الكُتاب

نصف جناح ونصف جسد

فراشة باسمة

رواية « سماهوي» للكاتب والروائي البحريني حسين المحروس (إصدار 2016)

أيُ «سِماهوي» تلك يا محروس؟ لقد قرأتها مرتين، مرة وهي على وشك من كل شيء، ثم الآن وهي مذيلة بما تبقّى من توقيعك، وقد أعيد قراءتها مرة ثالثة ذات سلوم شمس، وفي كل قراءة يقع قلبي على خاصرتي، ويفيض بي البحر وأغرق، وأرى الوجوه الشفافة المتماهية مع الماء، والأسماء المتهادية فيه، وقناديل البحر.

«سِماهوي» تلك الأرض التي “لا موضع فيها يخلو من نخلة أو فسيل، للنخيل أسماء الذين هاجروا قسراً منها، وأسماء الفسيل مؤقتة لنية مهاجر”، إنها الموضع بين من هاجروا قسراً، ومن هم مستقرون على نية الهجرة. القرية التي لا تحارب، ولم تدخل في حرب قط، وأهلها الطيبون، المسالمون حدّ الفرح بالذنب، الذين لم يحملوا سيفاً، وكلّ ما لديهم هو سيف صدئ، “لا يقتل دجاجة، ملفوف في قماش أخضر، وله مقبض قلق من فضة، لا يخرج إلا في تشابيه لواقعة قديمة “.

لقد اختاروا أن يذهبوا بعيداً لعلّهم يعودوا سالمين “روح بعيد تعال سالم”، لكنهم لا يعودون، أو يعود ما بقي منهم بعد أن تضيع منهم الأسماء. الهجرة لا تنتهي في أرض كلّها شقٌ وجرح.

تفتح «سماهوي» شق الهجرة على جرح التنكيل. التنكيل الذي يقسرك على الهجرة، يجعلك تنفي نفسك بنفسك، تخرج عند سلوم الشمس خائفاً تترقب، تقطع بحراً لا يشرح صدرك، تودّع رائحة البحر العالقة فيك، النخلة المغروسة في تربة قلبك، تغادر صلابة جذرك، وخاصرة حلمك، ونعناع فرحك، وتجفف تين نفْسك. إنها الهجرة حيث لا طوبى للغرباء الذين يهاجرون منكلين، وطوبى للغرباء الذين يُستَبدلون مكانهم.

“لا تتحدث عن شيء لا تراه”.. «سِماهوي» تفتح فمّ المنفى على الكلام الذي لا يقال، على ما نراه، وتفرش الذاكرة على قدر غدر سلوم الشمس..

فراشة باسمة

بعد الإفراج (القصير) عن إبراهيم شريف في أبريل 2015، أجابني على سؤال عابر حول شعوره تجاه سجانيه قائلاً: “لا أحمل في قلبي كراهية تجاه أي كان، حتى من أساء لي شخصياً، حتى من ضربني وعذبني وسجنني بغير حق. لا أقول هذا لأني أريد ذلك، بل لأن قلبي يشعر بذلك. أنا أغفر لهم جميعاً”. أذكر أن عبارته تلك استوقفتني حينها بقدر من الحيرة، ثم نسيتها تماماً، واليوم حضرت إلى ذهني بقوة وأنا أهم بكتابة هذا المقال.

قيل أن التسامح اقتصاد القلب، فهو يلغي كُلف الكراهية الباهظة، ويرشِّد نفقات الغضب المتسرّعة، ويسقط تراكمات الأحقاد وديون الانتقامات. إنه اقتصاد من نوع آخر. 

وإذا كانت علوم الاقتصاد في أحد وجوهها معنية بترشيد (الكُلَف)، فإن الكراهية واحدة من أكبر (الكُلف) التي لا يمكن السيطرة على نتائجها في حال تفشيها. 

ليس غريباً أن يكون الخبير الاقتصادي إبراهيم شريف، خبيراً في اقتصاد الكراهية أيضاً، فهو الأكثر معرفة بكلف الكراهية التي تبدأ من القلب (الفرد) وتنتهي بتدمير الجسد (المجتمع) كاملاً، إنها تدمّير اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي، والدولة التي ترعى الكراهية في المجتمع، إنما هي ترعى دمارها وخرابها.

شريف حسم الكراهية في داخله، لكنه لا يستطيع حسمها خارجه، أو حين تتعلق بمعاناة الآخرين وآلامهم، يقول: “في مقابل الغفران الذي يخصني، لا يمكنني التغاظي عن معاناة الآخرين، ولا يحق لي طلب التسامح فيما يخص معاناتهم”. في هذه الحالة تقع المسؤولية على الدولة في احتواء الناس لكي لا تتطور معاناتهم إلى كراهية. 

الدولة التي ترغب في إنعاش وضعها الاقتصادي والسياسي، هي بحاجة إلى تبني فكرة الاقتصاد في الكراهية أولاً، فمن دون هذا الاقتصاد الأخير لا يمكن للاقتصاد الأول أن ينهض أو يقوم. الاقتصاد في الكراهية يمكنه أن ينظم شكل العلاقات الصحية في المجتمع، العلاقات التي تنتج مجتمعاً معافى وسليم. المجتمع الصحي وحده هو الذي يستطيع القيام بنشاطاته الاقتصادية الأخرى من انتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك بشكل مثمر وناجح. وهو المجتمع الذي يكون محط أنظار العالم للاستثمار والسياحة.

ولكونه اقتصادياً، فإن ابراهيم شريف ينظر دائماً إلى الكُلف قبل أي شيء آخر، الاضطرابات السياسية المستمرة والحروب الأهلية هي كلف للكراهية التي تنتجها الأنظمة المستبدة، إنها تستنزف الدول وتستنزف اقتصادها وإنسانها أيضاً، هكذا يرى شريف إلى الواقع الذي يحاول إصلاحه، كذلك أي حل سياسي مطروح يجب أن يُدرس من ناحية الكلفة لا من حيث الأُمنيات فقط. 

لا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة نظرياً لتكون مقبولة لدى شريف؛ لا بد من تقدير الكلفة أولاً. يقول في لقاء منشور: “أنا لا أرى فرقاً كبيراً بين النظام الجمهوري أو الدستوري، هذه قضية شكلية، لكن أنظر إلى الكُلف. إن أي حل ليس به شكل من أشكال التوافق بين السلطة والمعارضة، فذلك معناه أنه لن يكون هناك توافق بين الطوائف، هذه حقيقة. وإذا لا يوجد هذا التوافق فمعناه أن طرفاً سيفرض رأيه على الطرف الآخر. وهذا سينتج عنه إما انتفاضة مستمرة كما هي الآن، أو حرباً أهلية وهو الوضع الأسوأ. الخياران سيئان ولا نستطيع الاستمرار فيهما”. الوضع السياسي المتدهور كلفته تدفعها الدولة والسلطة تماماً كما يدفعه الشعب. 

على صعيد العلاقة بالمختلف، يقدم لنا ابراهيم شريف نموذجاً، ليس في الاقتصاد الذي تدرسه العلوم الاقتصادية، أي ما يتعلق بالنشاط البشري الذي يشمل إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك السلع والخدمات فقط، بل ما يتعلّق بالاستثمار في القلوب أيضاً. كيف يكون قلبك عابراً لطائفتك وتيارك الفكري ومعانقاً للآخرين بحب وتسامح. كيف تجعل مشتركاتك هي الاستثمار الذي تبني عليه علاقاتك مع الآخرين لا اختلافاتك. إنه يراها من حيث تقدير الكلفة أيضاً، “الجميع يعرف تبعات الخلافات على العمل السياسي، وليس على العلاقات فقط” يقول. 

من المؤكد أن شخصاً مقتصداً في الكراهية بالقدر الذي لا يشعر فيه بالكراهية تجاه سجانيه ومعذبيه، سوف يكون شعوره تجاه من يشاطرونه مطالب الإصلاح والتغيير أكثر حيوية ووئاماً، مهما اختلفوا معه في السقف السياسي أو التيار الفكري.  

بكل حب يقول الليبرالي ابراهيم شريف أنه وجد نفسه طوال 4 سنوات قضاها في السجن بين أهله وأحبائه، “كنت الوحيد بينهم الذي أنتمي لتيار مختلف، لكني وجدت نفسي بين أهلي وأحبائي”. الخلافات التي تُحضرها النقاشات الخلافية تنتهي بعناقات، هكذا بكل بساطة “عندما نختلف في الرأي.. أي بوادر للتوتر نتعانق وينتهي كل شيء”. المعانقة هي أنجح الاستثمارات التي يمكن أن تقوم عليها العلاقات الإنسانية. وربما كان السجن -من حيث لم يرد له- مكاناً مناسباً لهذا الاستثمار في العلاقة بين السياسيين، لقد وطّد العلاقة بينهم أكثر وجعل كل منهم يفهم الآخر أكثر بدلاً من أن يتقاطع معه. 

خرج شريف وهو يأمل أن يساهم في (تبريد أجواء) تخرج البلاد من (أزمة الكراهية) التي كلّفتها الكثير، كان يمكن للدولة أن تستفيد من خروج شريف في ذلك، وكان يمكن لها أن تستفيد من خبرته الاقتصادية في إخراج البلاد من الوضع الاقتصادي المخيف الذي ينتظرها، وأن تستثمر قلبه المقتصد في الكراهية من أجل إنعاش الوضع السياسي المريض الذي سلب وجهها الحياة. لكن الدولة رأت أمراً آخر؛ أعادته إلى السجن بعد أقل من شهر من إخلاء سبيله، وهي تحاكمه اليوم بتهمتي الترويج لقلب نظام الحكم، والحض على كراهية النظام! 

ما الذي يكرهه ابراهيم شريف فعلاً؟ أن يكره نظام شعبه. 

http://waad.me/details.php?artid=8613

فراشة باسمة

 

خارج التجربة لا شيء سوى التكرار. التجربة التي لا تعيشها لا تستطيع أن ترويها. نحن ممتلئون بتجاربنا التي نعيشها، والكاتب ممتلئ بما يرويه من هذه التجارب، وما يكتشفه من ذاته المتعثرة بين تفاصيلها. كل رواية للتجربة اكتشاف آخر للذات.

كان كتابي اليتيم “كالتي هربت بعينيها” أول علاقةٍ بيني وبين الكتابة عن التجربة الذاتية ومن خلالها. نُشرت على شكل حلقات في صحيفة «الوقت» في 2006، قبل أن تُجمع بين ضفتي كتاب، وتصدر في الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة الصحيفة مع كتاب آخر هو “بوابات العبور”؛ ملف آخر عمل عليه مجموعة من الصحافيين.

وبقدر ما كان مرهقاً ومنهكاً فكّ شيفرات تشكيل الذات، فقد كان ممتعاً ولذيذاً إعادة اكتشافها. كان ذلك أول ولوج واعٍ لداخل ذاتي الساكنة في عمق بحيرة تجربتها. وهو أيضاً، أول خروج حقيقي لها من غلاف التجربة المقدسة. عشت أثناء الكتابة وبعدها، لذّة معرفية وكشف خاصين، كشفٌ على طريقة من عرف نفسه فقد عرف كل شيء. الكتابة جعلتني أرى بعينين اثنتين وأطير بجناحين، لقد حررتني كما لم يحررني قرار الهروب الذي اتخذته في 2004.

هذه التجربة الكتابية نقلتني لأفق آخر في فهم حاضنتي الثقافية والحواضن الأخرى وعلاقتي بها، وبطبيعة الحال نقلتني لأفق آخر في الكتابة نفسها. بدأت التجارب الإنسانية تشكّل غواية خاصاً بالنسبة لي. وبحكم تحولي الفكري، فقد صار هذا النوع من التجارب يشكل موضع شغفي الأول، فتحني فيما بعد على كل أشكال التجربة الإنسانية (عقيدية، دينية، فكرية، ثقافية، اجتماعية، سياسية، مهنية… الخ).

بهذا الأفق أيضاً، رحنا في صحيفة الوقت؛ الصديقان علي الديري وحسين المحروس وأنا، نبلور فكرة ملحق خاص أسميناه «بروفايل». كان قائماً على النبش في عمق التجارب الإنسانية والدخول إلى سيرة المجتمع من خلال سيرة الناس الذين يعيشون فيه. وضعنا له تعريفاً: البروفايل هو الصورة الجانبية المواربة للمجتمع في الشخص، أو الصورة الجانبية المتوارية للشخص في المجتمع. أقرأ المزيد

فراشة باسمة

defbook

“100 عام من العزلة”، الرواية الأشهر للاستثنائي الراحل حديثاً غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014)، كتبها في المكسيك عام 1965 وطبعت بعد عامين. يروي فيها حكاية عائلة تعيش في مكان معزول في أمريكا اللاتينية، تكاثرت على مدى 6 أجيال لمدة 10 عقود حتى صارت قرية كاملة تنتشر فيها الخرفات والخوارق والمعجزات، فحيثما وجدت العزلة وجد كل ذلك.

حتى ذلك الوقت، كانت “ظفار” الواقعة جنوب عمان، تعيش عزلتها عن العالم جيلاً وراء جيل، أريد لهذه المنطقة التي اتخذها الحكم عاصمة له وأدارها مثل إقطاعية خاصة، أن تكون معزولة وسط ثالوث الجهل والمرض والفقر، وأن يتربع الخوف عازلاً أكبر يحيل دون أية مواجهة أو رفض للاستبداد.

في 1965، أي في العام نفسه الذي ألّف ماركيز روايته (100 عام من العزلة)، كانت ظفار قد قرّرت أن تخرج على خوفها وعزلتها القسرية مهما كلّف الثمن. في التاسع من يونيو/ حزيران أعلنت ”جبهة تحرير ظفار” الكفاح المسلَّح رسمياً ضد الحكم الذي استرسل في غلق بوابة عمان عن كل العالم، وجعلها تتكاثر جيلاً بعد جيل وسط الجهل والفقر والمرض والخوف. لم تنجح الثورة في تحقيق هدفها العسكري في تحرير ظفار، وتم وأد الحلم كاملاً في منتصف السبعينات، لكن رغم ذلك، فإن هذه الثورة (بكل ما لها وعليها)، كانت البوابة التي أخرجت ظفار من بدائيتها وظلامها المطبق، وشكّلت بداية انفتاحها على العالم والتعليم والصحة.

ما علاقة كل ما سبق بالكاتب الروائي العماني أحمد الزبيدي (مواليد 1945)؟

“69 عاماً من العزلة” هي عمر الزبيدي وخلاصة تجربته كما أراها، فبينه والعزلة علاقة شائكة ومتوترة. كل شيء في حياة الزبيدي قادم من العزلة أو مهدّد بها. لعبت العزلة دورها في حياته منذ ساعة ولادته، وفي المقابل، لعب الزبيدي دوره في التمرد عليها طوال حياته، وأحياناً اختارها كموقف.

الزبيدي هو ابن ظفار، مولود في تيه عزلتها الأولى، وابن تاريخها العصي الذي تمردّت فيه على عزلتها المفروضة عليها. عاصر أحداثها الملتهبة بكل تداعياتها المعقّدة والملتبسة، قبل أن تُلجم الثورة، ويُلجم الكلام، ويصير تاريخاً ممنوعاً من التداول، وممنوعاً من الخوض فيه أو توثيقه أو حفظه، أي قبل أن تتحوّل ثورة ظفار إلى تاريخ معزول أيضاً. أقرأ المزيد

فراشة باسمة

basmsalman

قالت لي إحدى صديقاتي العلمانيات ذات مرة: “علي سلمان (زين)، بس لو ما كانت عليه عمامة”!

قالت ذلك مسكونة بهواجسها تجاه الاسلاميين السياسيين.

قلت لها، ولو لم يكن علي سلمان يرتدي العمامة سوف يأتي من يقول: “علي سلمان (زين)، بس لو كان ليبرالياً لا إسلامياً”، ولو كان ليبرالياً سيقال: “علي سلمان (زين)، بس لو كان من أصل سني لا شيعي كي لا يكون طائفياً”، ولو كان سني سيقال: “علي سلمان (زين)، بس لو لم يكن مختطفاً من قبل جماعة (الولي الفقيه) كما قيل عن المناضل الليبرالي السني ابراهيم شريف”. هذه الـ(بس) لن تكون الأخيرة، طالما أننا نبحث عن الـ(بس) التي تفرقنا لا الـ(زين) الذي يجمعنا.

كان لقائي الأول بالشيخ علي سلمان، وربما الوحيد، قبل 8 سنوات من الآن، في نوفمبر 2006، كنت أعمل في صحيفة الوقت، تفصلنا عن الانتخابات النيابية أيام، وأنا ذاهبة لكتابة بروفايل عنه ورأسي عامر بالتساؤلات والهواجس والبس بسات، فالعمامة كانت هاجس لي أيضاً، بعض تساؤلاتي متعلّق بمدى انفتاحه الشخصي الذي يعنيني كثيراً جسّه خصوصاً كون محاورته امرأة، والثاني يتعلّق بمحاولة فهمي لتركيبة الحار والبارد في هذه الشخصيته، كيف يجتمع الحار (السياسة) والبارد (الهدوء حد الاخفات) في هذه الشخصية؟ لقد نشرت تفاصيل لقائي به في بروفايل عنوانه: “الشيخ علي سلمان: مخفت جهر به سؤال الانقياد”. لا زلت حتى اليوم أحب هذا البروفايل وأعتز به. لكن ما لم أكتبه حينها، أنني عندما خرجت من لقائي به شعرت بتدفق شخصيته في داخلي، وامتزجت أريحيته الداخلية بمشاعري لأيام. قلت لأصدقائي البروفايليين بعدها على نحو واثق: “لقد أحببت هذا الرجل”. قلتها بدون (بس) رغم اختلافي مع مرجعيته الفكرية؛ شقّها الانقيادي خصوصاً.

ليس من السهل أن لا تحب الشيخ علي سلمان إذا عرفته، ما لم تكن خصماً (إنسانياً) له. لديه من الأريحية الشخصية، والانفتاح غير المتكلّف، والهدوء الداخلي، والصدق، والحب، والإخلاص للموقف، ما يجعلك تحترمه بدرجة كبيرة، إن لم تحبّه.

بعد أحداث 2011، وفي فترة الطوارئ صار الجميع أمام مكارثية التطهير، أمام نضح خطابات الكراهية، أمام حمّى الطائفية المستعرة، الغليان الذي بلغ مداه الأقصى، والتشطير المجتمعي والتجريم والتخوين وكل ما يوشك بالشارع إلى انفجار محتّم. وسط هذا الوضع المؤجَّج كان صوت علي سلمان يقاتل من أجل تحصين الشارع ضد اثنتين: الوقوع في دوامات العنف بكل أشكالها، والوقوع في دوامات الكراهية مع شركاء الوطن. أقول قاتل من أجل ذلك، لأن الانفجار كان وشيكاً جداً، ومعطياته كانت في أوج قوتها. ظلّ صوت علي سلمان (حاراً وقوياً) حين يوجهه ناحية مطالب الشعب السياسية العادلة والمشروعة، و(هادئاً حنوناً) حين يوجهه ناصحاً محباً إلى شركاء الوطن. لقد كان لهذا الصوت قوّته في تحصين الشارع المثخن بالجراح، من الانفلات في ردود فعل أريد له أن يقع في فخّها. حافظ صوت سلمان على موقفه الثابت 4 سنوات كاملة، لم ينحرف عنه يوماً تحت أي ضغط أو ردة فعل.

في هذه السنوات الأخيرة، رأيت الفرق بين (عمامة) شيخ علي سلمان، وهي تحصّن اتباعها ضد الكراهية والطائفية والعنف، مقابل (بعضٌ كثير) ممن كنا نراهم مثقفين وعلمانيين وليبراليين لا زالوا ينفثون دخاناً طائفياً بغيضاً ويشبعون المجتمع انقساماً وكراهية مرضيين. لهذا أقف اليوم هنا لأقول، أنا مع الشيخ علي سلمان (الزين) في موقفه السياسي والوطني والأخلاقي، وبدون (بس).

* مداخلتي ضمن الوقفة التضامنية مع الشيخ علي سلمان في جمعية الوفاق/ الجمعة 16 يناير 2015

فراشة باسمة
عدسة المصور عبدالله الستراوي

الوسط – جعفر الجمري

مذ «كالتي هربت بعينيها: جماعة الأمر وتشكُّل الذات المُغْلقة»، والتعلّق بالشفيف مما بعد عنوان «أثر الفراشة» لم نلمس أثر هروب فيما كتبتْ… فيما قرأنا. ثمة مباشرة في الموقف… اللغة لم تكن كذلك. كانت أنيقة في مكرها. هل ثمة مكر أنيق وآخر على الضد؟ ستقف على بعض ملامح ذلك ليس بعد قراءة «أثر الفراشة»، بل في الانشداد إلى إعادة قراءتها، وقليلة هي النصوص التي تغريك بذلك. لم يكُ يسيراً النفاذ إلى ما يقترب من يوميات بعمر دهر تلك التي كتبتها. باسمة القصاب بعد ما عنونته بـ «الهروب» الأول… ثمة تحولات لا مجال للهروب منها في لحظات مفصلية تعني أمة بأسْرها ووجوداً. قالت في لقاء «الوسط» معها ضمن حوار تناول موقع وموقف المثقف ضمن الحالة البحرينية بعد الأحداث والتحولات التي مرت بها قبل سنوات ثلاث: «المكر يجعل الكتابة أكثر إثارة وتحريضاً». كان للوشاية مساحة في التناول والتوصيف أيضاً. تحدّثت عن «الصحون» وأنماط الثقافة التي تُقدم من خلالها. الأنثروبولوجيون كانوا حاضرين في جانب من ذلك التناول. القصاب اسم فاعل في المشهد الثقافي لا يمكن تجاوزه، إلى تفاصيل الحوار:

 

سأبدأ من «أثر الفراشة» هل ثمة أثر لذلك الأثر بعد كل تلك السنوات؟

– «أثر الفراشة لا يزول» كما قال محمود درويش. نحن نتجاوز التجربة لكن يبقى الأثر في داخلنا إما أن يلهمنا أو يقوّضنا. أثر التجربة (الفردية/ الآنية) التي يعيشها أحدنا تصير فيما بعد مفتاحاً لرؤيته الخاصة لما هو أبعد وأكبر.

بالنسبة لي أعتبر أثر فراشتي (تجربتي) ملهماً. لاتزال تجربة تشكيلي كفرد داخل جماعة دينية صغيرة مغلقة (السفارة)، تغريني لقراءة ما هو أبعد؛ تشكيل الأفراد داخل الجماعات الكبيرة (العرق/ الدّين/ المذهب/ الطائفة/ الحزب). الصراعات والحروب التي نعيشها حولنا هي نتاج التكوينات المجتمعية التي تنتجها هذه الجماعات والثقافة التي ترسّخها في أذهان وسلوك أفرادها تجاه أنفسهم والآخر. الثقافة كلّها موضوع الأثر الذي لا يزول. ألم تُعرّف الثقافة بأنها «ما يبقى فينا بعد أن ننسى كل شيء». الثقافة هي الأثر. والأثر الذي لا يلهمنا يقوّضنا، وذلك موضوع شائك آخر.

 

اللغة التي كتب بها «أثر الفراشة» كانت بارعة في مكرها. لغة قالت الكثير بالنسبة إلى كثيرين. كثيرون أيضاً شعروا بهروب من خلالها. هل نحتاج إلى ذلك المكر والهروب؟

– الكتابة تتجلّى بالمكر. المكر يجعلها أكثر إثارة وأكثر تحريضاً على السؤال والتفكير والتأويل أيضاً. الكتابة التي تقول كل شيء لا تترك للقارئ ما يثيره ليفكّر فيه أو يبحث عنه. اللغة الماكرة استفزاز واعٍ. أعترف أنني كنت أمارس في كتابي «كالتي هربت بعينيها» مكراً وهروباً واعيين. لقد قلت تماماً ما أردت قوله عن تجربتي الجمعية، وما أردت قوله عن تحوّلي الفكري الذي كان سبب مغادرتي الجماعة وهروبي بعيني لأرى. نعم لقد هربت من إعطاء إجابات من تلك التي كانت الناس تريدها مني. أعتقد أن كتابي أثار من الأسئلة أكثر مما أعطى من إجابات. كنت أحاول أن أجعل القارئ يتلفّت معي للأثر البعيد لتجربتي، أن يقرأ بعينين هاربتين، لا بعينين ساكنتين.

هل نحتاج إلى كل ذلك المكر والهروب؟ في رأيي نعم، وخاصة حين يتعلّق الأمر بتحول فكري في مجتمع ديني، وحين تكون صاحبة التجربة امرأة.

 

بعد تلك التجربة والخروج من تلك الدائرة، هل كنت تتوقعين أن تشهدي صوراً وجوانب من «أثر الوشاية والمكر» مع الأحداث التي مرت بها البلاد؟

– في الحقيقة لم يفاجئني «أثر الشحن الطائفي» الذي تم توظيفه لضرب الحركة الاحتجاجية الشعبية عن طريق ضرب مكوّنات المجتمع ببعضها، فتلك حيلة معروفة ومتوقعة، لكن بالفعل صدمني ما شهدناه من (أثر الوشاية)، فتلك مشكلة أخلاقية لا طائفية ولا سياسية. أستطيع أن أفهم كم الخوف الذي تم ضخّه في الشارع المحسوب على طائفة معينة ضد الأخرى، أستطيع أن أبرّر هواجسه، لكن لا أستطيع أن أجد (أخلاقياً) ما يبرر فعل الوشاية. أقرأ المزيد

فراشة باسمة

-إياكِ أن تسمعي كلامهم يا إبنتي، إياك أن ترقصي أبداً!!

-لماذا يا أمي؟ أنا أحب الرقص جداً!

– حتى لا يقولوا “بنت المصرية” ترقص!


تجمع جيناتها بين مائين جليلين، ماء النيل العظيم وماء الجزيرة الساحرة؛ أم مصرية طبيبة (نادية) وأب بحريني طبيب (نبيل) زملاء دراسة في القاهرة. تعيش نهاد ميزة هذا التركيب المتسع بالحب والممتد جغرافياً وإنسانياً وثقافياً، لكنها بالمقابل، تعيش غربة انتماء وجودي يربك داخلها: “أريد أن أحدد مكاني على خريطة الانتماء”.


نعت «بنت المصرية» هو الجرح الأعمق الذي سكن وعي نهاد منذ طفولتها، وهو الذي أربك خريطة انتمائها، وبدلاً من أن يصغر فيها كلما كبرت واختطلت بالمجتمع، صار العكس، تحوّل إلى «عقدة»، لا من نصفها المصري الذي تفتخر به، بل من المجتمع الذي تخشى نظرته وتربّصاته لها فقط لأنها «بنت المصرية». أن يرى المجتمع إليها على أنها «نصف نصف» ظل تهديداً يسيطر على تفكير نهاد وشخصيتها وتصرفاتها ويضخّم ما تتوقعه من ردود فعل الآخرين تجاهها.


كانت نهاد (استشارية العناية المركّزة) وزملاءها أثناء دراسة الطب، يطلقون على استاذ الطب النفسي اسم «دكتور الكلام»، لم تكن مهنة الطب النفسي تروق لها حينها، لكنها أدركت فيما بعد، أن الكلام علاج آخر. ذلك أنه من رنين القلب يتكلّم اللسان، ولا يؤتى القلب إلا من اللسان.


لهذا كان إصدار نهاد لكتابها «بنت المصرية» مهم جداً بالنسبة لها قبل أن يكون كذلك بالنسبة للمجمتع. لا لأنه نتاجها الأدبي الأول الذي تواجه به المجتمع والعالم فقط (وهو طموح طالما حلمت به)، بل لأنه أطلق رنين قلبها بالكلام، وأخرجه من حيّز صدرها الضيق، إلى فضاء الناس والمجتمع والتداول. تبقى التفاصيل المؤلمة في داخل الانسان كبيرة حتى يفضّها بالكتابة فتصغر وتبهت وتفقد قدرتها على التكتّل والتهويش، وكلما كان أكثر جرأة على استدراجها وتحريرها من سجن الداخل، تحرّر معها ومنها.

ما الذي جعل «بنت المصرية» تتحوّل إلى عقدة اجتماعية في حياة نهاد؟ وهي المنحدرة من عائلة بحرينية معروفة، والإبنة البكر لزوجين طبيبين ناجحين ومميزين، والطالبة المتفوقة باقتدار في دراستها، والطبيبة الاستشارية المتميزة والمحبّة لعملها. هل هي الأم التي طالما أمعنت تحذير ابنتها أمام كل موقف وسلوك: “عشان ما يقولوش بنت المصرية”؟ والتأكيد عليها أن “ما يصدر من بنت المصرية ينظر إليه بنظرة مختلفة”؟ أم هو والدها الذي كان في بيته وحياته (مصرياً أكثر من المصريين) حتى تفاجأت نهاد بنفسها تائهة في أول يوم مدرسي أمام لهجة بحرينية لا تعرف منها شيئاً؟ أم هي زميلات المدرسة الصغيرات اللاتي كن يعايرنها بـ«بنت المصرية»؟ أم هي نظرة المجتمع وسلوكات زملاء الجامعة وأساتذتها؟ أم هي رهافتها وحساسيتها المفرطة؟ أم كلها جميعاً؟

تلك تساؤلات ستحاصرك وأنت تقرأ «بنت المصرية». لقد مارست نهاد مع نفسها دور (دكتور الكلام) الذي يحضر كل شيء من المنطقة المتوترة الى السطح. فتحت خيوط هذه العقدة ونثرتها بلغة بسيطة في 358 صفحة، لن تستغرق قراءتها أكثر من ساعات محدودة، أظهرت نهاد بعض الأحداث والتفاصيل، ولم تسعفها الجرأة أو الخصوصية في إظهار بعضها الآخر، لكن لن يكون صعباً فهم أن كل من ذكر أعلاه، كان له، بوعي أو بدون وعي، دوره في خلق وترسيخ عقدة «بنت المصرية» عند نهاد، بمن فيهم هي نفسها.

 


 دفعت نهاد الشيراوي من (رهافة شعورها) ثمناً مكلّفاً في كثير من المواقف. الطبيبة المعروفة بالبكاء على مرضاها (حنفية الدموع)، واحتضانها لأهالي المتوفين منهم ومشاركتهم البكاء، دفعت غالياً ثمن صورة التقطت لها وهي تبكي الشهيد عبد الرضا بوحميد لحظة موته، بعد أن تولت محاولة انقاذ حياته طوال 4 أيام في فبراير 2011. إنه حسّها الانساني الذي رفض التعوّد على الجثث السوداء في دروس التشريح، فكيف يحتمل أن يموت بين يديها شاب تسكن رصاصة الجيش في رأسه. كان ثمن دموعها تلك أكبر من اعتقال وأكبر من تخوين وأكبر من محاكمة وأكبر توقيف في العمل واستهداف متكرر رغم تبرئتها، كانت صدمة حسّ وإنسان. لم تذكر نهاد هذا الحدث في كتابها، ولا آثاره المؤلمة المباشرة على حياتها وصحتها النفسية، اكتفت بإشارات هنا وهناك، مع تبرير (حنفية) دموعها التي لا تعرف غير انحيازها للإنسان فقط.


لقد اختارت نهاد أن تفتح جرحها بالكتابة، وأن تهزمه بها. حوّلت ألمها وضعفها وعقدتها -إن صحّ لي القول- إلى إنجاز أدبي يعرّف بها ويقول عنها. تكرر نهاد خلال فصول كتابها أنها لا تزال تبحث عن الوجود الأعمق في داخلها، الوجود القادر على إخراجها من عتمتها الداخلية إلى نورها الخاص، النور الذي يبقى منها بعد أن تلف العتمة كل شيء، النور الذي يمنحها أجنحة تحلّق بها فوق الخرائط والانتماءات والأمكنة والناس. لعلّها وجدته أخيراً..

 

* بنت المصرية. نهاد نبيل الشيراوي. 2014. مؤسسة ابداع للنشر والتوزيع

فراشة باسمة

لا تدع حبّك يمضي دونك، فكل شيء خلق ليمضي، إلا الحبّ، خلق لتمضي معه وفيه وبه.


الحب، ذلك الكائن المفرط في خيلائه ونرجسيته وحساسيته، رصّه إليك برهافة، لا تدعه يشعر بأن أي شيء مما خُلق ليمضي، صار مقدّماً عليه، أو مخلوطاً به. الحب يخدشه الخلط.

كما يحتاج جسدك إلى الرياضة كل يوم، ونفسك إلى الترفيه، فإن حبّك بحاجة إلى التدليل كل يوم. دقائق قليلة من الإنفراد بالحب تكفي لتعبق بالكثير. لتصير سعادة تتدفّق، وينتشي الحب.

لا يقبل الحب إلا أن يكون في الصدارة، الصدارة التي يلحق بها كل شيء، ويعجز عن الوصول إليها أي شيء. إنها الصدارة الاستثنائية. يبقى الحب متجلياً طالما بقى واثقاً من صدارته متمكناً منها،  فإذا بهتت صدارته انكسر وانكمش على خيلائه، وسرعان ما يطأطئ أجنحة فراشته وينسحب، يجف عود الحب مثل غصن شجرة فقدت ماءها، يتكسر، ثم يموت. الصدارة ماء الحب.

لا تدع حبّك يفقد صدارته فيك، لا تترك حبّك يمضي دونك.

 

* اللوحة/ الفنان عبد الجبار الغضبان

فراشة باسمة
 
 

93_1_1

“تكاد الأجيال الجديدة تنسى أن الصحافة كتابة، والكتابة قلم، والكتابة، كما هو معروف، تصدر من الشعور والأعصاب لتفترش اللغة، وهذه ينابيع وجداول تُفتّحها وتهدر بها التجربة الحيّة ويُعْليها الصدق وتضمّخها المعرفة والخيال. الصحافي أديب يومي” أنسي الحاج.

 
تحتاج أحياناً، أو ربما كثيراً، إلى حجة في قوة أنسي الحاج، لتطمئن على أن ما يخفق في قلبك وعقلك وقلمك وأنت في الصحافة، هو ما تؤكده هذه الحجة.
 
ظللت أشك أن ما أذهب إليه بكتابتي الخاصة في الصحافة، ممكن أن يكون في الصحافة، أو أنني أضع الأشياء في غير محلها. خاصة مع تكرار أصوات تقول لي: ما تكتبينه ليس مكانه الصحافة. كانت كتابة أنسي في الصحافة إحدى، إن لم تكن أهم المرايا التي رأيت فيها بوضوح ما كان يعتمل في داخلي بغباشة. كنت أوقن وأنا أقرأ خواتم أنسي، وبعد قراءتي لتنظيراته حول الكتابة الصحفية أني لم أكن أكتب في المكان الخطأ. صرت أكثر ثقة أن لا أخضع لما بات يعرف بلغة الإعلام والصحافة، ولا أكون في الوقت نفسه خارج الصحافة.
 
كان أنسي يعلمني، ويحرضني، كيف تكتب عبارة مكتنزة بما فيك. قصيرة وغليظة بما يكفي. غارقة في الفكرة، لكنها ليست شعراً. كيف تمارس جنونك وجنوحك وأنت تكتب في “تجاعيد الممارسة الصحافية” اليومية. تلك التجاعيد التي أفقدت الكتابة الصحافية ماءها فصارت حرصماً هزيلاً.
 
كانت الصحافة العربية صنيعة أدباء، ليسوا من نوع اللفظيّين الإنشائيين، بل أصحاب الإلهام والابتكار وملهَمي الأسلوب كما يصفهم أنسي. كانوا طليعة حركة التنوير في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع العشرين. “الصحافة التي لم ينهض بها أدباء لم تترك أثراً”.
 
الصحافة دائما بحاجة إلى حكمة الأدباء في قول الواقع، وجنونهم ومرقهم ومشجّاتهم الدقيقة، وبالطبع إلى لغتهم المقاومة للتجاعيد، والأكثر من هذا، إلى إنسانهم.
اليوم هو السبت، وصباح السبت دائما يحيلني إلى خواتم أنسي مباشرة. اللغة كما أشتهي أن أرتشفها في كأس نقي. الحكمة كما تتجلّى في العشق والغواية والعبث والمراهقة والنقد المزعج واللاذع. كلما فرط خلقي من الضجيج اللا أخلاقي حولنا، وجدتني أجزع إلى خواتم أنسي استجمع إنسانيتي المتهتكة. لم يعد سهلاً لإنسانيتنا أن تجد من يرتق فتوقها التي صارت أوقع من هاوية. كان أنسي يفعل.
 
 
فراشة باسمة

“السماء الصافية تفكير بلا فكرة كحديقة كلها خضراء. قصيدة لا عيب فيها سوى إفراطها في الوضوح. تفتقر السماء إلى غيمة ولو عابرة لتوقظ الخيال من خَدَر الأزرق، وتفتقر الحديقة الخضراء إلى لون أخر”. محمود درويش.


لا يحب الروائي والمصوّر حسين المحروس، نص على هيئة سماء صافية أو حديقة خضراء، دائماً ثمّة غيمة تفتن السماء وتأتيها بالحيرة؛ غيمة «قندة»، أو غيمة «حوّام»، أو غيمة «مريم». في السماء الصافية تغيب التفاصيل المثيرة والمتحركة. السماء لا طعم لها دون قندة فارسية لا تذوب، أو حوّام على وشك من كل شيء، أو دون خضاب مريم والنسوة اللآتي لا يحتجن إلى أسمائهن. داخل كل واحدة من غيمات المحروس ماء يوشك أن يُمطرك حد الغرق. ربما لهذا سميت النسوة التي تسقي الماء بأنها (تُمطر) فيما يسمى الرجل (سقَّاء) كما جاء في نصّه الأخير «مريم». فالمرأة هي الغيمة، وسماء بلا غيمة لا تشي بالمطر، ولا تحرّض على غواية وشيكة.

عندما أقرأ نصاً للمحروس أخاله يكتب بعدسته لا بقلمه. النص عنده يأتي دائماً على هيئة صورة مجهرية، تتأنى للتفاصيل الصغيرة وتعبث فيها بمزاج رائق. التفاصيل عنده ليست ترفاً بل أدوات رؤية غميقة. عدسة المحروس يستفزها أن تنحرف إلى الموارب والشارد والمهمل والمنسي، ويستفزها أكثر أن تُدخل أقصى ما يمكنها من الضوء لتُخرج أدق التفاصيل التي لا تراها عيوننا العابرة، لهذا قلت أنها صورة مجهرية. وهذا تماماً ما يفعله في نصّه. لا تخلو تفاصيل المحروس من صورة تجعلني أدخل فيها، واقتناصات ماكرة تجبرني أن أتعثر بين ثناياها.


في نصّه الأخير “مريم” حضرت المرأة بكامل غيمتها، مطرة مطرة، حضرت لتهب الحياة أشكال فرحها، بخضابها وفرشتها ومراياها ورمانها ومزهريتها وألوانها، وغاب اسمها وحده. وبين هذا الحضور المتقد للشخص، والغياب المفرط للاسم، كانت عدسة المحروس النصية (لا الرقمية)، تأخذنا إلى صورة الخيط الأخضر، وضعته مريم في باطن خاتمها الذي اتسع بعد أن هزل جسدها، وتأخذنا إلى الإبرة التي تضعها مريم في ثقب أنفها حين تتعب من الخياطة، وربطة قماش الحجّامة التي حين تنثرها للبيع، تلوّن البرستج ذو اللون الواحد، والخضاب الذي يحب بعض النسوة فيترك لونه في أيديهن من المرة الأولى، ويحتاج إلى طرق يغمّقه في الأيدي التي لا يحبها، وفرشة أول العرس، وأول اللمس ووو…


لم تضع أسماء (مريمات) حسين المحروس، لقد أمعن في جعل أسمائهن أول ما يعرّفنا بهنّ، وأكثر ما يجعلهن صور حياة تتحرّك أمامنا. لقد أحضرهن غيمة غيمة.