ذاته باستمرار، عن وصوله إلى حقيقته الخاصة، عن قدرته على قول الحقيقة التي يؤمن بها دون خوف أو تهديد. عن سعيه -بنفسه- إلى خلاصه، بعد أن كان خلاصه مرهوناً بكينونة خارجة عنه متعالية عليه. صار على الإنسان أن يصنع خلاصه بعقله وعلمه وإرادته مستعيناً بخلاصات التجارب التي مرّت بها البشرية وتراكماتها. 

الفلسفةُ الحديثة تقول لنا إن تاريخنا ليس مفروضاً علينا، وأنه ليس مقدّساً ولا أبدياً، تدعونا أن ننفلت من سلطة هذا التاريخ وإرثه ومسلماته ويقينياته وصكوكه، ومن كل ما علق بنا من صراعاته وعداءاته وحروبه الدموية. لكن فيما هي تدعونا للانفلات من سلطته، و(القطيعة) معه، فإنها لا تقطعنا عنه مثل شجرة يقطع رأسها عن باقي جسدها أو جذورها، ولا تدعونا إلى الاستخفاف بهذا التاريخ والتبرؤ منه، بل تحرضنا على معرفته ودراسته وفهمه ونِقده ومشاكسته لكي نُنقذ حاضرنا، ننقذه من إرث هذا التاريخ وآثامه وآلامه ووحشيته.

لا تنسى الفلسفة الحديثة آلام المسيح، ولا آلام العظماء من الأنبياء والقديسين والحكماء، لكنها معنية بآلام الإنسان الآني، الذي تَتكسّر عظامه وتُنتهك حرمته وتُذلّ كرامته وتُمحق هويته. 

الفلسفةُ الحديثة تزيح السلطة من طريقها، لكي تعرف الحقيقة المعاشة، تزيح ما يحجب عنها ضوء الشمس، لكي ترى الحقيقه الآنية بعينيها، تقول للاسكندر المقدوني بكل جبروته ابتعد قليلاً فقد حجبت عني ضوء الشمس. إنها تجد مهمتها في مقاومة الطغيان الذي يريد أن يفرض حقيقته عليها في شكل سلطة سياسية أو دينية أو جماعة أو حزب أو مذهب، لهذا فهي لا تخضع لها ولا لرجالها ولا لإكراهاتها ولا لمغرياتها، وتعلم أنه ما لم تُزَح هذه السلطات، فإن الحقيقة ستظل محجوبة ومشوشة ومقيّدة ومزيفة. 

الفلسفةُ الحديثة هي فلسفة أكسل هونيث وراث مدرسة فرانكفورت، وهو يناضل ضد الإذلال ويدافع عن الحق في الاعتراف، هي فلسفة أستاذه هابرماس، وهو يتحدث عن المواطنة الدستورية، وهي فلسفة حنّا أرندت الملاحقة من النازية، وهي تحرّض الإنسان أن يثور من حيث تُنتهك هويته، وهي فلسفة جون لوك الذي يرى أن للفرد الحق في مقاومة السّلطة الغاشمة دفاعاً عن النفس. 

الفلسفة الحديثة ليست برجاً عاجياً، ولا هراءً نظرياً مسترسلاً كما يحلو للبعض أن يقولها مستهزئاً، إنها نضال، نضالٌ من أجل الاعتراف بالإنسان في أي شكل كان. تقول لنا أنه يستحق الحماية والاحترام بغض النظر عن جذوره الجماعية كلها، وأياً كانت لغته وثقافته وإثنيته ووطنه ودينه. الفلسفة نضال؛ مكانه الأرض التي نعيش فوقها، وميدانه الواقع الذي نصارعه، وموضوعه الإنسان الذي نمثله. 

وليس أخيراً..

الفلسفة الحديثة تسألنا عن الحب، الحب الذي يخرجنا عن طبع أنانيتنا، ويجعلنا نتجاوز ذواتنا لنفكّر في الآخرين والذين نحبهم..

تسألنا الفلسفة الحديثة: أيُ عالمٍ سنتركه لمن نحبُهم؟


جانب من لقاء الإعداد لأمسية جدل في مقهى مشق. مع الأصدقاء: علي البزاز، أحمد رضي، محسن المبارك، محمد المبارك


جانب من مشاركة الأصدقاء حضور أمسية جدل: حسين المحروس، غادة السيد، أميرة عيسى، وزينب السهلاوي  


فراشة باسمة

رواية « سماهوي» للكاتب والروائي البحريني حسين المحروس (إصدار 2016)

أيُ «سِماهوي» تلك يا محروس؟ لقد قرأتها مرتين، مرة وهي على وشك من كل شيء، ثم الآن وهي مذيلة بما تبقّى من توقيعك، وقد أعيد قراءتها مرة ثالثة ذات سلوم شمس، وفي كل قراءة يقع قلبي على خاصرتي، ويفيض بي البحر وأغرق، وأرى الوجوه الشفافة المتماهية مع الماء، والأسماء المتهادية فيه، وقناديل البحر.

«سِماهوي» تلك الأرض التي “لا موضع فيها يخلو من نخلة أو فسيل، للنخيل أسماء الذين هاجروا قسراً منها، وأسماء الفسيل مؤقتة لنية مهاجر”، إنها الموضع بين من هاجروا قسراً، ومن هم مستقرون على نية الهجرة. القرية التي لا تحارب، ولم تدخل في حرب قط، وأهلها الطيبون، المسالمون حدّ الفرح بالذنب، الذين لم يحملوا سيفاً، وكلّ ما لديهم هو سيف صدئ، “لا يقتل دجاجة، ملفوف في قماش أخضر، وله مقبض قلق من فضة، لا يخرج إلا في تشابيه لواقعة قديمة “.

لقد اختاروا أن يذهبوا بعيداً لعلّهم يعودوا سالمين “روح بعيد تعال سالم”، لكنهم لا يعودون، أو يعود ما بقي منهم بعد أن تضيع منهم الأسماء. الهجرة لا تنتهي في أرض كلّها شقٌ وجرح.

تفتح «سماهوي» شق الهجرة على جرح التنكيل. التنكيل الذي يقسرك على الهجرة، يجعلك تنفي نفسك بنفسك، تخرج عند سلوم الشمس خائفاً تترقب، تقطع بحراً لا يشرح صدرك، تودّع رائحة البحر العالقة فيك، النخلة المغروسة في تربة قلبك، تغادر صلابة جذرك، وخاصرة حلمك، ونعناع فرحك، وتجفف تين نفْسك. إنها الهجرة حيث لا طوبى للغرباء الذين يهاجرون منكلين، وطوبى للغرباء الذين يُستَبدلون مكانهم.

“لا تتحدث عن شيء لا تراه”.. «سِماهوي» تفتح فمّ المنفى على الكلام الذي لا يقال، على ما نراه، وتفرش الذاكرة على قدر غدر سلوم الشمس..

فراشة باسمة

بعد الإفراج (القصير) عن إبراهيم شريف في أبريل 2015، أجابني على سؤال عابر حول شعوره تجاه سجانيه قائلاً: “لا أحمل في قلبي كراهية تجاه أي كان، حتى من أساء لي شخصياً، حتى من ضربني وعذبني وسجنني بغير حق. لا أقول هذا لأني أريد ذلك، بل لأن قلبي يشعر بذلك. أنا أغفر لهم جميعاً”. أذكر أن عبارته تلك استوقفتني حينها بقدر من الحيرة، ثم نسيتها تماماً، واليوم حضرت إلى ذهني بقوة وأنا أهم بكتابة هذا المقال.

قيل أن التسامح اقتصاد القلب، فهو يلغي كُلف الكراهية الباهظة، ويرشِّد نفقات الغضب المتسرّعة، ويسقط تراكمات الأحقاد وديون الانتقامات. إنه اقتصاد من نوع آخر. 

وإذا كانت علوم الاقتصاد في أحد وجوهها معنية بترشيد (الكُلَف)، فإن الكراهية واحدة من أكبر (الكُلف) التي لا يمكن السيطرة على نتائجها في حال تفشيها. 

ليس غريباً أن يكون الخبير الاقتصادي إبراهيم شريف، خبيراً في اقتصاد الكراهية أيضاً، فهو الأكثر معرفة بكلف الكراهية التي تبدأ من القلب (الفرد) وتنتهي بتدمير الجسد (المجتمع) كاملاً، إنها تدمّير اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي، والدولة التي ترعى الكراهية في المجتمع، إنما هي ترعى دمارها وخرابها.

شريف حسم الكراهية في داخله، لكنه لا يستطيع حسمها خارجه، أو حين تتعلق بمعاناة الآخرين وآلامهم، يقول: “في مقابل الغفران الذي يخصني، لا يمكنني التغاظي عن معاناة الآخرين، ولا يحق لي طلب التسامح فيما يخص معاناتهم”. في هذه الحالة تقع المسؤولية على الدولة في احتواء الناس لكي لا تتطور معاناتهم إلى كراهية. 

الدولة التي ترغب في إنعاش وضعها الاقتصادي والسياسي، هي بحاجة إلى تبني فكرة الاقتصاد في الكراهية أولاً، فمن دون هذا الاقتصاد الأخير لا يمكن للاقتصاد الأول أن ينهض أو يقوم. الاقتصاد في الكراهية يمكنه أن ينظم شكل العلاقات الصحية في المجتمع، العلاقات التي تنتج مجتمعاً معافى وسليم. المجتمع الصحي وحده هو الذي يستطيع القيام بنشاطاته الاقتصادية الأخرى من انتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك بشكل مثمر وناجح. وهو المجتمع الذي يكون محط أنظار العالم للاستثمار والسياحة.

ولكونه اقتصادياً، فإن ابراهيم شريف ينظر دائماً إلى الكُلف قبل أي شيء آخر، الاضطرابات السياسية المستمرة والحروب الأهلية هي كلف للكراهية التي تنتجها الأنظمة المستبدة، إنها تستنزف الدول وتستنزف اقتصادها وإنسانها أيضاً، هكذا يرى شريف إلى الواقع الذي يحاول إصلاحه، كذلك أي حل سياسي مطروح يجب أن يُدرس من ناحية الكلفة لا من حيث الأُمنيات فقط. 

لا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة نظرياً لتكون مقبولة لدى شريف؛ لا بد من تقدير الكلفة أولاً. يقول في لقاء منشور: “أنا لا أرى فرقاً كبيراً بين النظام الجمهوري أو الدستوري، هذه قضية شكلية، لكن أنظر إلى الكُلف. إن أي حل ليس به شكل من أشكال التوافق بين السلطة والمعارضة، فذلك معناه أنه لن يكون هناك توافق بين الطوائف، هذه حقيقة. وإذا لا يوجد هذا التوافق فمعناه أن طرفاً سيفرض رأيه على الطرف الآخر. وهذا سينتج عنه إما انتفاضة مستمرة كما هي الآن، أو حرباً أهلية وهو الوضع الأسوأ. الخياران سيئان ولا نستطيع الاستمرار فيهما”. الوضع السياسي المتدهور كلفته تدفعها الدولة والسلطة تماماً كما يدفعه الشعب. 

على صعيد العلاقة بالمختلف، يقدم لنا ابراهيم شريف نموذجاً، ليس في الاقتصاد الذي تدرسه العلوم الاقتصادية، أي ما يتعلق بالنشاط البشري الذي يشمل إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك السلع والخدمات فقط، بل ما يتعلّق بالاستثمار في القلوب أيضاً. كيف يكون قلبك عابراً لطائفتك وتيارك الفكري ومعانقاً للآخرين بحب وتسامح. كيف تجعل مشتركاتك هي الاستثمار الذي تبني عليه علاقاتك مع الآخرين لا اختلافاتك. إنه يراها من حيث تقدير الكلفة أيضاً، “الجميع يعرف تبعات الخلافات على العمل السياسي، وليس على العلاقات فقط” يقول. 

من المؤكد أن شخصاً مقتصداً في الكراهية بالقدر الذي لا يشعر فيه بالكراهية تجاه سجانيه ومعذبيه، سوف يكون شعوره تجاه من يشاطرونه مطالب الإصلاح والتغيير أكثر حيوية ووئاماً، مهما اختلفوا معه في السقف السياسي أو التيار الفكري.  

بكل حب يقول الليبرالي ابراهيم شريف أنه وجد نفسه طوال 4 سنوات قضاها في السجن بين أهله وأحبائه، “كنت الوحيد بينهم الذي أنتمي لتيار مختلف، لكني وجدت نفسي بين أهلي وأحبائي”. الخلافات التي تُحضرها النقاشات الخلافية تنتهي بعناقات، هكذا بكل بساطة “عندما نختلف في الرأي.. أي بوادر للتوتر نتعانق وينتهي كل شيء”. المعانقة هي أنجح الاستثمارات التي يمكن أن تقوم عليها العلاقات الإنسانية. وربما كان السجن -من حيث لم يرد له- مكاناً مناسباً لهذا الاستثمار في العلاقة بين السياسيين، لقد وطّد العلاقة بينهم أكثر وجعل كل منهم يفهم الآخر أكثر بدلاً من أن يتقاطع معه. 

خرج شريف وهو يأمل أن يساهم في (تبريد أجواء) تخرج البلاد من (أزمة الكراهية) التي كلّفتها الكثير، كان يمكن للدولة أن تستفيد من خروج شريف في ذلك، وكان يمكن لها أن تستفيد من خبرته الاقتصادية في إخراج البلاد من الوضع الاقتصادي المخيف الذي ينتظرها، وأن تستثمر قلبه المقتصد في الكراهية من أجل إنعاش الوضع السياسي المريض الذي سلب وجهها الحياة. لكن الدولة رأت أمراً آخر؛ أعادته إلى السجن بعد أقل من شهر من إخلاء سبيله، وهي تحاكمه اليوم بتهمتي الترويج لقلب نظام الحكم، والحض على كراهية النظام! 

ما الذي يكرهه ابراهيم شريف فعلاً؟ أن يكره نظام شعبه. 

http://waad.me/details.php?artid=8613

فراشة باسمة

 

خارج التجربة لا شيء سوى التكرار. التجربة التي لا تعيشها لا تستطيع أن ترويها. نحن ممتلئون بتجاربنا التي نعيشها، والكاتب ممتلئ بما يرويه من هذه التجارب، وما يكتشفه من ذاته المتعثرة بين تفاصيلها. كل رواية للتجربة اكتشاف آخر للذات.

كان كتابي اليتيم “كالتي هربت بعينيها” أول علاقةٍ بيني وبين الكتابة عن التجربة الذاتية ومن خلالها. نُشرت على شكل حلقات في صحيفة «الوقت» في 2006، قبل أن تُجمع بين ضفتي كتاب، وتصدر في الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة الصحيفة مع كتاب آخر هو “بوابات العبور”؛ ملف آخر عمل عليه مجموعة من الصحافيين.

وبقدر ما كان مرهقاً ومنهكاً فكّ شيفرات تشكيل الذات، فقد كان ممتعاً ولذيذاً إعادة اكتشافها. كان ذلك أول ولوج واعٍ لداخل ذاتي الساكنة في عمق بحيرة تجربتها. وهو أيضاً، أول خروج حقيقي لها من غلاف التجربة المقدسة. عشت أثناء الكتابة وبعدها، لذّة معرفية وكشف خاصين، كشفٌ على طريقة من عرف نفسه فقد عرف كل شيء. الكتابة جعلتني أرى بعينين اثنتين وأطير بجناحين، لقد حررتني كما لم يحررني قرار الهروب الذي اتخذته في 2004.

هذه التجربة الكتابية نقلتني لأفق آخر في فهم حاضنتي الثقافية والحواضن الأخرى وعلاقتي بها، وبطبيعة الحال نقلتني لأفق آخر في الكتابة نفسها. بدأت التجارب الإنسانية تشكّل غواية خاصاً بالنسبة لي. وبحكم تحولي الفكري، فقد صار هذا النوع من التجارب يشكل موضع شغفي الأول، فتحني فيما بعد على كل أشكال التجربة الإنسانية (عقيدية، دينية، فكرية، ثقافية، اجتماعية، سياسية، مهنية… الخ).

بهذا الأفق أيضاً، رحنا في صحيفة الوقت؛ الصديقان علي الديري وحسين المحروس وأنا، نبلور فكرة ملحق خاص أسميناه «بروفايل». كان قائماً على النبش في عمق التجارب الإنسانية والدخول إلى سيرة المجتمع من خلال سيرة الناس الذين يعيشون فيه. وضعنا له تعريفاً: البروفايل هو الصورة الجانبية المواربة للمجتمع في الشخص، أو الصورة الجانبية المتوارية للشخص في المجتمع. أقرأ المزيد