الكُتاب

نصف جناح ونصف جسد

خارج أسوار المسارح الكلاسيكية وأستارها، وفي بيت تراثي قديم وسط العاصمة المنامة؛ بيت “القصير” في فريق الفاضل العابر للثقافات، اختار الفنان الشاب حسين عبد علي أن يقدّم عمله المسرحي الأول إعداداً وإخراجاً “عندما صمت عبدالله الحكواتي”.

 حوش كبير يتوسط بيت من طابقين، الطابق الثاني مفتوح على الأول، يطل من خلال شرفة داخلية كبيرة تحيط به من جهاته الأربع، وسقف مفتوح على احتمال مباغتة المطر. أقواس تراثية قديمة تحيط بالحوش من كل الجهات، تتدلى منها أفنار إضاءة صغيرة، الأقواس تفصل بين الحوش وبين غرفات يفيض منها عبق الخشب وشبابيك ذات زجاج ملون. لا شيء مصطنع في هذا المكان الذي احتضن العرض لمدة ساعة ونصف، ولا شيء متكلّف في هذا البيت التاريخي الذي بقى محتفظاً بروحه المفتوحة على كل شيء، ولا تزال تسكنه عائلة بحرينية أحسسنا ببعض حركتها أثناء العرض، كان اختيار هذا المكان لوحده إضافة ثرية لجوهر هذا العمل.

 مسرح خشبي بسيط تربّع على مساحة حوش البيت. وسط المسرح 3 صناديق مجوفة ومربعة الشكل، محفورة بأشكال هندسية جميلة، وضعت فوق بعضها البعض بشكل عبثي. ستعلب هذه الصناديق معنا طوال فترة عرض المسرحية وستأخذ لها كل حين شكل ومكان ومعنى مختلف. صفان من الكراسي الحمراء، تجلس تحت الأقواس مباشرة، تحيط بالمسرح من كل الجهات، ونجلس نحن فوقها، قريباً من كل شيء يتحرّك.

 ليس هناك ما هو خلف الكواليس، على الأقل هذا ما شعرت به، ستدخل لترى الفنانين يجلسون معك على الكراسي ذاتها، يتحركون، يرحبون بمن يدخل، ولن تلبث حين يبدأ عرض المسرحية أن تكتشف أنك تجلس معهم في ذات المسرح، فالبيت كلّه سيتحول إلى مسرح كبير، فوق، تحت، حتى باقي الغرفات..

 عبد الله السعداوي؛ الحكواتي، يفتتح المسرحية بحضور أبيض، وحكي لا يستل العفوية، بل يريقها إلى حسّك مباشرة، سيجلس متوسطاً المسرح، تحيط به ثلّة شباب يتقدون بالحركة والإبهار، وسينتقل بك السرد سريعاً وخفيفاً، وبكثير من الحركة التي تأخذك إلى صورة لا تراها كاملة، لكنك تعيشها تماماً، سيصمت عبدالله الحكواتي سريعاً أيضاً، لكن الحكي لن ينتهي، سيصير الكل حكواتياً يروي قصته، وستتكاثر الحكايا..

 سننتقل بين حكايا يسردها بأداء خصب ومشدود، كل من باسل حسين، ومحمد الصفار، ومحمود الصفار، ومحمد المرزوق، وبالطبع المدهش حسين عبد علي. سيشدّك الانسجام الهارموني المتناغم بين الفريق، وسيأخذك كل من السرد والأداء في دهشة حركته وتعبيراته، وسيحاصر عينك عن أن تطرف خارجه، كما ستشارك البطولة أيضاً، بضع قطع قماشات صغيرة، ستقول لنا حكي كثير في حكم الخيانة والعار وغباء الاستبداد والتفاؤل والحياة والموت.

 ساعة ونصف ستنتهي وأنت لا تزال في حضورك الكامل، قبل أن يحضر الجميع أمامك وسط المسرح عند نهاية العرض، ولتصفق بحماس لعمل يستحق الاحتفاء. استمتعت كثيراً بحضور العرض الأول في 20 ديسمبر، لا يزال العرض مستمراً حتي 25 ديسمبر لمن يرغب في حضور عمل مميز لطاقات بحرينية جميلة، شكراً حسين عبد علي، شكراً للحكواتية جميعهم..


بالنسبة لي، الثقافة ليست شيئاً آخر غير التحريض على التنوير والتحرير. هذان هما المشروعان اللذان يمكنني أن أفهم من خلالهما المدينة التي تطرح نفسها عاصمة للثقافة. الثقافة التي لا تملك مشروعها في تحرير الفرد من مختلف أشكال السلطات هي محض استهلاك. الثقافة التي يناهض مشروعها استبداد السلطة الدينية من جهة، ويقف جنباً إلى جنب مع استبداد السلطة السياسية، هي ثقافة عبودية أو مصالح. الثقافة التي يتغير موقفها تجاه الحرية بتغير (دين أو عقيدة أو انتماء أو عرق أو أصل) من يطالب بها، هي ثقافة كاذبة ومزيفة.


الثقافة لا تفرق بين سلطة وأخرى، ولا بين مطالب بالحرية وآخر، مهما اختلف شكل السلطة أو الفرد أو الجماعة. الحرية قيمة مطلقة وكل شيء يتبعها لا العكس. المثقف الذي يدعم الحركات المناهضة لاستبداد السلطة الدينية، ثم يقف صامتاً (أو معادياً) للحركات المناهضة لاستبداد السلطة السياسية، هو فاقد لمصداقية التنوير.


التنوير أشار إليه كانط على أنه خروج الإنسان عن حالة قصوره وعجزه، والتحرر هو جرأة اتخاذ الموقف للتخلص من هذا القصور. الشعوب العربية في ربيعها العربي أرادت الخروج من قصور عبوديتها نحو اكتمال حرياتها. أرادت أن تقود قصورها نحو الديمقراطية، أن تعيش تجربتها الديمقراطية الخاصة، وأن تكتمل بها وتتطور تدريجاً من خلالها.


الشعب البحريني، ليس خارج هذا السياق. طالما كان سباقاً، أراد أن يخرج من قصوره الخاص. أراد أن يطالب بحقوقه كشعب راق ناضج، لا كتابع ذليل. أراد أن يكون سيد نفسه، أن ينتخب حكومته بنفسه، أن يحاسب هو قصورها، أن يبتكر مؤسساته الشرعية التي تمكّنه من مواجهة قصور الاستبداد والفساد والتوزيع غير العادل لثرواته. السلطة تريد إبقاء الشعب في ذل قصوره إليها، في عبوديته المطلقة لها، في ركوعه وخضوعه واستسلامه. تريد أن لا يخرج عن عجزه أبداً، أن يكون تحت رحمتها، وتكون هي المتحكم المستأثر بكل شيء.


في مدينتي التي كنت أحلم أن أحتفي معها كعاصمة الثقافة العربية لعام 2012، صُدمت بالزلزال المكارثي الذي ارتجّ بنا منذ إعلان حالة السلامة الوطنية حتى اليوم. لا أحد يمكن أن يصدق، ما لم يكن قد عاش فعلاً ما حدث في البحرين خلال الأشهر القليلة الماضية. حلم 14 فبراير عرّى وجه هذه المدينة التي تتوج نفسها اليوم عاصمة الثقافة العربية. جعلها تخلع قناع الثقافة والتنوير والتسامح والتعدد والتعايش والحرية الذي كانت تروجه عن نفسها. وانكشف وجه ثقافتها الحقيقية، إنها ثقافة القتل، والعنف، والانتقام، والقصاص، والقمع، والتنكيل، والتعذيب، والإذلال، والتخوين، والكراهية، والسحق، والتجويع، والحرمان، والهتك، والدهس، والبلطجة، والوشايات، والتشفي، والميليشيات المسلحة، والتقسيم المجتمعي وإشعال الفتن الطائفية والمحاكم العسكرية. إنّها ثقافة تكميم الأفواه وأي صوت يطالب بخروجه عن قصوره السياسي.


في المدينة التي تتوّج نفسها اليوم عاصمة الثقافة العربية، صار من يطالب بخروج مؤسسات الدولة عن (قصور) استملاك القبيلة هو طائفي! ومن يطالب بخروج الشعب عن قصور عبودية السلطة هو خائن! من يطالب ببرلمان غير قاصر (كامل الصلاحيات) هو عميل! من يطالب بحكومة غير قاصرة (منتخبة من قبل الشعب) هو صفوي! من يطالب بدستور غير قاصر (يضعه الشعب) هو مجوسي! وصار من يقبل أن يعيش كامل قصوره وعبوديته شريفاً وطنياً!


في مدينتي التي ترفع شعار عاصمة الثقافة العربية لعام 2012، عشت أعنف صدمة ثقافية لمفاهيمي النظرية التي لطالما تغنيت بها، رأيت كيف تجعلها السلطة ــ عبر لعبتها المترهلة ــ تتكسر على أرض الواقع كأبشع ما تكون، رأيت كيف يسقط المثقفون فيها قبل البسطاء. رأيت كيف أننا بحاجة لرفع شعار تخليص المدينة من قصورها، لتكون مكاناً آمناً للحلم، قبل أن نحلم أن تكون عاصمة للثقافة.

http://al-akhbar.com/node/34861

DSC_6570

باسمة القصاب

يدعو أوباما في كتابه "جرأة الأمل"، من يريد أن يفهم الديمقراطية، أن يراها "كحوارٍ يجب إجراؤه، لا كبيت يجب بناؤه".

ما الفرق بين ديمقراطية البيت الذي يجب بناؤه، وديمقراطية الحوار الذي يجب إجراؤه؟

ديمقراطية البيت تُعطي معنى البناء الثابت (المستقر) غير القابل للتغيير. البيت المصمّم وفق مقاسات معديه ووفق مرئياتهم الخاصة. البيت يفرض على من يجيء تالياً أن يتكيف مع مقاسه المُسبق وتصميمه الذي لم يشارك في اختياره. عليك أن تكون خاضعاً لحدود هذا البيت وإلا لا مكان لك في غرفه وفي ساحته الخاصة، وإذا فرضت المستجدات من حولك إحداث تغيير ما، فإنك لا تغير أكثر من أثاثه أو بعض ديكوراته، ويبقى البناء هو ذات البناء. الهدم قرارٌ صعب ومكلّف وثقيل، وإعادة البناء غالباً ما تتطلب معارك وتضحيات وأثمان باهظة.

ديمقراطية الحوار الذي يجب إجراؤه، تفتحك على الممكن (الحوار) لا على الحاصل (البيت). هي مختلفة، من حيث أنها عملية استمرارية غير مرهونة ببناء مستقر يجب عليك أن تتوارثه جيلاً بعد جيل، وتبقيه كما هو إلا مع تعديلات طفيفة هنا أو هناك. البناء يتوقف بعد الانتهاء من انجاز خريطة البناء، بينما الحوار عملية جارية ومستمرة وغير منتهية. الحوار قابل للتغيير والنقض والتبديل ويمتلك القدرة على التلاؤم والتكيف مع المستجدات والمتغيرات وما يطرأ من أحداث. لذلك يمكننا أن نرى إلى الحوار على أنه تراكم والبناء على أنه وقف. ففي حين أن التراكم لا ينتهي ولا يقف عند سقف معين، فإن البناء له طاقة استيعابية محدودة يقف عندها.

في ديمقراطية الحوار ليس مفروضاً عليك أن تسكن بيتاً قديماً آيلاً للسقوط وغير قابل للترميم. البيت الذي تم تشكيله قبل قرون وفق مقاس القبيلة، هو بيت لا يستوعب مقاس الدولة الحديثة ولا يجيد التعامل مع مؤسساتها إلا من خلال قوانين القبيلة لا قوانين الدولة. ستبقى الدولة في هذا البيت غير منجزة حسب أستاذ علم الاجتماع عبد الهادي خلف. وسيبقى نظام القبيلة معطِّلاً دائماً لأي تغيير يتطلب الهدم. وسيكتفي في حال باغتته المستجدات وفرضت نفسها عليه، أن يغيّر قطع أثاث هنا وهناك، وأن يبتكر ديكورات حديثة هنا وهناك.

لا يمكن لديمقراطية أن تنجز إصلاحا حقيقياً داخل بيت أهلكه الاستبداد والفساد والسرقات. بيت ضلُع في مخططات ومؤامرات تستهدف شعبه. بيت أعمدته من تأزيم. الديمقراطية بحاجة إلى حوار يُجريه ميدان الشعب، لا بيتٌ تُجريه السلطة. حوارٌ قادر على مسائلة هذا البيت ومحاسبته وقلع رموز فساده. فخارج هذا البيت تنتظرنا العديد من القضايا والملفات العالقة والمتعلِّقة، بحاجة أن نوجِد لها حلاً. حلّها في الميدان العام الذي لا يوجد فيه بيت يملكه أحد من الناس، بل كل الناس.

حوار

عدسة: حسين عبد علي خليل

باسمة القصاب

متى سيعرف النظام، أن الجمهور الذي يخرج الشوارع محتفياً بمكرمة ملكية قدرها ١٠٠٠ دينار لكل أسرة، هو مختلف تماماً عن الشارع الذي يخرج ليعلن أننا أحرار ولسنا عبيد، وأن العبيد وحدهم هم من تُلقى إليهم المكرمات، وهم من يتلقفونها من أسيادهم مهللين مكبرين. أما الأحرار فهم يمارسون وجودهم ليكونوا شركاء فيما يستحقون، لا فيما يلقى إلى أفواههم من فتات خبز أو قطعة بسكويت محلاة بالزبدة.

متى سيدرك النظام، أن لقيمات العبيد، لا تستوعب خيارات الأحرار. فالأحرار، معوزين مادياً كانوا، أو متوسطين أو ميسورين، هم فيما يحققونه من عدالة مجتمعية تعمّ الجميع، أما العبيد، معوزين مادياً كانوا، أو متوسطين أو ميسورين، هم في مقدار ما يتحصلونه من هبات وعطايا.

****

ومتى ستدرك الأصوات التي استيقظت فجأة، على صوت مكتسبات الحوار، أن هناك فرقاً بين أن تدخل حواراً تتخطفك فيه عبوديتك، وبين أن تدخل حواراً تتقدمك فيه سيادتك؟ وأنه لا حوار يعوّل عليه، يقوم بين مجموعة من الرعايا يجلسون أمام أسيادهم في وضع السائلين، وأنه لا حوار إصلاحي حقيقي، مالم يكن بين طرفين متكافئن من الأحرار.

العبد سقفه سيده، فهو فيما يسمح له به سيده من سقف الكلام والمطالب والاقتراحات. وحين يعرض العبد مطالبه، فإنه يعرضها على نحو الرجاء والالتماس، وحين يقبل منه سيده ذلك، فإنه يقبله على نحو التفضل والتكرم. وحين يستجيب، فإنه يفعل لأنه يضمن أن سقف المطالب لن تمسّ مناطق نفوذه وصلاحياته وسيطرته، ولن تؤثر على يده الطولى المطلقة في كل شيء.

أما الحر فسقفه الحرية. الحرية بما تقتضيه من ضمان حق الاعتراف والعيش بكرامة وعدالة ومساواة ورفض الظلم والفساد والاستبداد، السيادة عند الحر ليست لُحكم أو نظام، بل لمبادئ ينتصر لها. النظام الذي ينقض هذه المبادئ، ويمعن في نقضها المرة بعد المرة، هو نظامٌ قابلٌ للتبديل، إن لم يتدارك نفسه قبل فوات الأوان.

هذا السقف الذي يحمله الحُر معه، هو سقف (غير مُعرّف) في ثنائية "العبد والسيد"، هو (مُعّرف) فقط في ثنائية "الحر والسلطة".

 

ميدان

عدسة حسين المحروس

باسمة القصاب

هل يمكن لخطاباتنا أن تغادر خصوصية لونها الواحد، وأن تأتلف مع لون غيرها، دون أن تتواجد معه في مختبر عمل واحد؟

مساء اليوم الأول من الاعتصام في الدوار (١٥ فبراير)، كتبت على صفحتي في الفيس بوك وفي تويتر: لن يتحول (دوار الؤلؤة) إلى (ميدان تحرير) حقيقي، ما لم يشعر الجميع على اختلاف توجهاتهم الدينية والفكرية، أنه المكان الذي يمثلهم جميعاً، وأنه يعبر عن مطالبهم ورؤاهم، لا أنه يمثل طيف واحد، أو لون واحد.

يبدو أن هذه العبارة لا مست حينها هواجس كثيرين علقّوا وأرسلوا. استشعروا مثلي أن بعض الهتافات بدت كأنها تنطق عن ثقافة خاصة. ورغم تفهمي للخلفية الدينية التي ترجلت منها تلك الهتافات بشكلها العفوي، إلا أني لم أجد بداً من الإشارة أنها تناسب سياقات دينية خاصة، لا تجمعاً مدنياً عاماً يدعو إلى الديمقراطية والحرية، ولا فضاءاً عاماً يشترك فيه الشيعة والسنة والإسلاميين وغير الإسلاميين. كان ذلك في اليوم الأول.

في اليوم التالي استطعت أن ألمس بوضوح، تراجع هذا النوع من الهتافات، وتكثيف الشعارات ذات الخلفية الوطنية العامة. شعار "لا سنية لا شيعية كلنا وحدة وطنية" كان الأبرز. سنجد أيضاً تنوعاً ملفتاً فيمن يصعدون المنصة ليلقوا خطاباتهم الوطنية، واستحضار لأناشيد وطنية.

الصديقة سعاد الخواجة من جانبها، وضعت على صفحتها في تويتر مساء (١٦ فبراير): أثناء مروري على الدوار، أحدهم على المنصة يصيح في الميكرفون: "نداء لأخواتي.. عليكن بالحشمة". بعد قليل تعود سعاد لتضع تويت آخر يشير إلى أن شاب آخر قد تدارك الأمر، حين أمسك الميكرفون ليقول فيما يشبه الاعتذار: "إنها مسألة حرية شخصية".

كان تداركاً سريعاً إذن. الخطاب الذي ينطق عن مخزون ديني، تم لفته إلى أن الميدان مكان مدني. والمكان المدني قابل لكل الصور المتنوعة. بل أنه يتسع ويثرى بكثرة ما يستوعب من تنوعات.

الخطاب بدأ يتنقح أكثر بعد العودة بتاريخ(١٩ فبراير)، إثر ما عرف بيوم تحرير الدوار. بدا أكثر حرصاً على الاحتفاء بالتنوع الوطني المتواجد هناك، وأكثر اهتماماً بتشجيع هذه التنوعات لتصعد منصة الكلام. الأسود الذي كان طاغياً على نساء الدوار في اليوم الأول بدأ يداخله اللون. الألوان بدأت تشعر أنها ليست وجودات شاذة وسط السواد. والأسود بدأ ينسجم مع الألوان التي راحت تمازجه في حضور جميل. من هنا يمكننا أن نتحدث عن إئتلاف عملي، لا كلامي. فالألفة يخلقها الإلتقاء لا التباعد. لا ينشأ الإئتلاف وسط تباعد يفصل بين مكانين أو جماعتين، بل عبر اجتماعهما معاً في مكان واحد يأتلف بهما، قبل أن يأتلف بخطابهما.

هكذا تتعلم خصوصياتنا أن تغادر مناطقها إلى منطقة عامة ليست تخصها وحدها. وبهذا يُشهد لميدان اللؤلؤة أنه أول مختبر حقيقي يجمع ألوان فكرية مختلفة من إسلامية وعلمانية، يتهجون فيه حروفهم الأولى المشتركة، ويصوغون من فوق حشيشه، ومن تحت لؤلؤته الشامخة أعمدتها، أبجديات خطاب وطني مشترك

طفلة  طفل

❑ الثلاثاء ١٥  فبراير ٢٠١١

طفلة صغيرة لا تتجاوز الخامسة، تجلس عند خيمة صغيرة فُرشت لحمايتها من البرد، تحمل لافتة مكتوب عليها "نحن أهل سلم". آخر يحمل علماً كبيراً للبحرين، يفوق طوله بكثير، تكاد لا تلحظه لولا أن ترى علماً يبدو كأنه يتحرك وحده. فتيات يلتففن حول مجموعة من الأوراق البيضاء الكبيرة، يكتبن عليها شعارات باسم الوطن. شباب يفترشون الأرض، بعد صباح طويل، يتناولون وجبة خفيفة، أسألهم: وماذا عن نظافة المكان. يقولون: الفضلات نلقيها في هذه الأكياس، لا تقلقي فالنظافة أولاً. ابتسم وأغادر. تلك بعض التفاصيل القريبة. لكن ما إن ترفع بصرك قليلاً، ستجد حولك ألوفاً، وقوفاً، يتحلقون حول شعارات وهتافات تصدح حول دوار اللؤلؤة. الدوار المركزي في العاصمة والذي صار يوصف الآن بميدان تحرير البحرين، أو ميدان اللؤلؤ.

الآن عصر ١٥ فبراير. المحتجون وصلوا قبل قليل إلى الدوار قادمين من مراسم دفن الشاب علي مشيمع. قُتل برصاص الأمن إثر خروجه في مسيرة احتجاج سلمية أمس. الصباح كان ملتهباً وغاضباً. السخط الشبابي على رجال الأمن بلغ أقصاه، انفجر بعد قتل شاب آخر هو فاضل المتروك في مسيرة تشييع الأول وتخلف جرحى. صار الأمر أكثر هيجاناً. الجميع يصر على "سلمية"، لكن الشعارات لم يكن ممكناً كبح جماح غضبها.

بعد عنف الأمن المتواصل من صباح ١٤ حتى صباح ١٥، انسحب رجال الأمن. تزامن ذلك مع خطاب الملك الذي أبدى أسفه على فقد الشابين وأمر بتشكيل لجنة تحقيق. الإنسحاب بدا مراجعة من قبل الحكومة لعنفها، أو محاولة لامتصاص الغضب الذي بلغا سقفاً عالياً جداً. تُرك للمحتجين أن يمارسوا شعاراتهم في دوار اللؤلؤة. كانت هادرة ومنفعلة. مكبرات الصوت لم تحضر الميدان بعد. جماعات كثيرة تتوزع المكان يهتف كل منها بغضب.

لا تبدو الشعارات أنها تعبر عن المطالب الأولية التي دعت إليها البيانات السابقة لـ١٤ فبراير. المطالبة "باصلاح النظام" تحولت بعد أحداث اليوم الأول إلى مطالبة "باسقاط النظام". هذا عن الهتافات المتفرقة. لكن ماذا عن البيانات التي تمثل المعتصمون؟ لا تزال الرؤية غير واضحة في ذلك الصخب. 

لا شك أن الألوف التي افترشت دوار اللؤلؤة والمنطقة المحيطة، استلهمت من ثورة ميدان التحرير في مصر الكثير. سلمية الحركة هي الإلهام الاكبر. مع المساء كان ثمة تنظيم قد بدأ. مكبرات الصوت تحضر إلى الميدان. يتكشل مسرح يلتف حوله المعتصمون والمشاركون. تختفي التجمعات الصغيرة هنا وهناك، يتحول الجميع إلى مركز واحد حول نصب اللولؤة. يُعلن عن بدء تشكيل لجنان منظمة. يُدعى الجميع للمشاركة. تُنصب بعض الخيم. يُعد مسرح للخطابة. تُوظب شاشة بث مباشر. تُوفر بطانيات ووجبات طعام.

تبقى الشعارات بحاجة إلى أن تنفضّ عن ارتجالها المنفعل. أن تأتي بمقاس يسع التنوع والتعدد والاختلاف. أن تأتي محمولة على قلب وطن. ثمة من يعد (من فوق المنصة) بتوحيد الشعارات وتقنينها.

الوصول إلى الدوار يصير أكثر صعوبة. كذلك الخروج. شباب ينظمون حركة السيارات. يبدو الجميع وكأنه يتقبل الازدحام بروح مرحة. المكان يبدو أريحيا رغم سخونة الشعارات وانفلاتها. الوجوه تبدو أقل تجهماً وأكثر تبسماً. ربما شعور بأن شيء من الغضب أزاحه التعبير. ثمة ما يوحي بأن الناس هنا بدأت تتنفس. الأهم، أن لا رجال أمن يهددون الكلام. الطقس يلهم الأنفاس أن تستحضر قلب الوطن.

 

❑ الأربعاء ١٦ فبراير ٢٠١١

يوم قبل المجزرة.. يصلي المعتصمون سنة وشيعة صلاة ظهر واحدة. صفاً واحداً لا صفين. اللؤلؤ يحمي ظهورهم وفي عيونهم فضاء وطن.

الشباب يعيدون طلاء نصب اللؤلؤة. بالأمس، كتبوا انفعالاتهم الهائجة بعد عودتهم من دفن  الشهيد الأول. كتبوا: الشعب يريد إسقاط النظام. كتبوا: الله خلق الإنسان ليعيش حراً. كتبوا وكتبوا.. لكنهم اليوم أكثر تعقلاً وأكثر هدوءاً. ها هم يعيدون النصب نحو البياض، بل يزيدونه نصوعاً لؤلؤياً..

تمر مسيرة مناوئة تهتف باسم النظام. تحمل أعلام البحرين. من طريق الدوار تحديداً تمر، حيث المعتصمين. إستفزازاً؟ ربما. هتافات تناقض الهتافات. تتعالى الأصوات. الشباب المعتصمون يتجهون نحو مناوئيهم: سلمية سلمية، يقولون. يمدون لهم شيئاً من الحلوى. يبتعد المناوؤن عن الطريق.

قبل المجزرة بساعات.. أرى خيمة تجلس عند بابها سيدة أجنبية. وحدها تجلس وسط كل هذه الحشود المجتمعة. ألتقط لها صورة. تبتسم. أسألها ما إذا كانت صحافية. تهز رأسها بالنفي: فقط أعيش هنا في البحرين. كيف ترين الحدث؟ أسألها. بانفعال سعيد تقول: رائع ما أرى، جميل هذا الحراك، الناس رائعين ولطفاء، أنا سعيدة بتواجدي هنا.

قبل المجزرة بساعات أيضاً.. ألتقط صورة لفتاة تحمل حاسوبها الشخصي وتستند إلى جذع شجرة. ترافق عائلتها التي تجلس في طمأنينية بسيطة. وقريباً منها، أرقب لجنة الاسعافات الأولية تعد نفسها. تنظم أدويتها وأدواتها وترتدي ما يشير إليها. تختصر لها مكاناً صغيراً، وخيمة. شباب وشابات بلباسهم الأبيض يجهزون لطارئ بسيط يأتي. هل كان أحدهم يتوقع لوهلة، أن الطارئ الذي سيأتي فجراً بعد ساعات قليلة، لن يحتمله مجمع طبي كامل (السلمانية)، وسيفزع له طاقم طبي كامل.

قبل المجزرة بساعات أيضاً.. بالكاد أستطيع الحركة داخل الدوار.أخيراً أصل المنصّة بعد جهد وزحام. كلما اقتربت من المنصة صار الزحام أشد والحركة أصعب. المنصة هي هدفي عصر ذلك اليوم. مكنني من  الوصول توقف الهتافات استعداداً للصلاة، وانفضاض الناس إلى حد ما عن المنصة. أطلب الإلتقاء بأحد المنظمين. يسألني أحدهم: أي صحيفة تمثلين. أجيب: صحافة حرة تمثل نفسها. يأتيني أحد الشباب. نأخذ طرفاً للحديث. أسأله في كثير من الأمور. أقف أكثر عند الشعارات التي تبدو منفلتة وغير مروضة. يخبرني أنهم يعملون على التقنين. يشرح لي عن صعوبة التحكم في انفعالات الغاضبين: "لأول مرة نعيش تجربة كهذه. العدد كبير. وصل بالأمس في ذروته إلى ما يقارب ٤٠ ألف. صعب أن نتحكم في كل الشعارات والهتافات الصادرة من كل هذا الجمع. نحتاج قليلاً من الوقت لنسيطر على الإنفعالات ونوجهها. نعد بذلك".

أسأله عن شعار " الشعب يريد إسقاط النظام" إلى أين تذهبون بهذا الشعار؟ يؤكد: "لا يتجاوز اسقاط الحكومة، نريد مملكة دستوية. هذا سقفنا المتفق عليه. الناس لبسها الشعار لفرط ما ثبّتته التجربة المصرية. نحن نعمل على توجيه الشعار وتعديله بما يتناسب مع مطالبنا. لا نحتاج سوى لقليل من الوقت".

لكن.. لم يدرك الصباح الشعار ليتوجه نحو التقنين، ولم يدرك الصباح الميدان ليغسل وجهه بالضوء، ولم يدرك النيام أن يوقظهم سلام الأذان، فقد كان الليل يخطط لاغتيال الفجر، ولم تستيقظ الصلاة..

  اللؤلؤالفاتح 

أخلت السلطة الشارع من مدرعاتها وجنودها ورجال أمنها،

لكنها استبدلت خطة المواجهة بما هو أخطر..

فبدلاً من ضرب الشارع بالسلطة،

حولت الخطة إلى ضرب الشارع بالشارع

وقد بدأت الآن بمعركة الأرقام التي شهدناها منذ البارحة واليوم

هكذا تبرئ السلطة وجهها أمام العالم:

أرقام يصطدم بعضها ببعض

..

إنها الخطة الأبشع من أية خطة اتبعها نظام آخر..

وما لم نتفادى السقوط في هاويتها،

فإننا أمام حرب أهلية يرقص على جثثها النظام

صوت

عدسة محمد ديتو

باسمة القصاب

كاتب صحيفة الوطن، يوسف البنخليل يتساءل مقاله اليوم الإثنين (21 فبراير 2011): صوتنا وين؟. يقول "اتصالات كثيرة وحوارات متعددة تجري هذه الأيام، وتتساءل أين نحن من هذه الأزمة؟ وأين أصواتنا؟ بل وهل باتت أصواتنا مسموعة اليوم في هذا الصراع المرير الذي تشهده الدولة البحرينية؟"

الآن تسأل أين صوتك يا بنخليل؟ الآن بعد أن صار الحوار واقعاً؟ الحوار الذي بقى سنيناً ينشد أُذناً صمّاء، قبل أن يفرضه دم أبطال اللؤلؤ المواجه لدبابات السلطة الصماء ومدرعاتها. هؤلاء الذي كان صوتك حتى الأمس، يطأفن اعتصامهم، ويطعن في وطنيتهم، وفي أجندتهم، وفي شعاراتهم، ويصفهم بالشباب المغرر بهم، من أجل مصالح خاصة، ومن أجل أجندات خارجية. هؤلاء الذين صُمّ صوتك، عن كلمة حق إنسانية، تدين ما تعرض له نومهم المسالم، من مجزرة بشعة. أين كان صوت إنسانك؟ ولماذا لم يسأل حينها أين صوتنا من هذه الفاجعة؟

هل الآن صار صوتك يسأل أين نحن من الأزمة؟ هل هو حقاً سؤال أين نحن من الأزمة؟ أم أين نحن من طاولة الحوار، الطاولة المقامة على أعمدة أجساد ماتت وهي تصرخ "لبيك يا وطن"؟ لا بد أنك تدرك أي فارق كبير بين الصوتين.

قبل أن يصير الحوار (قراراً سياسياً)، لم نسمع صوتك يطالب. كانت المطالبة في قاموس هذا الصوت: تغريراً وتأزيماً وتحريضاً وتشويشاً. الآن صارت المطالب فرضاً واجباً؟ الآن "أصبح فرضاً الحديث عنها، والتحرك سريعاً لاسترداد صمتنا المطبق سنوات طويلة، بل عقود مديدة، أعتقد أن الوقت حان للخروج من صمت البيوت إلى التعبير عن المطالب والحقوق التي سكتنا عنها فترات لا نعلم مداها، ولا نعلم متى تنتهي"؟ الآن صار صمت البيوت وصمة عقود مديدة، بعد أن كان صمتها مواطنة صالحة.

أين كان صوتك؟

حين خرجت الأصوات والأبواق والزمارة والطبل، تعزف نشازها البارد على دم الضحايا في مسيرة الفرح يوم الجمعة. تلك الكرنفالية التي راحت ترقص بانتشاء وبلا حياء، على نبض الجنائز المفجوعة بضحاياها التي لم يوقف الكفن نزفها. خرجت ترقص في انتشاء مقزز، يخجل منه الحيوان، فكيف بالإنسان، وكيف، أكثر منه، بالبحريني الذي يحاول نموذج صوتك أن يمسخه؟!

كان الصوت يشتعل هناك حيث أعشاش العناكب تنسج لهذا الوطن خطافات الموت.

كان حيث تعلو أصوات الآسيويين هناك "أنا بهريني ‪from india".

كانت الصوت هناك..

العبيد لا أصوات لهم..

لكن رغم كل هذا.. لصوتك أن يحضر طاولة الحوار. فالوطن للجميع. هكذا يعلمك صوت الأحرار..

الكاميرا

عدسة حسين المحروس

باسمة القصاب

طالعنا تلفزيون البحرين بعد صمت رسمي قارب 12 ساعة، برواية رسمية يتلعثم ناطقها الذي يحمل ورقة مكتوبة في يده، يعود لمطالعتها كلما ضاع من بين يديه نسج القصة. يبدو أن السيناريو المكتوب وصله في وقت لم يكن كافياً ليتدرب على فن إلقائه بشكل يُقنع المشاهدين بحقيقته.

الشريط الذي عوّل عليه مقدّم الرواية، يرينا أحد رجال الأمن، يُلقي عبر مكبر صوت صغير، ومن مسافة بعيدة عبر الجسر المقابل للدوار، تحذيراً بإخلاء المكان. التحذيرات لم تزد مدتها عن ثوان ليبدأ الهجوم. يبدو أن رجال الأمن قد تهيؤوا بكاميراتهم لرصد ما يريدون رصده هناك. لهذا أتى رصد لحظة الأمر بالإخلاء.

لكن لم تُرنا كاميرا رصد رجال الداخلية، ولا لقطة واحدة، تثبت ما زعمته الرواية الرسمية، من هجوم المعتصمين بالسيوف والسكاكين والحديد والمسدسات. الغريب أنها لم تتمكن لسوء حظها أن ترصد هذا، رغم أنه لكي يستخدم أحدهم واحدة من هذه الأدوات البدائية (والشبيهة ببدائية جِمال بلطجية مصر)، لا بد أن يأتي راكضاً بها من مكان بعيد، ولكي يستخدمها بالشكل الذي ينتج عنه إصابات بليغة وقريبة في رِجل َرجل الأمن أو أردافه أو ظهره (بالشكل الذي أظهرته لنا المشاهد المرعبة للكاميرا الراصدة)، لا بد أن يصل بها من داخل الخيمة في الدوار، إلى قوات الأمن المتسلحة بالخوذات والدروع والهابطين من جهة الجسر على شكل صفوف يحمي بعضها ظهر بعض! كان يمكن لكاميرا الداخلية الراصدة أن ترصد هذا التحرك من بعيد، حتى وصوله قريباً من رجال الأمن. ليست لقطة واحدة ترينا هذا ولا ترينا رمي بالحجارة حتى؟!

الغريب الآخر، أنه ورغم ارتداء رجال الأمن خوذات الرأس، لا نعرف كيف جاءت معظم الإصابات المباشرة التي نقلتها لقطات تلفزيون البحرين على الرأس. وكيف لسيف أو سكين أن تخترق الخوذة الحديدية!

الغريب ليس الأخير الآخر، أن السيوف والسكاكين والأسلحة التي استخدمها المعتصمون الإرهابيون في الهجوم على رجال الأمن، لم نجدها ملقاة هنا وهناك في الطريق التي شهد المذابح الوحشية، بل نجدها لا تزال جالسة باستسلام، تنتظر اكتشافها من قبل رجال الأمن الذين مشطوا الخيم صباحاً، لها حسب الرواية، وحسب الكاميرا التي كانت تنطق عن صور فاقعة نهارها!!!

الكاميرا الراصدة، أيضاً، لم يسعفها رصدها أن تصور لنا علم حزب الله، الذي قالت روايتها أنه وُجد كان في الميدان مع السيوف والسكاكين والمسدسات والحديد.

واذا كانت مجموعة من المعتصمين النائمين الذين تمت مباغتتهم ومفاجأتهم في وقت هم في أقل نشاطهم البدني، قد خلفت كل هذا العدد من المصابين من رجال الأمن المتأهبين والمباغتين، فهذا يجعلنا نتساءل عن كفاءة هذا الجهاز المحصن بمسيلات الدموع والشوزن والأسلحة، وعن قوة ذلك الجمع المحصن بخيمه، والمباغَتَةِ سيوفه!!!

شباب الثورة

“هننتصر لأن معندناش أجندات .. لأننا مش بنفهم في السياسة والموازنات والتفاوضات وألعابها الحقيرة .. هننتصر لأن دموعنا بتخرج من قلوبنا .. لأن أحلامنا مشروعة .. لأن الحب عندنا فطرة .. لأن الأمل خلاص تملك كل واحد مننا .. هننتصر لأن الموت عندنا أغلى وأشرف من الحياة بدون كرامة .. هننتصر لأن مصر فوق الجميع”.

وائل غنيم (31 سنة). ناشط الكيبورد وصاحب الصفحة الشهيرة على الفيس بوك: "كلنا خالد سعيد".

****

الأحداث العظيمة التي تفتحنا على المستقبل لا تستوعبها المفاهيم مهما كانت عظيمة أو ثرية مادامت (هذه المفاهيم) صنيعة أحداث سابقة. الحدث العظيم دائماً يفتح مفاهيم جديدة، أو يعيد صياغتها في أذهاننا. الثورة المصرية اليوم هي حدث عظيم. وفيها من إمكانات المستقبل ما يحتاج منا أن نجترح لها مفاهيم جديدة، أو على الأقل نوسع مفاهيمنا القديمة لتكون على مقاسها.

الشباب وقدرته على صناعة الحدث، بالنسبة لي، هو واحد من تلك المفاهيم. أستطيع أن أقول، أن ما حدث في تونس، وما يحدث الآن في مصر، جعلني أعيد النظر في تصوري الخاص للشباب. كنت أرى شباب الألفية الجديدة تابعين ومستهلكين إلى حد كبير. الاستهلاك، لا أعني به هنا ذلك المرتبط بالبعد الاقتصادي فقط، بل بالبعد الفكري والثقافي أيضاً. لا فرق بين من أبهرته العولمة، وأفرغته من الموقف والمبدأ، وجعلته مستهلكاً تافهاً لأدواتها، وبين من غمرته أدلوجته (الدينية أو التنظيمية)، وشحنته بطوباويتها، وجعلته مستهلكاً تافهاً لخطابها.

بين هذين النموذجين كانت تتبدى لي صورة الشباب الآن. وكنت أتساءل بيني وبين نفسي عن الحدث الذي يمكن أن يصنعه مثل هذا الجيل في ظل حموة الاستهلاك (الثقافي والفكري والمادي) الذي يعيشه، والذي بدا لي، وكأنه متجاوب معه بشكل كبير، وغير مكترث باخراج نفسه من قمقته.

****

ما الذي غيره الحدث المصري في مفهومنا للشباب؟

كان حدث الثورة البلشفية والثورة الإيرانية وثورة يوليو المصرية، قد فتحت للشباب أنظمة آيدلوجية، وراحت تصوغهم وفقها، وتريهم العالم بمنظوراتها، وتوجه مستقبلهم ليكونوا أداة في سبيل تحقيقها. هم ليسوا صنّاع الحدث في هذه الثورات، هم الموضوع الذي يستخدمه الحدث ليكون واقعاً، وليحقق وجوده على الأرض.

في ثورة التحرير اليوم، الحدث يصنعه الشباب. جعلوا من حدثهم ثورة ضد ذاك الاستخدام التقليدي الذي يصير الشباب إلى مآلات تلك النماذج السابقة من الثورات. في هذه الثورة الشباب هم الذين يصيرون الأشياء إلى مآلاتهم. يصيرون (الحكومة ورئيسها ورأسها والقوى المعارضة والأحزاب التقليدية والقنوات الفضائية) إلى حيث نهضتهم. هم من يعطون للأشياء حضورها الجديد ووجهها الجديد، يحررونها من معانيها القديمة والتقليدية التي لم تنجح في أن تنتج لنا تحرراً حقيقياً من مآزقنا.

ساحة التحرير (التي ارتبط اسمها بثورات الانقلابات العسكرية، أو التخلص من الاستعمار التقليدي، وما يرافق ذلك من نشوء أيدلوجيات شمولية مغلقة)، هي اليوم ساحة حرية مختلفة. الحرية في ساحة التحرير، ليست تأتي من الإنعتاق من سلطة استعمارية، ولا من انقلاب عسكري، ولا من أي شكل من هذه الأشكال التقليدية، بل راحت تقدم لنا مفهوماً شبابياً مغايراً لحدث للتحرير، تقدمه لنا بعد أن شابت النماذج الأخرى وصارت بحاجة على إعادة تحرير.

الحرية في مفهومها الشبابي، هي التخلص من أشكال الآيدلوجيا وبقاياها، وأشكال الطوائف وأشكال الأنماط الأحادية. لقد جرى في ساحة التحرير تحرير الحرية من كل ذلك، ورأينا كيف أن التحرير في درجته الأولى هو التخلص من الأحادية وأنانيها الفجة. رأينا في ميدان التحرير كيف يتحول فعل التحرير إلى فعل احتضان. احتضان يجعل الواحد درعاً حامياً للآخر المختلف عنه لا المتماثل معه. هذا هو الحدث الشبابي، وهذه هي القوة الشبابية التي أصبحت فيها الثورة مقرونة بأمة من مواطنين، لا أمة (عرق أو طائفة أو آيدلوجيا).

****

كان النظام المصري، يستخف بهؤلاء الشباب واصفاً إياهم بأنهم "شوية عيال بتاع الفيس بوك". (عيال الفيس بوك)، أثبتوا أنهم بلغوا من النضج والحكمة، ما لم تبلغه القوى السياسية (الضاربة) في المجتمع، تلك التي مازالت عاجزة عن أن تحرر نفسها من قوالبها الجامدة. لقد وعى (عيال الفيس بوك) مأزق هذه القوى، وأدركوا بسجيتهم العفوية والبسيطة وغير المعقدة مأزق التحرر، فراحوا يقدمون نموذجهم الذي أدهش كل العالم.

شباب التحرير في ميدان التحرير، يخبرون قوانا السياسية (العتيدة) هذا، أن التحرير يأتي من خارج الأنظمة ومن خارج الآيدلوجيات ومن خارج الفضاءات الخاصة بالجماعات. لكنه في الوقت نفسه يأتي من داخل الفضاء العام، الفضاء الحر الذي لا يخص جماعة واحدة، بل يخص جماعة المواطنين العامة، ولا ينطق عن إرادة جماعة خاصة، بل عن إرادة عامة تخص الجميع.

يعي شباب ميدان التحرير، أن حركة الشعب يجب أن لا تنجرف باتجاه قوة سياسية تمثل جماعة خاصة. وأن الميدان يجب أن يبقى ميداناً عاماً، وللجميع. فبخبرة كهلٍ كبير، يحذر (عيّل) الفيس بوك (وائل غنيم) هذه القوى: "الوقت الآن ليس وقت تصفية حسابات، ليس وقت توزيع الكعكة، ليس وقت فرض آيدلوجيات"، الوقت الآن وقت مصر وحدها، وقت الإنسان المصري وكرامة الإنسان المصري وعزة الإنسان المصري.

يا عيال الفيس بوك، علمونا كيف نتحرر من موازنات الكبار، وكيف نعيش أحلامنا المشروعة..