فراشة باسمة

 

صحيفة الصباح العراقية. 16 أكتوبر 2022

أجرى الحوار: الروائي عقيل الموسوي

أثناء اشتغالي على رواية تنظر بمجهر في نسيج البحارنة، وتسلّط الأضواء على جماعاتها المختلفة، وما يجري بينها من تصادم أحيانًا، كان لا بدّ لي من وقفة مع تلك الجماعة المثيرة والغامضة، جماعة الأمر، المعروفة شعبيًا باسم جماعة السفارة. تبدأ الإثارة منذ تشكلت الجماعة في زنزانات السجن في الثمانينيات، والإرهاصات التي تلت ذلك بعد خروج المؤمنين بها من السجن، ثم ظهورهم من السر إلى العلن، وتأسيس جمعية التجديد الثقافية عام 2002. 

تقوم الجماعة على فكرة بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه، وهي أن زعيمها، حسب زعمها، له اتصال بالإمام المهدي، ويتلقّى منه تعليمات لتنظيم الجماعة. وبسبب الغموض الذي يلفّ الجماعة، لم أجد مصادر موثوقة عنها، إلا أولئك الذين خرجوا منها، وكتبوا تجاربهم. هناك ثلاث تجارب مختلفة متوفرة للباحثين. اثنتان على شكل حوارات أجراها الباحث الدكتور علي أحمد الديري المهتم بفهم جماعة الأمر منذ أكثر من عقدين من الزمن. 

الحوار الأول عام 1999 مع نرجس طريف حول تجربتها وخروجها من جماعة الأمر، وهو منشور على مدونة الباحث (هوامل الديري)، كذلك ضمّنته في كتابها (الخديعة الكبرى) الصادر عن دار المحجة 2008، ذهبت فيه بعيدًا في كلام مرسل من غير دليل لتقول إن جماعة الأمر عميلة للمخابرات الأمريكية. 

الحوار الثاني عام 2022 مع ياسر ابن الشيخ إبراهيم الجفيري الخارج أيضاً من الجماعة، وهي تجربة من صميم داخل الجماعة، تنطلق من مبدأ أن الخارج من جماعة الأمر ينبغي عليه أن يعلن توبته، ويتبرأ من الجماعة ويفضحها لكي تُقبل توبته. 

وهناك التجربة الفريدة للكاتبة باسمة القصاب التي نشرتها في مقالات في جريدة الوقت قبل 16 عاما، وأصدرتها في 2007، في كتاب تحت عنوان (كالتي هربت بعينيها، جماعة الأمر وتشكلات الذات المغلقة). أعادت نشرها مؤخراً، بعد أن أضافت إليها فصلاً سردياً كاملاً، هو الفصل الأول الذي امتد قرابة 90 صفحة، صدرت عن دار فراديس 2022. وثّقت تحولاتها الروحية، والرحلة الطويلة إلى داخل الجماعة بكل عنفوان الإيمان، ثمّ مرحلة الشك، وأخيرًا شجاعة الخروج من الجماعة. ثمة أمور فكرية وفلسفية مهمة طرحتها الكاتبة باسمة أغرتني للمزيد من النقاش معها. 

الحوار الذي بين أيديكم، هو نتاج ما دار بيننا..

الأدب والرأي 

عقيل الموسوي: بدايةً، رُبّما كان مُناسبًا أنْ نتذكّر بورخيس الَّذِي يقول: إنَّ الأدبَ أعمقُ من آرائنا، وأنَّ هذهِ الأخيرةَ يمكنُ أن تتغيَّرَ وأنَّ أدبنا لن يتغيَّرَ لأجل ذلك. وعليه سأتعامل مع نصّكِ: “كالتي هَرَبَتْ بِعَينِهَا، جَماعة الأمر وتَشكُّل الذّات المُغلَّفة”، على أنَّه أدبٌ وليس رَأياً، أدبٌ نَكتُبهُ وننكتبُ فيه.

باسمة القصّاب: أجد في كلمة الأدب استفزازاً جميلاً للتوقّف عندها. كثيرون يعبّرون عن كتابتي بأنّها أدبيّة، وهذا أَمرٌّ مُحبّب إليّ، لكنّه في الوقت نفسه يُثير لديّ تساؤلاً عمّا يعنونُه بهذا الأدب. في العصر الحديث يجري التّعامل مع الأدب غَالباً على أَنَّه فنّ استعمال اللُّغة والصُّور البلاغيّة، أي الجانب الجمالي، لكنّ الأدبَ في مفهومه التُّراثي أعظمُ من هذا بكثير، ويرتبطُ بالسُّلوك والأخلاق، إضافة إلى جمال اللُّغة.

كان الأدبُ مَوقِفاً أَخلاقياً من الحقيقة والخير، فضحٌ لِلهُرَاءِ والوَهْم والتَّزييف، تغيير وإصلاح، تهذيب وتعليم، ارتقاء بالفنّ والذّوق والأخلاق، الأدبَ كلّ هذا قبل أنْ يكونَ نظماً بليغاً. وإلاَّ كيف لممارسات مثل التّملّق، أو التّكسب أو الأَنانيّة أو الانتهازيّة أو التّحريض أو الوِشَايَة أنْ تليقَ بمَنْ يُسمّى أديبًا؟

عقيل الموسوي: كَأنّكِ تَشْرحِينَ بورخيس أكثر، وتَضَعِينَ تعريفًا بورخيسيًا للأديب؟

باسمة القصّاب: بالنسبة لي الأدبُ رُؤية، والرّؤية أبعد وأعمق من الرّأي. الأدبُ هو ما نُبلورهُ عبر رؤانا التي أَنضجتها تجاربُنا وعمّقتها بحوثُنا وقراءاتُنا وانشغالُنا واشتغالُنا وخُبراتُنا، أمّا ذلك الذي في غَفلٍ عن هذا كلّه يكون رأياً فقط؛ لهذا لا يُمكن أنْ نساوي بين عُمق الأوّل (الأدب) وبَساطة الثّاني (الرّأي).

في (كالتي هربت بعينيها) أروي تَجْرِبتي. ما تقوله التّجْرِبة هو رُؤية لا رأي. الرُّؤية مِفتاحٌ لقراءة الذّات والمجتمع. لهذا عندما ألّف ابنُ مسكويه كتاب (تجارب الأمم) وهو الفيلسوف والمؤرّخ والشّاعر، أراد عبر كتابه تقديم الرُّؤية التي تكوّنت لديه، فقد كان شاهد عِيان على دسائس السّياسة في دولة بني بويه في القرن الرّابع الهجري، أراد بما كتبه الإفادة من تجارب الأمم، والتّعلّم وأخذ العِبرة. فالبشر يُراكمون معارفَهم عبر قراءة تجارب الآخرين والتّعلّم منها ونقدها وتفكيكها. يفتح الأدب عينك الثالثة لترى ما هو أبعد وأعمق.

كذلك الأدبُ يخلق الحالة الحوارية في المجتمع، يُحرّكه ويجعله حيوياً، وحوارُنا هذا هو جزء من هذا الحِراك الجميل. لهذا أقول: إنّ الأدبَ هو رؤية ثقافية ومسؤوليّة أخلاقيّة.

المزاج الشيعي

عقيل الموسوي: صورة الإمام المهديّ المُنتظَر في الوعي الشّيعي العام حَاضِرةٌ على الدّوام، وليس عند جَماعة الأمر فحسب، وجديرٌ بنا أنْ نُضيفَ أنّه حين كتب الشّيعة أوّل دستور لهم إبّان ثورة المشروطة الإيرانية العام 1905، أكّدوا أنّ دستورهم سيلغي نفسه بنفسه لحظة ظهور الإمام المهديّ، فانتظار ظهور دولته العادلة، ليس مزاجًا سائدًا، إنّما هو عقيدة لدى الشيعة عامّة، ولدى الحوزات، الإخباريّة منها، وحتى الأصولية التقليدية. ومن تلك الأصولية التقليدية ظهرت مدرسة يُمكن أنْ نُطلق عليها بغير المصطلحات الحوزويّة اسم الأصولية الثّوريّة، التي كان من نتاجها الجمهورية الإسلامية، التي عشْتِ زمن فورتها الأولى، وشعارها: (إلهي حتى ظهور المهدي احفظ لنا الخميني). هل يُمكننا القول إنّه من السَّهل على الشّيعي في هذا المزاج العام أنْ يكون من جماعة الأمر؟

باسمة القصّاب: هذا سؤال مهم جداً. لا شيء يُوازي مركزية فكرة الإمام المهديّ في الثّقافة الشّيعية، وقد رأينا مُؤخراً التّعلّق الكبير والمُتأجّج بأنشودة (سلام يا مهدي) مثالًا يؤكّد ذلك.

في كتابي عمدتُ في الصفحات الأولى على وضع السّياق العام الذي نشأتُ فيه، منذ طفولتي حتّى انضمامي لجماعة الأمر في الثّامنة عشرة من عمري. حاولتُ رسم خريطة ذهنيّة لكيفية تشكّل وعيي بالإمام المهدي، بدءاً من الوعي الشّيعي الذي ساد إبّان انتصار الثّورة الإسلاميّة في إيران بشكل خاص، مروراً بالكُتُب والمؤلّفات والقِراءات التي صاغت هذا الوعي الجَمْعي، ورسّخت فكرة عصر الظّهور والدّولة الممهدة والنِّيابة الخاصّة وربطتها بإيران والإمام الخميني، وهذه كلّها مُنسجمة مع المنظومة الفكريّة المُؤسّسة لجماعة الأمر، لهذا قلت بأنه عندما عُرض عليّ الدّخول في الأمر كنت مُهيّأة لذلك تماماً.

عقيل الموسوي: تقولين: عُرِضَ عليّ، بصيغة المبني للمجهول. يُعجبني إصرارُكِ على عدم كَشف هُويّات مَنْ كانوا معكِ في الجماعة. أَنْتِ ترين إذاً أنّ التّكوين الشّيعي مهيأ لهكذا جَماعات؟

باسمة القصّاب: يجب الاعتراف أن هناك مداخلَ ومنافذَ خِصْبة في البيئة الشِّيعيّة لتكوين مثل هذه الجماعات. الدكتور عبد الجبار الرفاعي، المُفكّر العِراقي وأستاذ الفلسفة الإسلاميّة، عندما قرأ كتابي أرسل لي: “من الضّروري أنْ يصدر كتابُكِ في بغداد. الجماعات المهدويّة فتكتْ بالفضاء الاجتماعي الشِّيعي في العِراق”. أطلعني الدّكتور الرفاعي بعدها على نماذج لجماعات مهدويّة هناك أصبحت تُشَكِّلُ وضعاً مقلقاً، مثل جماعة (جند السماء) وجماعة (أصحاب القضية) وغيرها، جميعُها تدّعي التّمهيد لخروج الإمام المهدي وتهيئة أنصاره وأتباعه، وهي جماعات تمارس نشاطها بشكل علني ويمتد بعضها إلى خارج العراق.

أحد أبرز المنافذ التي يتمُّ الدّخول منها لتشكيل هذه الجماعات هي ادّعاء مشاهدة الإمام، وهنا يحفظ للفكر الشِّيعي تفاديه لخطورة هذا المنفذ، بإقفال باب ادّعاء المُشاهدة في الغَيْبة الكبرى، ويقصد بالمُشاهدة هنا، تلك التي تدّعي النِّيابة الخاصّة وإيصال الأخبار عن الإمام، هناك إجماع على تكذيب ادّعاء المُشاهدة بهذا المعنى. لهذا نجدُ أنّ هذه الجماعات لا تحظى بالقبول المجتمعي ولا بقبول المرجعيات الدينية الشيعية، وتشكّل أقليّة منغلقة على نفسها في العادة.

عقيل الموسوي: هذه الإشكالية في مركزية الإمام المهدي تحدّت، ولمدة قرون، قيام دولة شرعيّة للشيعة.

باسمة القصّاب: نعم، لذلك عندما قامت الثورة المشروطة (الدستورية)، كان الاعتراض كيف يقوم الشّيعة بكتابة الدستور وهم في عصر الغيبة ولم يشاهدوا الإمام ولم يتّصلوا به. من هنا احتاج الفكر الشّيعي أن يبتكر حلاًّ لا يتعارض مع فكرته المركزيّة، وفي الوقت ذاته تُمكِّنه من المساهمة في تحديث الحياة، والخروج من عصر الأقبية، وألّا يبقى واقفاً رهن الانتظار، هنا أيضاً يحسب للفكر الشّيعي حيوية عدم غلق باب الاجتهاد، ما جعله قادراً على التّكيّف مع مقتضيات العصر الحديث، فكان الخلاص الذي توصّلُوا إليه أنْ يضعوا دستوراً للدولة، على أن يلغي هذا الدستور نفسه بنفسه ما إنْ يظهر الإمام المهدي، وبهذا كُتِب الدّستور وانتقلت إيران إلى شكل الدّولة الحديثة.

المشاهدة

عقيل الموسوي: هل يمكن قبول ما يحدث للمؤمنين من رُؤيا، أو مُشاهدات، أو مُكاشفات مع الإمام على أنّه اتّصال لا شك فيه؟ فالرُّؤى قد يعدُّها البعض مجرد أحلام، والأحلام يُمكن أن تكون كوابيس، أو أضغاث؟

باسمة القصّاب: المشاهدة موضوع جوهري في تَجْرِبتي، لكن أفضّل الدُّخول إليها من خلال الفكر الصّوفي. في الفكر الصوفي هناك مَقامات للسالكين يصلون إليها عبر الرياضات الرّوحيّة، واحدة منها هي المشاهدة، ومقامات أخرى مثل: المكاشفات، والرُؤى والتجلّيات؛ هذه المَقامات حاضرة بقوَة في خطاب المُتصوّفة مثل النّفري والحَلاّج، والفلاسفة المتصوّفين مثل ابن عربي والسُّهْرَوَرْدي وأبوحيّان التوحيدي وغيرهم، ولهم حالاتهم في ذلك. لكن هذه المشاهدات لم تخرج يوماً عند المتصوفة من حيّزهم الخاص إلى الفضاء العام. بمعنى أن ما يشاهده السالك أو يصل إليه هو أمرٌ خاص به وحده، لا يلزم به أحداً غيره أو يجعله حجة عليه. وهذا ما يوضحه السّهروردي بقوله: “مشاهداتك ليست بحجّة على غيرك ما لم يكن له ذلك المِشعرُ والشعورُ. حدسياتك ليست حجّة على غيرك إذا لم يحصل له ما حصل إليك”.

وحدك هو المعنيّ. المشاهدة شيء خُصصت به أنت وحدَك، أراد الله أن يريك شيئاً فجعلك تراه وحدك. لهذا لا يمكنك أن تحوّل مشاهدتك إلى دعوة تُلزم بها غيرك أو تجعلها حجة عليهم، غيرك لم يشاهد ما شاهدته أنت، ولم يشعر بما شعرت به، ولم يصله ما خُصصت به، مشاهدتك حجّة عليك وحدك ولا يحمّلها غيرك. لهذا عادة ما يُخفي المتصوفة والسالكين ما يعيشونه من حالات وما يرونه من كشوفات ومشاهدات، وقد تُمرر من باب الاستئناس لبعض الخواص. 

كذلك أنت عندما تشاهد من تعتقد أنه الإمام وتستفيئ بهذه المشاهدة وتستأنس بها، فهذا شأن يخصُّك وحدَك، لا شأنَ لأحد بتكذيبك أو تصديقك، لتعش تجليات حالتك كما تشاء. لكن تبدأ الخطورة عندما تنتقل مُشاهدتُك من الخاص (الذي هو أنت)، إلى العام (الذين هم غيرك من الناس)، فتأتي لتقول: لقد شاهدت الإمام في المنام، وقد وجه لكم (معاشر شيعتنا) عبر رؤياي أمراً أن تفعلوا كذا، أو أن تؤسسوا جماعة كذا، وأن تأتوا طائعين… الخ، هنا أنت أخرجت المشاهدة من حيّزك الخاصّ إلى فضاء (معاشر شيعتنا)، جعلت كل هؤلاء مشمولين ومسؤولين ومحاسبين عمّا رأيت أنت وحدك دونهم – مع افتراض صدق المشاهدة-. 

كيف أخرجتَ المشاهدة التي هي في أصلها تجلٍّ روحي شفيف، إلى صرامة الفرض؟ كيف صيّرتها أمراً نافذاً على من لم يشاركك المشاهدة ولا المشعر ولا الشعور؟ كيف جعلتها حجّة قائمة وواجباً ملزماً للجميع؟ وكيف تؤنبني بأني سأكون محتنكاً بالشيطان إن شككت في حلمك؟ وترهبني إني سأعضّ سبابة ندمي إن رفضت الانصياع لحلمك؟ 

ثمّ كيف تأتي بعد كل ذلك، لتنادي (في الظاهر) بإعمال العقل، وتحريره من الخرافة واللا معقول، والتبعية العمياء، فيما أنت تريد مني أن أنصاع لحلمك وأطعك طاعة عمياء دون أن أعمل عقلي؟

لم أكن أملك هذا الوعي حينها. في السنوات الأولى تمّ تحصيننا بترسانة كبيرة من الكتب التي تروي حكايات لأناس سالكين شاهدوا الإمام المهدي، هذه الترسانة عملت مصدّاً ضد حرب الخارج التي استعانت بدورها بترسانة الروايات والأحاديث المكذّبة لادعاء المشاهدة. لكن ما لم يلتفت له وعيي آنذاك، أن جميع الحكايات التي استُخدمت لتثبيتنا كانت تروي مشاهدات فردية تخصّ أصحابها وحدهم، بل إن أصحابها كانوا يتحاشون حتى الإخبار بها، ولم تخرج هذه المشاهدات من نطاق الخاص (الشخص) إلى نطاق العام (الناس)، لم يحوّل هؤلاء مشاهداتهم إلى دعوة أو أمر أو جماعة أو تنظيم، لم ينصّب أحدهم نفسه باباً للمولى ووسيطاً بينه وبين الناس. الآن أنا أستعيد ذلك وأرى كيف لم ألتفت إلى كل هذا آنذاك!

مِلل الجماعات 

عقيل الموسوي: لجماعة الأمر تنظيم هَرَمي، يبدأ بالإمام، ثُمّ الوكلاء الخمسة ومنهم باب المولى، ثم الأتباع الذين يتوزّعون في سلّم تنظيمي بحسب درجاتهم من الأعلى إلى أسفل الهرم. هذا إلى جانب تصنيف النّاس إلى خاصّة تستطيع حمل السّر الكبير، وعامّة لا تقدر على ذلك. ألاحظ في هذا التنظيم شبهًا إسماعيلياً، تلك الطائفة التي انسلّت من الشيعة، ولها إمام حيّ، كان محجوبًا فترة من الزمن بسبب الأخطار المُحدِقة به، ثم ظهر ليباشر إدارة جماعته. لا أقول هذا من باب الإساءة لجماعة الأمر لأن الشيعة الاثني عشرية يعدون الإسماعيليين مَلاحدة، لكني أتناوله من باب المقارنة التّاريخيّة لجماعات الشّيعة.

باسمة القصّاب: هذا صحيح، هناك شَبَه ٌبين جماعة الأمر والطّائفة الإسماعيلية في بدايات تأسيسها، انشقت بإمامها عن الطّائفة الشّيعية وكوّنت فرقة دعوية سرّية مغلقة تتمحور عقيدتها حول الإمام، ولديها تنظيم هرمي مشابه: الإمام في قمّة الهرم، ثمّ الدّعاة الذين يُمارسون الدّعوة باسم الإمام، ثم سلّم الاتباع الذين تتم دعوتهم بشكل سرّى وبانتقاء مدروس. كما تعرضت لاضطهاد الدولة العباسية، ما أبقاها في التقية وإخفاء عقيدتها، حتى تمكنت من تأسيس الدولة الفاطمية، عندها أعلنت دعوتها وتحوّلت طائفة، قبل أن تنشق عنها الاسماعيلية النزارية التي أسست دولتها في قلعة الموت.

حدث كلُّ هذا في منتصف القرنين الثاني والثالث الهجريين (القرن الثامن الميلادي)، ومن المهم أن نقف عند هذا التوقيت الزمني، حيث ما زالت المذاهب الدينية تعيش إرهاصات تكوّنها وتشكلها، ولم تكن المذاهب قد استقرّت ولا الطّوائف الدّينيّة. قرون صاخبة بتكوينات الملل والنحل وصراعاتها ومقالاتها (مقالات الإسلاميين للأشعري)، واعتقاد كلّ فرقة أنّها النّاجية التي تمثّل الإسلام الصحيح. هناك عبارة لأبي حيان التوحيدي تلخّص ما بلغ به حال المسلمين من فرق وطوائف خلال هذه القرون: “وصار الناس أحزابا في النّحل والأديان: فهذا نصيريّ، وهذا إسحاقي، وهذا جاروديّ، وهذا قطعيّ، وهذا جبّائيّ، وهذا أشعريّ، وهذا خارجيّ، وهذا شعيبيّ، وهذا قرمطيّ، وهذا راونديّ، وهذا نجّاريّ، وهذا زعفرانيّ، وهذا قدريّ، وهذا جبريّ، وهذا لفظيّ، وهذا مستدركيّ، وهذا حارثيّ، وهذا رافضيّ، ومن لا يحصي عددها إلّا الله الذي لا يعجزه شيء”.

كان هذا هو الحال آنذاك، لذلك لم يكن غريباً أنْ تنشأ جماعات جديدة وطوائف جديدة وفرق جديدة ودول مؤسسة على هذه العقائد، لكن لا يمكن الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين وقد خُتمت الأديانُ، وحُسمت المذاهبُ، أن نتحدّث عن تكوينات وفرق مذهبية جديدة، وكأننا نعود مرّة أخرى إلى القرن الثاني الهجري.

 لقد انتهت المذاهب الكبرى من تثبيت نفسها وتأصيل وجودها، ومهما تكن رؤيتنا المعرفية والنقدية حول تاريخها وتشكّلها، فإنّها الآن راكسة في واقعنا وصار لها جذورها وامتداداتها العريضة، واستطاعت بعد قرون من الصراع والانغلاق، وتحت ضغط مقتضيات العصر الحديث، أنْ تكيّف نفسَها مع الحاضر، وأنْ تحيّد علاقتها بالآخر وإنْ على مضض.

لا يمكن الآن بعد كل هذا التاريخ التي مرّ به الإنسان، وكل هذه التجارب والأحداث، وما وصل إليه عقل الإنسان وتجربته من نضج، أن يعود بالزمن إلى الوراء، ويؤسس أديان غامضة جديدة، أو فرق دينية ما ورائية جديدة، أو طوائف غيبية جديدة، أو انشقاقات سرّية جديدة، أو جماعات مغلقة جديدة. هذه الآليات القديمة للتكوينات البشرية كانت ملائمة لوعي ذلك العصر، لكنها لم تعد مقبولة في العصر الحديث ولم يعد يقبلها عقل الإنسان الحديث. تماماً كما لا يمكن أن نعود إلى عصر ركوب الدواب بعد أن وصلنا إلى عصر الطائرات النفاثة، أو العودة إلى التواصل عبر رسائل البريد الورقية بعد أن وصلنا لما نحن فيه من شبكات الاتصال الحديثة ووسائلها.

عقيل الموسوي: هناك مَنْ يزعم أنّ الجماعات المهدوية هي نوع من السّلفية، فلا هي تأتي بفكر جديد، ولا منظومة دينيّة جديدة.

باسمة القصّاب: هذا صحيح من جانب، وغير صحيح من جانب آخر، فهي وإنْ كانت تنطق من خلال المنظومة الشّيعية العامّة التي هي جزء منها، إلاّ أنّها تأتي لتقول لهذه الطّائفة إنّ إمامك المهدي الذي تنتظرين ظهوره قد ظهر لي أنا، واختصّني أنا بالمشاهدة دونك، وجعلني باب سرّه دونك، واصطفاني لأمره دونك، وخوّلني أنْ أقولَ عنه دونك، واجتباني بنصّه وتعاليمه وغيبه وعلمه وبيانه ونصوصه، وجعلني خاصّة اتباعه دونك، نحن الخاصّة وأنتم العامّة، نحن تحرير العقل وأنتم أغلال العقل، نحن المعرفة وأنتم الخرافة، نحن الحقيقة وأنتم الضلالة. هكذا تأتي هذه الجماعات لتنصّب نفسها مذهباً فوق مذهب وطائفة داخل طائفة، وكأنها تقول: أنا الدين الجديد وأنتم الدين البالي. 

ربما الجماعات المهدوية الآن أقرب إلى ما يعرف في المجتمعات الغربية بجماعات الكالت (Cult)، وتعني الطوائف الدينية أو العبادية غريبة الأطوار، وهي جماعات بدأت تتكاثر في العالم الغربي وتشكّل حضوراً مقلقاً وصار ينظر إليها بشكل مريب. لهذا هناك توجه كبير لدراستها وتفكيكها، أحد أهم الكتب الذي تناولها بالدراسة هو (Cults in Our Midst: The Hidden Menace in Our Everyday Lives)، بمعنى (الطوائف في وسطنا: التهديد الخفي في حياتنا اليومية)، وهو من تأليف (مارجريت ثالر سينجر)، عالمة نفس وكاتِبة وطبيبة نفسية أمريكية. تتحدث عن المجموعات الكبيرة التي نشأت في المجتمعات الغربية، تتراوح بين طوائف حميدة نسبيًا، إلى تلك التي تمارس سيطرة غير عادية على حياة الأعضاء وأفكارهم. هذه الجماعات تتشابه في طريقة نشأتها وهيكل سلطتها وحكمها، وتتمحور بإيمان شديد، حول فكرة أو شخص لديه سمات نفسية وقدرة على التأثير والإقناع والإيقاع، ويدعي أن لديه مهمة مقدّسة أو معرفة خاصة يشاركها مع أولئك الذين يطيعونه ويسلمونه قراراتهم.

الداخل والخارج

عقيل الموسوي: توقعَتْ لكِ الجماعة “كهاربة من أسر الله إلى عبودية الأنا” أنْ تفقدي سلامك الداخلي وتشقين، مثل آدم الذي طُرد من عز الجنّة إلى شقاء الأرض. ولكن هناك ذلك الحلم، “الرؤيا” التي أرسلها لك أحد وكلاء الأمر، حين رآك خارج سور الجماعة، فقال: الويل لمن يمسها بسوء!. هل يمكن فهم هذه النبوءة الأخيرة بشأنك، بأنها توحي بحماية الجماعة لك، حتّى وأنت خارجها، وهل تعني بأن علاقتك بالجماعة طيّبة؟

باسمة القصّاب: من الطبيعي أن علاقتي بالجماعة انتهت بالخروج، الجماعة فكرة وعندما تغادر الفكرة لا يعود لك مكان فيها. حتى العلاقة الوطيدة التي كانت تربطني ببعض أفراد الجماعة انتهت، منهم على سبيل المثال (أختي الكبرى)، فبعد فترة من نشر حلقاتي في صحيفة الوقت، التقيتها مصادفة في مجلس عزاء، وعندما ذهبْتُ للسلام عليها وتقبيلها قالتْ لي: “لكِ عين بعد تقبليني؟” فانسحبتُ بهدوء.

كثيرات أخريات يتحاشين النظر ناحيتي إذا صادف وجودنا في مكان عام، وحين أبادر بالسّلام يرددن بفتور قبل أن يغاورْنَ، اتفهّم ذلك بطبيعة الحال، قليل جداً أن تقابلني إحداهنّ بحفاوة طبيعية كما في السابق. على مستوى العلاقات، بقي لي تواصل مع اثنتين فقط، هما الصديقتان اللتان انضمتا إلى الجماعة عبري، مازالتْ علاقتي وطيدة بإحداهنّ حتى الآن، وهي لم تقرأ كتابي، ونحن لا نتحدّث عن الجماعة عندما نكون معاً، ولدي سعة أن أكون كذلك مع أيٍّ من أفراد الجماعة، لكن هذا لا يعني أن لا أقدّم قراءتي الناقدة لتجربتي وللجماعة في الفضاء العام، ويبقى لكل إنسان ما يختاره لنفسه. 

بخصوص الحلم، كان ذلك قبل مغادرتي الجماعة بوقت قصير، أريدَ بالحلم تأثيم أفكاري التي راحت تخرج عن رسم الجماعة، وتأنيب تسللي الذي صار يحرّك الأسئلة ولا يقنع بالإجابات. هنا كان لا بد للجماعة من استعادة ثنائية الداخل والخارج المعروفة: الخارج الشيطان، والداخل الملائكي، الخارج الذي هو لعب وسوء وشرّ وسوء، والداخل الذي هو خير وأمن وحماية من سوء الخارج. 

عقيل الموسوي: التأنيب كذلك يصاغ على هيئة حلم؟

باسمة القصاب: إنه الأخطر هنا، أن يصاغ التأنيب على لسان الحلم لا لسان الشخص، هذا يجعل التأنيب يحظى برمزية أكبر عند الفرد المنتمي للجماعة. لأن الحلم هو أصل الجماعة ومؤسسها، أمرها المقدّس، نصّها الذي به نؤمن ونصدّق، وإليه نمتثل ونطيع، ومنه نحذر ونخاف.

الحلم هو منبع قوّة هذه الجماعة، ومنبع إخضاع أفرادها ونيل طاعتهم، هو الغيب الذي يقول عنّا، هو الأعلم بنا منّا نحن الذين لا نرى. لهذا كان الوكيل في محاولته الأخيرة، يحاول استرجاعي عبر قوّة الحلم فينا، لكني كنت حينها قد تجاوزتُ سطوة الحلم، وصرت أرى بعينيّ، لا بعيني الحلم.

عقيل الموسوي: رَاقَ لي أن انغمس في تجربتك، حتى أني رحتُ اتصفح على النت نتفًا من الكتب التي قرأتها، وكانت جزءاً من تأهيلك لدخول الجماعة، مثل: كتاب (الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا)، لناجي النجار، وكتاب (بناء القادة في منهج أهل البيت)، للشيخ محمد فوزي.

باسمة القصّاب: إذا أنصحك كذلك بمشاهدة القرية (The Village) إنتاج 2004، وهو فيلم أمريكي من تأليف وإنتاج مانوج شايملان، أحد أجمل الأفلام التي شاهدتها بعد مغادرتي الجماعة بوقت قصير. يروي حكاية قرية صغيرة تعيش وسط محمية من الغابات المعزولة عن الخارج بسور كبير. عدد صغير من العوائل المتكاتفة والمتحابة اجتماعياً، لكنها ترتجف رعباً من وحوش تتربّص لها خارج حدود القرية.

يعيش أهل القرية اعتقادهم بمخلوقات يخافون حتى تسميتها، يعرَّفونها فيها بينهم بـ «أولئك الذين لا يسمون». تتربّص الوحوش بمن يحاول تجاوز القرية نحو سور الخارج، وتشهد القرية إشارات مخيفة ترعبهم، وقد يداهم أحد هذه الوحوش في حال حدث تجاوز ما. تدار شؤون القرية من خلال مجلس (الكبار)، هم ذاتهم أرباب هذه العوائل، يقومون بتلبية احتياجات القرية مستغنين عن الخارج.

 ينشأ الجيل الجديد وفق تعاليم الكبار التي يعلّمونها لهم والتي لا تخرج عن ثنائية خير الداخل وشر الخارج ذاتها، حتى تبدأ مجموعة من الاختراقات تحدث على يد الجيل الشاب، الذي رأى حاجة القرية إلى جلب الدواء من الخارج. تتصاعد الأحداث التي تحبس الأنفاس، لنصل في النهاية إلى أن الوحوش ليست سوى وهماً كبيراً، وإن أعيان القرية الكبار هم صانعو هذا الوهم الكبير وهم منفذوه، الوحش ليس سوى لباس مخيف صنعه هؤلاء الكبار، وهم بالمناسبة مجموعة من الأكاديميين والمثقفين رجالاً ونساء، قرروا اعتزال المدينة بعد أن تعرّض كلُّ منهم لحكاية مؤلمة ومفجعة لم يستطع تجاوزها، فتركوا وراءهم العالم الذي يرونه عاجاً بالبشاعة والشر، واختاروا هذه القرية الصغيرة النائية. ولكي يحافظوا على براءة الداخل من تلوث الخارج، ابتكروا حكايتهم التي عاشها يقين أهل القرية، وصارت دفناً لحياتهم داخل الوهم.

المفارقة، أن فتاة عمياء (مبصرة) كانت هي من اخترقت هذا الوهم الكبير، ونجحت في اجتياز السور نحو الخارج، وجلب الدواء للقرية.

الباطن والظاهر

عقيل الموسوي: إذا ما سلمنا بحقيقة أنّ جماعة الأمر هم جماعة باطنية، لها نظرتها، أو طرائقها الخاصّة، لتأويل الأمور على نحو باطني، وإذا ما سلمنا بحقيقة أن الظاهر ليس نقيضًا للباطن، بل مكمللٌ له، فالباطن والظاهر اسمان من أسماء الله الحسنى. كيف رسمت الجماعة طريقها بين المدرستين المختلفتين؟

باسمة القصاب: من الصعب أن نتحدّث هنا عن ظاهر مكمّل للباطن بالمعنى العِرفاني، والذي يكون فيه الظاهر من تجليات الباطن. نحن هنا لدينا (ظاهر) يحاول التكتّم على (باطن)، أو ظاهر يَظهر بغير باطنه. هو يريدك أن تقفز على باطنه إلى ظاهر ما يقول لسانه. أظنّ أننا ما زلنا هنا في ثنائية الداخل والخارج أيضاً، فداخل الجماعة كلّه باطن، وخارجها كلّه ظاهر.

باطن الجماعة هو ما نراه نحن الذين في الداخل ولا يراه الآخرون، وظاهرها هو ما يراه الناس في الخارج أو ما تُظهره لهم الجماعة. في الظاهر (الخارج) نحن ننادي بإعمال العقل وتحريره من الخرافات والأساطير وتحرير المفاهيم، وفي الباطن (الداخل) نحن نمتثل للأوامر والتوجيهات والتعليمات والأفكار التي تصل إلينا من الرؤى، والأحلام، والطرائق الغيبية والتأويلات الغنوصية. في الظاهر نحن ندعو إلى التحرر من التبعية وتسليم عقولنا إلى غيرنا، وفي الباطن نحن نمارس الطاعة المطلقة للوكلاء والتسليم المطلق لما يصلنا من النصوص والتّعاليم. في الظاهر نحن نقول بحرية الفكر واحترام الرأي الآخر، وفي الباطن نمارس وصايتنا على أفراد الجماعة ضد أيّ رأي يرونه خلاف رأيها أو فكرها. هكذا تسير العلاقة بين باطن الجماعة وظاهرها وفق ما أرى.

جريان النهر

 عقيل الموسوي: الأفكار الكبيرة تحتاج إلى جدل عميق، وفي عملك استشهادات كثيرة بنصوص مهمّة، وقد أخذتنا تجربتك في رحلة شيقة مع متصوفة مثل: أبي حيّان التوحيدي، والسهروردي، وابن عربي، ومع مفكّرين مثل: أركون وأدونيس، وديديه أنزيو، وفرويد، وعلي حرب، وجورج ماي، وواصل بن عطاء.

باسمة القصاب: كل واحد من هذه الأسماء هو نهر يجري، نهر تحبّ أن تشرب منه وأن تستحمّ فيه، نهر تحبّ أن تقف عنده وتنصت إليه. صوت النهر يلهمك ويعلّمك فنّ الإصغاء. عند كل واحد من هؤلاء كانت لي وقفة ورؤية، وما زلت أذهب لبعضهم بين حين وآخر -الفلاسفة المتصوفة بالذات- حين أطمع في إصغاء يرخي العقل والروح معاً. أتنفّس بعمق، ثم أمضي. أفعل ذلك دون أن أسكن في أي منهم، لأن السكن (سكون) آخر.

عقيل الموسوي: سبق وأن تحدثنا عن الفكر الصوفي، هل أفهم من حماستك للمتصوفة أنهم سيكونون مشروع كتاب قادم لديك؟

باسمة القصاب: من الجميل أن كتابي الجديد الذي انتهيت منه مؤخراً، هو منادمة فكرية مع أبي حيّان التوحيدي. الفيلسوف الذي قالت لنا الجماعة سرّاً، إنّه ألّف كتاب (الإشارات الإلهية) بعد أن تلقّى إشارات من المولى واهتدى إلى أمره، وهو كتاب أشبه بمناجاة ورسائل ونصائح صوفية، وإن ذلك ما جعله يحرق كل ما كتبه في السابق، لأنها كتبت عندما كان غارقاً في الجهل والضلال.

هذا الأمر، جعل حاجزاً نفسياً بيننا كأفراد داخل الجماعة، وبين كتب التوحيدي الهامة والمشهورة مثل: (الإمتاع والمؤانسة)، (الهوامل والشوامل)، (الصداقة والصديق)، و(المقابسات). لم نفكّر أن نطّلع عليها ولو فضولاً، لا أقل من أن نقارن مؤلفات (الجهل) بمؤلفات (الإشارة). صرنا لا نعرف من التوحيدي غير إشاراته، ولا نعبأ بكتبه الأخرى، تلك التي وجدتُ فيما بعد أنها مؤلفات ثمينة تمتزج فيها الحكمة بالمعرفة بالفلسفة بالثقافة بالأدب بالتصوّف.

يأتي كتابي الجديد، بعد مجالسة ممتعة قضيتها مع كتاب (الإمتاع والمؤانسة)، وهو بالمناسبة أوّل مؤلفات التوحيدي وواحد من أهمها. نشأت صداقة أنيسة بيني وبين نصوص التوحيدي، منحتني امتاعاً فكرياً وفلسفياً وثقافياً، وثراءً لغوياً وأدبياً، وحرّضتني على الذهاب في تجربة كتابة جديدة، امتزجتُ فيها بمتعة مع نصّ التوحيدي، وكأن وعيي قصد بهذا، ربما فيما يشبه إعادة الاعتبار، أن يصل عندي آخر التوحيدي (الإشارات الإلهية)، بأوّله (الإمتاع والمؤانسة).

عقيل الموسوي: أحب أن أتوقف عند بورخيس الذي كان النهر من الاستعارات التي ارتبطت بأدبه، فالزمن عنده ينساب مثل النهر، فلا أحد يستحم في النهر مرتين. هل نستطيع القول إنّ ذلك ينطبق على الكاتبة باسمة القصاب، أولاً لأن ماهيتها منفلتة مثل النهر، وثانيًا لأنّ النهر يجري باستمرار، وقطرات الماء فيه مختلفة في كلّ لحظة.

باسمة القصاب: أحببتُ استخدام كلمة (منفلتة) هنا. تحمل هذه الكلمة معنى التخلّص والانسياب والخروج عن السيطرة، والنهر هو أجمل مظهر للانفلات بهذا المعنى، ينشأ النهر عبر جريان الماء على الأرض، لا أحد يرسم للنهر سريانه، لا أحد يسيطر على قوّة اندفاع الماء، يشق الماء طريقه بنفسه، وأنا الآن يحلو لي أن أنساب مثل نهر (بورخيس). كنت بحيرة راكدة وأنا الآن نهر يجري، نهر يتجدد ماءه باستمرار دون توقف، نهر قابل لكل صورة تنقّي ماء روحه، وكل فكرة ترسم دوائر أسئلتها على سطحه، نهر يستمتع كلّ يوم بإضافة جديدة تسري فيه سريان الماء في الماء. لقد علّمتني تجربتي أن الإنسان نهر، وكلّ جماعة بحيرة، وأنا لن أشرب من بُحيرة الجماعات مرّتين.

 

إرخاء العصابة 

عقيل الموسوي: في فصلك الرّابع، فصل أصداء الهروب… تلقيات التّجربة، كتب أحد الأكاديميين أنّ جماعة الأمر تقود إلى شقاق المجتمع، وأصر على ضرورة الإصلاح الديني. وأتساءل هنا ما هي المؤسسة التي يمكن أن يكون لها اليد الطولى في أمر الدين، فتُصلح هذه الجماعة أو تلك! أليس حريّ بنا أنْ نقبل بمنطق التسامح الديني، لأنّ الاحتراب بين الجماعات، وفعل التسقيط العنيف الذي تقوم به جماعة لها غالبية على جماعة صغيرة ذات أقلية، يأتي دومًا تحت عنوان الإصلاح؟

باسمة القصاب: عبّرت في كتابي بأكثر من طريقة، أني لست مع المحاربة والتسقيط والإيذاء والتنمّر من أي جهة كانت، أنا مع مراجعة الذات ونقدها، مع نقد التشكيلات الجماعية المغلقة، مع خرق السياجات الدوغمائية المغلقة داخل المجتمع، مع قراءة التجارب الإنسانية وفتحها على الأسئلة، مع إثارة الجدل الفكري في الفضاء العام، هذه حركة تنعش المجتمع وتعكس حيويته. لكني لستُ مع الاحتراب بأي شكل، الاحتراب موت للحوار، وإنعاش للعصبيات.

عندما تحضر العصبية يموت أجمل شيء فينا، أعني رحابة الانصات إلى الأصوات الأخرى. سوف لن نسمح لضوء الآخرين أن يعبر نحونا. الجماعة فكرة كما قلت سابقاً، والفكرة عصابة تربط رأسك، كلما شددت عليها أعمتك، صارت عصبية، وكلما أرخيتها سمحت للنور أن يتخلل نحو عينيك. نحن لا نُدرك العنف الذي تمارسه العصابة على أعيننا قبل أن نخفف إحكامها علينا. لذا علينا أن نساعد الآخرين أن يسمحوا للنور أن يتسلل إلى أعينهم، لا أن نجعلهم يشدّون عصابتهم عليها أكثر.

الحكاية القادمة 

عقيل الموسوي: عشنا معك 16 عاما داخل جماعة الأمر، ولقد كتبت تلك التجربة الروحية وأخرجت ما فيك. والآن ها قد مرّت 16 عاما أخرى منذ أن ْتركت الجماعة. والقارئ الذي انبهر بتحليل كيف تحررتْ ذاتك المغلقة، يتوق؛ ليعرف الآن كيف عاشت ذاتك المحررة في حريتها، وبحسب اعترافك الكبير، الذي توقفت أمامه مليًا، “بقيت ذاتًا جماعية لا مكان للفرادة فيها، …، ولم تقبض ذاتي الفردية على نفسها إلاّ متأخرًا”. ألا تستحق هذه الفترة سيرة أخرى؟ ولتكن كما الأولـى، حكاية خاصّة وليست عامّة، ويغلب فيها التحليل على السّرد. يغريني لهذا السؤال الكم المعرفي الهائل الذي استعنت به في تحليل سيرتك.

باسمة القصّاب: كانت تلك تجربة مكتملة، حسمت ذاتي تحولاتها فيها وصارت مهيئة أن تروي وتُروى. أما الآن فإني وإن قبضت على ذاتي ككيان مستقلّ، لكني ما زلت اتشكّل كلّ يوم، لا يزال نهر الزمن يعلمني، ما زالت أفكاري تتعمّق أو تتحوّل أو تتبدّل. الأفكار لم توجد للثبات بل للاختبار، وما لا يصمد يسقط. على سبيل المثال أنا بعد 2011، لستُ أنا التي قبله. عبّرتُ غير ذات مرّة عن صدمتي الثقافية بالواقع الذي خلع قناع الثقافة والتنوير والتسامح والتعدد والتّعايش والحرية، وكشف عن وجه قبيح لم أتخيله. الكثير من الأفكار سقطت عندي والكثير تحوّل، كذلك علاقتي بالأشياء. الواقع نهر من طين.

لا تكفّ ذاتي الآن عن قول نفسها بالكتابة، والتعبير عن تجاربها وتحوّلاتها بأشكال مختلفة، وربما تكتمل لديها حكاية فكرية أخرى لترويها. هي الآن ماضية في تجوالها الجميل، ذلك الذي يعبّر عنه التوحيدي بقوله: “إنما أجول في هذه الأكناف لكلفي بالحكمة كيف دارت العبارة بها، وأمكنت الإشارة إليها”. هذا التجوال الذي يجعلك ماءً متدفّق السريان، ويرسل لك الحكمة في صوت نهر.

فراشة باسمة

أحدث  كتاب “كالتي هربت بعينيها: جماعة الأمر وتشكل الذات المُغلفة” ضجة لافتة وتداوله الوسط الثقافي بتعليقات متباينة. حينها قرأت الكتاب وكانت لي هذه الالتفاتة التي نُشرت في صحيفة “الوقت” في صيف 2007:

 تلقيات عديدة ونقاشات متواصلة سبّبها هروب فراشة – بل حركة جناحها، فأثرى الحديث عنها حتى باتت حيوات البعض متأثرة من هكذا دوي. أتذكرُ جيداً ما صاحب نشر تجربة الكاتبة باسمة القصاب في جريدة الوقت على حلقات. كُنت تارةً اُشارك في نقاشٍ في مكان ما، ليتبعه نقاشٍ آخر في بقعة جغرافية أخرى، ومرة أخرى أجدني مدافعا عن ترجمة استحضار التجربة وأثر هذه المُراجعة الذاتية، وهكذا دواليك.

 ما يعلقُ بالذاكرة، أنني سعدتُ كثيرا بقراءة التجربة، وكأنني شهدتُ خروج ذات الفراشة من شرنقتها بعد مخاضٍ طويل وعصي. دائماً ما أستحضرُ تلك الذات القوية المتمكنة واستحضر تجربتها كمثال يُحتذى لمراجعة النفس دوما وتحررها من قيود أياً يكن واضعها.

 ولا أخالني إلا أن عُدت مرة أخرى لاتلقّى كتاب “كالتي هربت بعينها” بنهمٍ، وكأنني أعيشُ خروج ذاتٍ من سور آخر إلى تشكل روحٍ جديدة.

 سأبدأ قراءتي لكتاب “كالتي هربت بعينيها” من حيث انتهى حوار  الآخرين، لا أعرف لم، هل لأنني لم أوافق بعض التلقيات في هوامش الكتاب، ومثالها “الهامش الثاني”؟ كالتي ذكرت بأن ( الكاتبة لا تزال تُعاني من الحاجز التي عاشته لمدة 16 سنة، بدليل أن المعلومات التي ذكرتها لا زالت قليلة) . فأجدني مسترسلا بالرد عليها بأنه يجب أن نضع نصب أعيننا أن هذه ليست “فضح” لأسرار جماعة مُعينة، إنما هي “تشكّلات الذات” وهي ليست سيرة بل عبور مرحلي من حالة إلى أخرى. لا أرى بأن تجربة الفراشة “فضحت النظام الرمزي للجماعة”، بل أزاحت وأماطت اللثام عن خصوصياته وأغلفته التي أسِرتْ الجماعة نفسها بها.

 من المهم جداً أن يتطلع القارئ الى ما يعتمل في نفس الكاتبة، بدلاً من محاولة اشباع ذاته بمجموعة من الحقائق والوقائع. لذا أرى أنه من المفيد قراءة الفصل المُعنون (قبل الولوج في الهروب) والتمعن فيه قبل الانتقال إلى فصول تشكّلات الذات (من الهروب الاول حتى الاخير) لنفهم ما يختمر في قلب وفكر الكاتبة وبالتالي فهم ما ارادت ايصاله للمتلقي.

 غاصت الكاتبة في أعماقها لتفهم وتُفهم آليات تغليفها وآليات انفكاك تلكم الأغلفة وبالتالي معرفة ما يكتنف التجربة من فصول واستنطاق مكنوناتها.

 كما أنني أسير في اتجاه مُغاير لما ذُكِر من (أن هناك الكثير من الضغوط وجزءاً من التأنيب). ما أفهمه أن التأنيب نتيجة لحالة من عدم الرضا لفعلٍ معين، وهذا ما يُجافي حقيقة ما أوردته الكاتبة – الفراشة والتي أشعرتنا برضاها، بل باصرارها على الدخول إلى مرحلة تالية من تشكّلات الذات بعيدا عن فلك الضغوط، مع ركن التأنيب جانباً. 

أرى أن الكاتبة لم تكن بحاجة  إلى تفاصيل سردية تُحاكى لنا كيفية حدوث الدخول والخروج من الجماعة. نعم، قد يُضيف ذلك  شيئا لهذا الكتاب، ولكن الكتاب لم يهدف إلى الدخول في حيثيات التحول بقدر ما أراد تحليل الخروج من عتمة مسورة وأغلفة مُعينة من أجل التوحد مع آخرين بأغلفة متنوعة ولكنها غير مسورة.

 ذكر آخر بأنه ( كان للكاتبة أن تسرد دون الدخول في التحليلات)، وهذا  يُنافي مسلمات التجربة فمنْ له القدرة على تحليل هذه الأمور المتصلة بالجماعة، سوى الكاتبة؟ أليست فترة زمنية امتدت إلى 16 عاماً غير كفيلة بتحليل هذه الأمور؟ ثُم ألم نقل أن الكاتبة تملك حساً نقدياً فائقاً في قراءتها لتجربتها بما تملك من مرجعية نظرية – وأضيف عليها عملية – قوية؟

 أجد أن تجربة الكاتبة تجربة غنية مركبة حصيلة سنوات من “تلقين” الذات وصهرها لتُعايش فئة معينة، وسلب تواصلها الخارجي لتكون رهينة في إطار حُلم غاية في الجمال والإقناع والتلويح المستمر بخسران ميراث لم يحصل عليه سوى الخاصين والخُلص.

 لذا أقول بأن الكاتبة أبدعت بمزاوجتها بين التحليل والسرد وتناولت الاثنين معاً بحِرفية ومهارة فائقتين،  ولو أنها أبقت على السرد فقط لأفرغت محتوى التجربة. فتحليل خطوات التحول كان ضروريا للقارئ حتى يستوعب ماهيته بدلا من السرد لتتحول التجربة إلى سيرة ذاتية محضة، قد تلقى الإستحسان، ولكنها لن تُجرد الأغلفة وتخوض في سببية وجودها.

 أقرأ الكتاب من زاوية معرفة تشكلات ذات، لا لمعرفة من أين كانت تأتي النصوص العليا، وكيف تصل ولمن تصل. هكذا تفاصيل قد تُثار بطريقة مختلفة وبأوراق أخرى خارج نطاق “كالتى هربت بعينها”، لم أرى حتمية عرضها في هذا الكتاب. وهذا يندرج على الجانب الاثنوغرافي أيضا.

 جمالية تجربة الكاتبة نبعت أيضا من عرضها كيفية تحوّل الاكتفاء الذاتي بالأفكار والمعتقدات والاشباع بكل حضوره إلى تحول معرفي يُناقض ذلك الاكتفاء، وبلا مُخلفات مُدمرة على الذات والشخصية.

 أقول للكاتبة بأن “فتحكِ لهذه الصفحة لتسيرى انطلاقا منها”، هي رائعة بكل المقاييس، لأنكِ متى ما طويتها وسرت بعيدا عنها، ستلازمك وتلازم طيفك أنّى رحلت ِ.

 مراجعة الذات والوقوف على ما أنجزته، يُحسب للكاتبة كثيرا فالقلة منْ يقوى على اتخاذ مثل هذه القرارات.

 وأختم بالقول بأن كتاب “كالتي هربت بعينيها” فريدٌ ويستحق القراءة فهو يُترجم مقولة ماركيز “ليست الحياة ما عاشه المرء، بل ما يتذكره وكيف يتذكره كي يرويه”.

والآن بعد 15 سنة، صدرت الطبعة الثانية المنقحة، قرأت الكتاب كما لم أقرأه مسبقا، قراءة بضّة بعيدة عن ذكريات الالتفاتة السابقة أعلاه، لأجدني أخط هذا التعليق:

 قرأتُ تجربة الكاتبة بطعم مختلف، بعمق مختلف، فكان هذا المزيج من التفاتات الفراشة وتمرّدها وخروجها معافية ومتألقة (تمحو ذات الجماعة لتثبت ذات مفردها).

 إبداع الكاتبة تجلّى بشكل لافت من خلال تحليلها في بعدين: النفسي بتشكّلات الذات، والاجتماعي حول ذات الجماعة. هي تجربة فريدة، قل نظيرها، تستعرض فيها الكاتبة قراءتها من داخل الجماعة ومن خارجها عاكسة قراءة مزدوجة ذات أوجه مختلفة. جميل أن تخرج من أغلفتك المتعددة بتصالح راقٍ مع النفس بلا قدح أو اتهام فيما كنت عليه وفيه، أكثر جمالا أن تفكك أغلفتك بلا تحامل على إيديولوجيات كنت مسكونا بها، بل تبصر حدود أسوارها وتكشف ازدواجية منطوقها وفهمها. هذا، أجده، قمة الرُقى والتحضر.

 تحرضنا الكاتبة على العيش في لهفة الاختلاف الراقي والمنفتح، بعيداً عن انغلاق الذات وتفرّدها بالأمثل من منظور محدد ومحدود. ترينا رحابة أن تكون الفكرة حيزا مفتوحا للأخذ والرد لا مستودعا مُغلقا، وأن تكون فضاءاً حرا (لا حفرة نطمر فيها ذواتنا). تدعونا لأن نتحول لحصوات فاعلة ترفض الركود، وتكون مسكونة بالأسئلة. 

أطلق أسئلتك المضطربة من الداخل، فهي عصية على السكون والهدوء. افتح تلك الأسئلة على عواهنها حتى وإن لم تتمكن من تحصيل إجابات فورية وسريعة. ولا ننسى الدهشة! يجب أن تكون حاضرة باستمرار. تلك الدهشة مدعاة للتفكير خارج المدار، وبالتالي معرفة الأفضل والأكمل. 

أن تتمكن من الخروج من غلافك الذي يتحكّم في عمق ذات قضت مغلفة كحصاة راكدة طيلة 16 عاماً من عمرها داخل سلطته، محاولة فكّ رموز تشكلها وأغلفتها الذاتية، ثم تقرر تحريرها والرحيل، لهو بلا شك فهم على قدر كبير من التركيب والغموض، وحرياً لمعرفة تفاصيل الهروب وآلياته. أن ترى في منظومتك الدينية والعقائدية والتنظيمية والجماعية نموذجاً متطوراً للفهم الديني وأفقًا تجديدياً مغايراً معززة برؤية تغيرية أمثل للعالم، ثم تغادر ذلك بأكمله فهذا انتقال لابد أن يُثير الحواس لها.

 هربت الفراشة كي (تخالط الخارج دون خوف، وتمازجه دون أن ترى فيه محض لعب واستهتار وظلام وضلال، وتنشد حقائق لا تطويها الجبال ولا يحصّنها جدار الغلاف). والأهم أن هروبها (ينشدُ معرفة لا يحدها ممر فيحصرها فيه) أو (يزعجها حصيات السؤال).

 تميّزت التجربة بإعادة قراءة الذات بتحليل ونقد لافتين، عوضاً عن الاستطراد في السرد. ذلك أعطى قوة مميزة للطرح. الكثير من السرديات متوافرة، ولكن هناك شحّ في التحليل ونقد الذات بغرض إعادة تشكيلها -سيرة التشكّل- كما وصفتها الكاتبة في الفصل الثاني.

 تضع الكاتبة باسمة أمامنا تجربة مركّبة دينيا، اجتماعيا، ونفسيا. تذُوب ذاتها لأجل ذات الجماعة وتنصهر في بوتقتها وكأنها لا شيء، عندها تُفتح نوافذ الأسئلة تدريجيا طالبة استجلاء الغوامض، ومع غياب التوضيحات الجلًية وعدم توافر الإجابات الحاسمة لعصف الأسئلة المتواصل، تبدأ بنزع أغلفتها المتراكمة الثقيلة المثقلة لكاهلها تدريجيا بهروبات متوالية، وبتصميم ذاتي مُتقن إلى أن تنجح بالوقوف خارج السور متمردة، حسب معجم الجماعة.

 الكاتبة نجحت بامتياز بالمزاوجة بين سرد التشكّلات وتحليلها. أن تسرد التجربة كما هي، فأنت تُكرر عشرات ان لم تكن مئات من السير والسرديات، لذا جانب التحليل العميق للتجربة أكسبها قوة ومتانة وفرادة في الطرح غابت عن الكثير من السرديات النمطية.

 لذا وبعد قراءتي للطبعة الثانية لازلتُ بذات الرأي، أن سرد تفاصيل الجماعة -أيا كانت تلك الجماعة- انتقادها، تهميشها، اسقاطها، أو اتهامها يبقى هو الأسهل والأبسط قولا وتعقيباً، لكن الكاتبة تعالت عن ذلك واتجهت للأصعب، وهو ما يكتنف التجربة في الذات، تفكيكها لمحاولة فهمها واستنطاق مكنوناتها، وهذا مواتٍ لاخت يار الكاتبة الصائب لعرض تجربتها تحت “تشكلات الذات” بدلا من سيرة ذاتية أو سرد نمطي اعتيادي تقرأه مرة ولا تعود اليه. هذا الاتجاه أغنى التجربة وأعلى شأنها مع لغة الكاتبة الراقية والرائعة سواء بإيجاز بعض فصولها أو بالإسهاب، أثبتت الكاتبة تمكنها اللافت وهذا قصور في الوصف تجاه هذه التحفة من تشكلات الذات.

 فلا أجد بأن التمعن في التفاصيل التنظيمية والهرمية داخل الجماعة وكيفية وصول الأوامر وطرقها وما إلى ذلك كانت ستُغنى التجربة وتجعلها أكثر تميزاً. السابق مُكرر وإن اختلفت التنظيمات والجماعات. لذا لا أرى – استكمالا لقراءتي للطبعة الأولى- أنه لا حاجة لتسليط الضوء حول تفاصيل التنظيم أو الجماعة. تجربة الخروج المتسلسل والهروبات هي المُلهمة ذات التحفيز لكسر تابوهات طرح الأسئلة ومحاولة إجلاء الغموض ليرتقي العقل ويشعر بوجوده. وبالرغم من ذلك بالإمكان الاستدلال ومعرفة الكثير بالتمعن في نزع الفراشة لأغلفتها تحت أشكالها المختلفة. فقد تميز الكتاب بأمور لافتة من الندرة بمكان الجمع بينها في سيرة أو سرد مُحفزة للقارئ منها – إن أمكنني إيجاز بعضها كالتالي: 

–  اللحظة المفصلية في التحوّل من انتماء واكتفاء عاطفي ونفسي واجتماعي وفكري -جاوز الحضور العائلي- إلى السير في الاتجاه الآخر. فالخروج من الجماعة نتيجة للتحوّل المعرفي الهادف لفهم الحقيقة المغلفة لا صنيعة خلاف شخصي.

–   أن تنكر أو تتنكّر لذاتك بالمطلق، في سبيل أن تبقى الجماعة واقفة منتصبة هو (ضرب من السذاجة والسطحية) كما يقول باولو فيراري وتستذكره الكاتبة. الذاتية والجماعية يتفاعلان معا ولا يمكن فصلهما. (الذات تراكم من الخبرات والتجارب، ولا يمكن أن نفصل بين التجربة وتكوين الذات).

–   لا يمكن غلق العقل البشري وتحجيره وتجييشه في اتجاه لا يتوائم إلا مع واضعيه، عاجلا هذا العقل سيخرج لزمانه ومكانه الطبيعيين.

–   لا تُختزل الجماعة العالم فيها برؤيتها الأحادية و(فمها الممتلئ) المغلق على تذوق الآخر لسوئه أو سوأته.

–   لا يمكن تصوير من لم يشاركنا الرغبة والتمثّلات والمشاعر والإرادات، هو السوء وكل ما يخرج من ذهنية ومتخيل هذا الفصيل أو ذاك تهديدا ومؤشراً على اختراق الهوية واللغة، وكأنما هما حصراً لفصيل دون آخر.

–   التركيز على فهم الذات المتشكّلة، سواء بوجودها وسط الجماعة أو خارجها، ومحاولة فك رموز هذا التشكيل وتداخلاته المتشابكة.

 تثبت الكاتبة بأنه لا يمكن (أن يُحشر الوجود المتنوّع الكثير في داخل سور) وما عداه مرفوض شكلا ومضمونا، هذا أسر ولجم مآله الاختزال والتقوقع.  فأي جماعة أو عقيدة تمنع الذهاب خارج أفقها (المحدود مهما صُوِر رحابته وتماهت بالاكتفاء المطلق) لإعادة قراءتها لا تغدو جاذبة. هي تستنسخ نقيضها، ترفع خطاب التأثيم لمن يختلف عنها أو يتمايز، ولم يتزحزح عن صِراطها المستقيم، مهما ادّعت من تسامح وتآلف. تلكم الجماعات التي تُحدّد إطار التفكير للفرد وتستلب حق السؤال وتُجرم مساءلة القناعات، سواء لإعادة تثبيتها، أو لتحريرها مما يعتريها من مغالطات واستيهامات.  

الاستنساخ يُربك ويُشعر بالاستلاب والآلية، لا كما نظن للوهلة الأولى أنه يحوي ويُسعد الذات. تنصهر الذات في جماعة تُسيّر الفرد كآلة مسلوبة الإرادة والذات. لا يأثم الفرد عندما لا يكون نسخة من غيره أو من جماعته. الاختلاف انسجام أيضا بطريقة أخرى. (فلا يمكن لأي جماعة أن تؤكد وجودها ما لم تشقّ سورها المعلّق، ما لم تنفلت من ضيق فضائها الواحد وتخرج من وحشته وسلطته واستحكامه واستبداده ووصايته، إلى رحاب المغايرة وأنسها وانفتاحها ومرونتها وسعتها). فلا بد من إزالة الجدار الفاصل بين الداخل والخارج. لا يستقيم اختزال جماعة ما وحشرها بعيداً عن الخارج. الأصل في حرية التنقّل بين العالمين الداخلي والخارجي.

 كتاب “كالتي هربت بعينها” دعوة جهرية لكتابة ونشر التجارب المشابهة لفهمها وقراءتها بعمق ومحاولة التصالح مع النفس وإعادة إبراز ثقتها وإطلاقها بعد كبْتها. (تفتح شقّك للكتابة، فتأخذك هي الي حيث تكشف دواخلك وتُعريها. إلى حيث تريك نفسك وتجربتك وجماعتك ومجتمعك). 

فالقصد، مع البعد عن الإساءة، تسليط الضوء على تلك التجارب لما تمتلك من قوة وتأثير وتغيير (فالتجربة زمن ونحن مصنوعين منها)، و(الذات تغادر التجربة دون أن تغادرها التجربة، لا حنينا لها، بل ثراءً يكبر بالذات).

 

* ما بين مزدوجين اقتباس من الكتاب.

 

فراشة باسمة

ماذا يحدث عندما نلغي ما هو أدنى، باسم ما هو أعلى؟
أعني بالأعلى، ما ننسبه إلى الألوهية أو الآخرة أو المبدأ أو الأخلاق أو الوطن أو القانون أو المُثل أو الحزب أو الجماعة، والأدنى ما ننسبه إلى الإنسان من حياة دنيوية واحتياجات طبيعية ورغبات بشرية، أو ما ننسبه إلى تجاربه من فكر ومعرفة وفهم وممارسة .

نقول أعلى لأن الأولى طالما مثلت في تاريخ حياة الإنسان أصلاً لوجوده، وطالما شكلت مقدساته ويقينياته التي يدير باسمها صراعاته وحروبه وخلافاته، أو يدفع حياته ثمناً لها، أما الأدنى فهي غالباً ما تعتبر وجودات ثانوية يمكن أن يُستغنى عنها ويُضحى بها باسم الأولى ومن أجلها.

في كتابه «هل الرأسمالية أخلاقية؟» يسمي «سبونفيل» إلغاء الأدنى باسم الأعلى ملائكية. الملاك هنا لا يشير إلى مفهوم ديني بقدر ما يشير إلى مفهوم تجريدي، من حيث أن الملاك يمثل حالة «عليّة» في العادة، لكنها كممارسة الغائية، ليست مختصة بالأنظمة الدينية، بل تجدها في الأنظمة الإلحادية والشيوعية وفي الأنظمة القومية والفاشية بنفس الدرجة. فكلها تشترك في الإلغاء، وفي خلط الأعلى بالأدنى، وفي عدم القدرة على التمييز بين مجاليهما. الأمر الذي يترتب عليه تقديم خطاب عقلاني تافه بالمعنى الباسكالي.

****

تبرز الملائكية في مجتمعنا عبر خطابات تلغي إرادة البعض باسم الدين. مثال: في مقتبس من خطاب مناهض لقانون تنظيم مكبرات الصوت في المآتم والمساجد، معتبراً اقرار القانون محاولة لتقزيم للدين، يقول «اذا قزم الدين في هذا البلد وهو أعز ما يكون على مواطنيه الشرفاء الأصليين، فقد قزم كل صوت حر، وألغي كل حق، ووئدت كل حركة إصلاح».

الأعلى هنا هو الدين الذي يمثله هذا الخطاب، والذي يقدم نفسه أنه الصوت الحر، وكل الحق، وحركة الاصلاح في المجتمع. والأدنى الذي يلغيه هذا الخطاب قانون التنظيم، ومن يقول بالحاجة إلى قانون التنظيم. الخطاب ليس فقط يلغي القانون، لكنه يلغي أيضاً كل من يؤيد هذا القانون ويعتبره مقزِّماً للدين، وصوتا غير حر، وحركة ضلال، ولا حق له، ولا شرف، ولا أصل.

كذلك تبرز الملائكية عبر خطابات تلغي الإرادة السياسية للبعض باسم الدولة أو الحكم أو القانون. مثال الخطابات التي توصل رسالة اعلامية مفادها أن «الاصوات التي تدعو لفتح ملفات الفساد وتمارس نقدها العلني للدولة تقوم بالتحريض ضد النظام الحاكم وتبث الكراهية للنظام الحاكم». أو تلك التي تؤكد بأن «عدم إصدار بيان تنديد بشغب الشوارع تحريض على الإرهاب». أو تلك التي تقول «أن رفض قانون معينً يعني التشكيكك في شرعية الدولة والمؤسسات».

الأعلى في هذه النماذج هو النظام الحاكم أو الأمن أو الدولة. والادنى هو المعارض أو صاحب الرأي المختلف. هذه الخطابات ليست فقط تلغي إرادة المختلف وحرية تعبيره عن رأيه، بل تلغي المجتمع المدني والحياة المدنية، وتلغي الحيز العام الذي يصوغ فيه أفراد المجتمع اختلافاتهم ويعرضون فيه حقائقهم ويشكلون فيه رؤاهم المتعددة والمتباينة.

****

هل يمكن أن يقينا الأعلى من الوقوع في تفاهة الخلط؟
نعتقد أحياناً أن الحديث باسم حكمة الأعلى، يمكن أن تكسب حديثنا حكمة وحصانة وحصافة ويقيني من الوقوع في التفاهة والخلط. يمكن القول إن أكثر الحماقات أو التفاهات نرتكبها بسبب هذه الثقة. الثقة في أن الأعلى يمنح كلامنا شيئاً من علوه، حضور الأعلى يغنينا عن حضور الأدنى. يعمينا عن أن نرى الأدنى فنلغيه. ليست الآيدلوجيات فقط من يقوم بذلك، ولا الحركات الأصولية هي فقط من تقوم بذلك، بل حتى المشيخات تلغي الأدنى باسم الأعلى حين تستخدم الأعلى ذريعة لضرب الأدنى، فتقول إن دولة القانون أولى من حق الناس في الاعتراض، وأن الوطن أسمى من الاحتجاج.

التفاهة هنا ليست راجعة إلى أن الأعلى تافه في ذاته، لكنها تعود إلى أن الأعلى تافه في استخدامه، بمعنى أننا نستخدمه استخداماً تافهاً.

ما يجعل لهذا الاستخدام معقوليته وحضوره في وسائل الاعلام وفي الشارع السياسي أو الديني هو غياب الحيز العام. الحيز العام هو المكان الذي ليس في الدولة «النظام» ولا في حيز الأفراد الخاص «الجماعة أو الطائفة». هو المكان الذي يقع بين الدولة وبين الحيز الخاص، يتيح للآراء أن تتداول وتعبر عن اختلافاتها بحرية وبأمان. في هذا الفضاء المفتوح يمكننا تعرية التفاهات وكشف الخلط الذي تمارسه هذه الخطابات على اتباعها.

الحيز العام إذا ما تم التضييق عليه من قبل السلطة السياسية أو الدينية، كثرت التفاهات التي تضج بها خطاباتنا الدينية والسياسية والاجتماعية.
وكلما تم الغاء الحيز العام باسم الدولة، تراجع الأفراد إلى وكر حيزهم الخاص، وصار متنفسهم جماعتهم أو طائفتهم، وصارت هي «الأعلى» بالنسبة لهم، التي تلغي كل ما سواها.

****

هل الملائكية انتصار للأعلى؟ هل تعزز وجود الأعلى؟ أي هل الغاء الانسان باسم الله يعزز وجود الله، والحياة الدنيا باسم الآخرة، والفرد باسم الجماعة، والمواطن باسم الوطن، والعامل باسم العمل، والتعددية باسم الوحدة؟

على عكس ما تتمناه الملائكية، فإن الغاء الأدنى هو الغاء للأعلى. فإلغاء الإنسان هو الغاء لله. لأن وجود الله مقترن بوجود الانسان الذي هو صورته التي تشبهه على الأرض. الله لا يُعرف إلا بمعرفة الإنسان. كذلك الغاء المواطن باسم الوطن هو الغاء للوطن. لا وطن بلا مواطن. وكل ما يتعلق بالمواطن هو عينه ما يتعلق بالوطن.. وهكذا.. إلغاء الأدنى باسم الأعلى، يجعل الأعلى يبدو وكأنه وجود اقصائي قاس بغيض غاضب شرس دموي عنيف. في حين تعزيز قيمة الأدنى باسم الأعلى يجعل الاعلى يبدو متسعاً محباً رحباً متسامحاً ومثالياً. فما ترانا نختار؟

فراشة باسمة

تأخرت قراءتي لرواية «حروب الرحماء» للكاتب والصحافي المعروف ابراهيم عيسى (صدرت 2018) بسبب عدد صفحاتها ال700. لست من الذين يميلون إلى قراءة الروايات الضخمة، ولدي اعتقاد أن الرواية كلما مالت إلى التضخّم في عدد الصفحات ترهّلت، وداخلها المدّ والحشو والإعادة والتكرار والاسترسال، وفقدت بشكل تدريجي القدرة على مسك القارئ وشدّه. لكن هذه الرواية كسرت قاعدتي. فرغم ما داخلها من تكرار في بعض المواضع، بغرض التثبيت أو لشدّة إلحاح الفكرة ربما، إلا إنها بقت مشدودة وجاذبة منذ البداية حتى النهاية بأكثر مما يكفي؛ فاللغة القادرة والحوارات العميقة والمشاهد التي تكاد تراها بعينك لفرط سينمائيتها، جعلتني أتسمّر أمامها لساعات متواصلة في بعض الأحيان دون أن أشعر بنفسي.  

هي الرواية الثانية من ثلاثية «القتلة الأوائل»، بدأها عيسى برواية «رحلة الدم» (صدرت 2016). تتناول الثلاثية ما عرف بالفتنة الكبرى؛ القلاقل والاضطرابات والنزاعات التي أدت إلى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان في العام 35 هـ، وما تبعها من صراعات وحروب دموية طاحنة طوال فترة خلافة علي بن أبي طالب بدءاً من موقعة الجمل في 36 هـ، ثم معركة صفين في 37 هـ التي تناولتها هذه الرواية، حتى حروبه مع الخوارج التي يبدو أن الرواية الثالثة سوف تتناولها.

تكمن قيمة العمل الأدبي فيما يطرح من أسئلة إشكالية عميقة، سيما تلك المسكوت عنها والممنوع الاقتراب إليها أو مسّها. الكتاب الذي لا يجرح سطحاً ولا يخدش صورة ولا يثير منطقة تفكير رابضة هو ربض آخر. 

ستبدأ أسئلة هذه الرواية من غلافها. ستقف عند عنوانها المتناقض «حروب الرحماء»، هو أقرب لاستخدام ساخر لما فيه من مفارقة. ستسأل نفسك: كيف يحارب الرحماء بعضهم بعضاً؟ ومن هم الرحماء؟ هل استعار الكاتب كلمة الرحماء من الآية القرآنية “محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم”؟ هل هم صحابة الرسول والمسلمين الأوائل الذين ترسّخ في وجدان المسلمين أنهم المتراحمين فيما بينهم المتوادّين المتراصّين كالبنيان المشدود، إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعَىٰ له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى؟ هل هم “خير الناس” الذين جاؤوا في “خير القرون”؟ فكيف يتحارب هؤلاء فيما بينهم؟ وكيف يصيرون أشدّاء على بعضهم؟ وكيف يقتل بعضهم بعضاً؟ كيف وهم صحابة الرسول والمسلمين الأوائل الذين ارتشفوا رحيق الإسلام من فم الرسول مباشرة؟ سيبقى هذا السؤال يتعمّق ويتوسّع أكثر كلما تعمّقت في داخل الرواية. 

واجهتني في البداية صعوبة الإمساك بالأسماء والشخصيات التاريخية الكثيرة التي تضمّنتها -احتجت أن أستعين بـمحرّك البحث (جوجل) مراراً-، لكني كلما مضيت داخل الرواية أكثر، تمكنت مني أكثر وقبضت عليّ أحداثها وصراعاتها وسياقاتها الملتهبة. أدخلتني الرواية في قلب فتنتها بتفاصيلها وشخوصها وتناقضاتها، وجعلتني أمور بالغضب أحياناً والإحباط أحيان أخرى والسخط والألم واللوعة، لا أقوم منها إلا مشحونة بقهرها، وبأسئلتها المفتوحة على الفتنة الكبرى وما أحدثته من صدع  كبير بين المسلمين، نعيش آثاره إلى اليوم. 

برؤية باحثة رصينة، وجرأة ناقدة متمكّنة من أدواتها، تضعنا هذه الرواية مباشرة أمام الخطوط الحمراء التي يُمنع الاقتراب منها فضلاً عن نقدها فيما يتعلّق بالصحابة. فالمتحاربون هنا والمتصارعون والمتناحرون ليسوا أحداً غير (الرحماء). الصحابة المعاصرين للرسول، بل بعضهم من نقل عن الرسول أنه بشرهم بالجنة. ستكون هذه الرواية صادمة للتلقّى المدرسي لهذه الفترة التاريخية الحرجة، وستكون صادمة للتلقي الذي يترحم على جميع (الرحماء) بلا استثناء ولا تمييز ولا نقد، بل ستكون صادمة لفكرة (الرحماء) نفسها. 

يأخذنا ابراهيم عيسى إلى بشرية هذه الشخصيات التاريخية التي طالما حفظنا أسماءها بسطحية، وصنّفناها ضمن مفارقاتنا المذهبية بين تقديس أو تجريم، يجعلنا نراها أمامنا كائنات بشرية طبيعية من لحم ودم، تتحرك من خلال رحمتها أو سيفها، تقواها أو هواها، عدلها أو مطامعها، تناقضاتها واعتلاجاتها وهواجسها وشكوكها ومآربها وطموحاتها ودسائسها وخياناتها ومؤامراتها. يغوص بنا أيضاً في قلب الأحداث التاريخية الصاخبة التي ورثناها عناويناً ورؤوس أقلام ضمن تكويناتنا الثقافية أيضاً: قتل عثمان، قميص عثمان، حرب الجمل، معركة صفين، رفع القرآن على المصاحف… الخ، فيفرشها أمامنا ملء العين والإذن، حتى كأننا نسير بين جثثها ونشم دماء قتلاها.

ستضعنا الرواية أيضاً أمام تساؤلات حقيقية أخرى: هل يمكن للمثالية أن تحكم العالم؟ أم إن “إمامة الصلاة للأتقى، وإمامة الحكم للأدهى”؟ وإن “الرجل الذي لا يبرع في المكيدة، بل يمقتها ويعتبرها نقيصة خسيسة، لا يصلح أن يكون أميراً للبلاد والعباد”؟ 

يمكنني أن أقول -إن صحّ التعبير- أن هذا الكتاب ليس رواية تاريخية، بل رواية تاريخ. فالرواية التاريخية عادة ما يعمل فيها الخيال في صناعة الأحداث والوقائع وحتى الشخصيات، لكن هذه الرواية جميع شخصياتها حقيقية، وكل أحداثها تستند إلى وقائع وردت في مراجع تاريخية معروفة ومعتمدة صدّر المؤلف بها روايته ليؤكد العمق البحثي الذي استند عليه، وكثير من نصوصها والحوارات الدائرة فيها هي من بطون الكتب التاريخية المشهورة، فمن أراد أن يقرأ تاريخاً صعباً ومعقّداً بأسلوب روائي مبدع ومتمكن وقادر وشيّق، فتلك هي. 

فراشة باسمة

As a service we have provided you this image for COMPING/VIEWING purposes ONLY.
To purchase a larger version of this image, search for the 6-character Image Name at:
www.painetworks.com
Search for the 6-character Image Name at the  above website, then click on the Price link next to the thumbnail image. 
Note: If the original Image Name has been changed, open the image in Photoshop. 
Go to File:File Info:Section:Keywords
The Image Name will be the top keyword.
sales@painetworks.com
tel: (701) 947-5932
tel: (888) 966-5932
fax: (701) 947-5933 

«كفُّوا عن سؤالي عن برنامجي: أن أتنفس. أليس برنامجاً كافياً؟». إميل سيوران [1].

ذات جماعة، سُئلت وأنا على وشك مغادرتها: «أخبرينا عن مشروعك الفكري الخاص الذي صرت تتبنينه، ما هو؟». كان ذلك، على نحو يقصد إِحراج خروجي، أو تسذيج هروبي.

اليوم، وأنا هاربة بغير ذات جماعة، أُسال كثيراً: ماذا بعد؟ ما جديدك؟ ما مشروعك المقبل؟ ما برنامجك؟ ما هدفك؟ ما رسالتك؟ إلى أين تسيرين؟ يأتي كل ذلك، على نحو يُخشى عليّ فيه من جديدي، أو يشفق عليّ مني، أو، أو..

تختلف الأنحاء (جمع نحو). والنحو هو الطريق الذي تسلكه. الجميع يريدك أن تنحو ما يتمثلّه هو، أو أن تتمثل ما يرتضيه نحوه، حيث نحوَّه هو البرنامج الأمثل، والمشروع الأكمل، والهدف الأسمى، والغاية الأبعد، والهروب الأخير، والخلاص الأول. الكل يخشى عليك (كما على غيرك)، أن تتنفس خارج أجواء نحوه، يخشى مغادرتك نحوَّه إلى نحوٍ آخر، يشفق عليك غربتك في الأنحاء الأخرى، أن يشتتك هواها، أن يخنقك هواؤها الغريب، فتموت فيها ولا تحيا. وربما يخشى على نفسه، أن تذره بشيء من هوائها الغريب، فتفسد عليه نقاوة عِرق هوائه، وتلوث قداسة نحوِه، بلوثِ غير.

«النحو» ليس مشكلة اللغة فقط. بل مشكلة الإنسان أيضاً. ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يتحرك على نحوٍ حر. والمبدعون (الذين يشقُّون نحواً آخر)، يؤرقهم دوماً النحو. ذات يوم قال حمزاتوف «أريد أن أكتب كتاباً لا تخضع فيه اللغة للنحو، بل النحو للغة» [2]. واللغة هي متنفس الإنسان الأكبر، ومتى كبّلها النحو، صارت خنَّاق الإنسان الأكبر. اللغة المختنقة لا تفقد قدرتها على التنفس وحدها، بل تخنق معها حضارتها ودينها وسياقاتها التاريخية وثقافتها. تفقد هذه كلّها سعة تنفسها. ربما يكون الدين، هو أشفُّ الأشياء في إظهار اختناق الحضارة واللغة. فمتى فقدت حضارته قدرتها على التنفس، يفقد الدين أيضاً، قدرته على أن يكون نحواً يسع اختلاف أنفاس الإنسان.

كان حمزاتوف يريد كتاباً غير خاضع للنحو، بل متسع بالنحو، كتاب يتصرف في تعبيره على نحو مبدع. الكتاب يمثل رئة الإنسان الفكرية التي تموت حين تفقد قدرتها على التنفس. لذلك ظلت روح حمزاتوف دائماً هائمة في جبال داغستان، كي يضمن لكتابه هواء لا يخضع لقواعد الجبال، بل لقممها.

السؤال عن برنامجي أو مشروعي، كان دائماً يستحضر في داخلي سؤالاً آخر، ترى هل يمكن أن أؤلف برنامجاً (كتاباً)، لا يخضع فيه الإنسان للنحو، بل يخضع فيه النحو (بما هو طريق) للإنسان؟ هل يمكنني أعمل وفق برنامج، على «نحو» لا يبرمجني؟

حين تكون إرادة أحدنا أن يؤلف كتاباً، من دون أن يسبق هذه الإرادة همُّ البحث عن نَفَس متَّسِعِ وتنفس جديد، لن يكون هذا الكتاب غير قواعد وبرامج تكبل رئة الإنسان كي لا تتنفَّس، لن يكون غير آليات تخنق نَفَسَه وعقله وفكره. والكتَّاب الذين تسبق إرادتهم للكتاب، إرادتهم للتنفس، هم كتَّاب يضيِّقون الأنحاء على الإنسان. لا فرق بين هؤلاء وبين أصحاب الأيديولوجيات والعقائد المغلقة والطوائف المختنقة والجماعات المبرمجة والسياسيون المشغولون بغنائم جماعاتهم، كلّهم على درجة واحدة، يقفون مانعاً كي لا يتمكن الهواء أن يخلخل رئة الإنسان أو رئة مجتمعه أو فكره أو عقله. يقف هؤلاء ضد الطرق التي توصل إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. فطريقهم إلى الله لا يستقيم إلا عبر برنامج صراطه شعرة.

شعرة هذا الصراط لا تحتمل صراط المدينة الواسع، لا تحتمل ربيع الأنفاس المختلفة والمختلطة فيها، لا تقبل اختلاف إنسانها وتعدد طوائفها وأشكال مرحها وألوان ثيابها وبحر هوائها المفتوح على العالم. تصير الشعرة برنامجاً أحدُّ من السيف. تضيق حتى بمتصوفي الدين الذين ليس بينهم وبين السماء غير خرقة، يخترقون بها طريقهم إلى الله باتساع.

ليس أكثر من المتصوفة قدرة على جعل المدينة مكاناً للتنفس والاتساع. ولهذا ألَّف ابن عربي برنامجه في التنفس، فشق صراطاً واسعاً يأخذه إلى الله، وفي المقابل، شق صراطاً واسعاً إلى الله ليكون حاضراً في الإنسان ومدينته. كان فقه ابن عربي بقدر اتساع نَفَسه واتساع صراطه (برنامجه) واتساع خياله. وكان فقه الفقهاء الذين لا صوفة توصلهم بالإنسان، يضيقون بخرقته وتتخرَّق أنفاسهم به، فيخذلهم الخيال.

النَفَس الإلهي (بفتح النون والفاء)، عند ابن عربي هو مصدر خلق الإنسان، والإنسان تجلٍ من تجليات هذا النَفَس. ليس هناك أوسع من هذا النَفَس الذي هو أصل الإنسان، ومن عرف أن أصله هو هذا، سيعرف اتساع ربه لجميع خلقه باختلاف مللهم ونحلهم (من عرف نفسه عرف ربه). هكذا تتسع معرفة ابن عربي إلى حد أن يقول «قل في الكون ما شئت»، فسعة الله تستوعب كل أقوالك ومعتقداتك وأفكارك وأنحاءك، قل في الكون ما شئت وانح ما شئت وتنفس ما شئت. كل البرامج مشرعة على الله. تنفس فقط على أي نحو تشاء، وستجد نَفَسك يأخذك إلى الله، أو ما تعتقد أنه الله. هكذا يتكثّف نَفَسُك متحرراً من كفاف أسئلة لا يكفّ الآخرون عن حملها إليك مثل: ما برنامجك؟ ما مشروعك؟ ما هدفك؟ ما..

تعقيباً على مقالي السابق الذي قارَبَ كثافة النَفَس الإنساني المتمثل في نموذج «راشيل»، أرسل العزيز حامد الحوري يقول: «الهي علمني كيف أحيا، أما كيف أموت فإني سأعرفه» [3]. سأضيف: إلهي علمني كيف أتنفس، أما برنامجي، فإن نَفَسي كفيل به. أليس برنامجاً كافياً؟

هوامش

[1] إميل سيوران. المياه كلها بلون الغرق. ترجمة آدم فتحي. منشورات الجمل. ص 100

[2] رسول حمزاتوف، بلدي، ص .82

[3] http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7118

http://www.alwaqt.com./blog_art.php?baid=7188

فراشة باسمة

دوماً في الثقافة التي لم يترسخ فيها النقد ترسخاً يقضُّ مضاجع بدهياتها، تجد الكتابة سوء فهم أو سوء تأويل، حين يتعلق الأمر بمحاولة لإعادة فهم هذه البدهيات، وعملها، وعلاقة الإنسان بها. البرنامج هو إحدى البدهيات في ثقافتنا. الإنسان المُشَبَّع ببدهيَّة أن الإنسان لا يمكن أن يكون في الحياة من غير برنامج وهدف وخطة وطريق، لا يمكن أن يقبل فكرة أن تخرج من برنامج، إلا لتدخل في برنامج غيره، وكلما كانت مغادرتك للبرنامج الأول هروباً (كالتي هربت)، صار دخولك في برنامج مقابل له ضرورة توبة (كالتي تابت)، أو أنك تصير إلى ضياع (كالتي ضاعت). فإن تخرج من برنامجك؛ يعني وفق هذه الثقافة، أن تلتحق ببرنامج ديني آخر أو علماني أو ماركسي أو يساري أو..

اللوحة للفنان عباس يوسف

لا يمكن لهذا العقل المُشَبَّع، أن يفهم فكرة أن الإنسان يكفيه أن يتَنَفس خارج البرنامج. أن يتَنَفس أحدنا الله خارج منظومة البرامج الدينية أو الأيديولوجية. تبدو هذه الجملة نقضاً لبدهيته التي تقول إن الإنسان لا يكون إلا ببرنامج. وهي تشبه أيضاً جملة أن «الإنسان ليس عقلاً»، وأن «الإنسان ليس بحاجة إلى نظام». هذه الجمل، حين نفهمها على مستوى النقد، فهي لا تعني أن الإنسان يجب أن يترك يعيش الفوضى والضياع من غير نظام ولا برنامج ولا عقل، بل تعني أن الإنسان عليه أن يتذكر إنسانيته (بما هي نَفَس الله)، قبل أن يتذكر الأنظمة والبرامج التي تعمل كقواعد نحوية صلبة لتحديد نحوه وطريقه.

في مقالي الذي تحدثت فيه عن حاجة الإنسان لأن يتنفس خارج تكبيل البرنامج، واللغة خارج تكبيل النحو، كنت أنطلق فيه من «نحو» نقدي، يرى في البدهيات والمسلمات وقواعدها، مناطق بحاجة دوماً للاختراق، كي لا يستحيل الإنسان فيها آلة يعمل وفق كاتالوج خاص [1]. كنت أشير إلى «نحو» لا يختزل الإنسان في صورة آلة، ولا يختزل أنفاسه في صورة كتالوج مبرمج.

ومن أفق هذا «النحو» النقدي أقول، إن الجماعات الأيديولوجية والجماعات الدينية ترسِّخ فكرة البرنامج باعتبارها «غاية» تصوغ وفقها كتالوج الإنسان، وتجعل من الإنسان آلة لا يمكن تشغيله (كما ينبغي) إلا من خلالها. فحين أنقد فكرة البرنامج فأنا أنقد هذه الغاية، كما أنقد الأفق الذي تشتغل من خلاله هذه الغاية حين تصوغ أسئلتها: ما برنامجك؟ ما هدفك؟.. الخ. لكني لا أنقض فكرة أن الإنسان يحتاج إلى برنامج ينظم من خلاله شؤونه الدنيوية والحياتية. لكني في الوقت نفسه ضد فكرة البرامج التي تقدم نفسها للإنسان على أنها خلاصه الأخروي، وتعِده بمكاسب أخروية تكون هي الضامن لها. مثل هذه البرامج ليست فقط تفسد على الإنسان برنامجه الدنيوي، بل تفسد عليه متعة اكتشاف الأنفاس الأخرى ورؤية جمالياتها، تجعل نفسه ضيقاً بالأنفاس الأخرى متعالياً عليها مكتفياً ببرنامجه منكفئاً عليه.

برامج الجماعات الأخروية والأيديولوجية وجماعات الخلاص، تحيل ثقافة الإنسان إلى مجموعة من الأوامر والنواهي، تماماً كما هو شأن الكمبيوتر، لا يمكن للكومبيوتر أن يتنفس خارج هذه الأوامر، ولا أن يتصرف. كذلك الإنسان المحكوم بثقافة برامج الأمر والنهي، لا يمكنه أن يتصرف خارج قواطع أمرها ونهيها. لا يمكنه أن يؤول المواقف والنصوص أو برامجه الدنيوية بنَفَسه الخاص.

أن يكون برنامجك هو أن تتنفس، هي دعوة ضمنية لما يسميه جيل دولوز «خطوط الانفلات» [2]، فالدولة أو الجماعات الأيديولوجية المتصارعة فيها أو الجماعات الطائفية المحتربة على مغانمها، تضع خططها على هيئة برامج، تستهدف الاستحواذ على الإنسان واستقطاب صوته وتوجيه مآلاته. وبقدر ما تنجح هذه الخطط في عملها الاستقطابي هذا، فإن هناك ثمة أنفاس تنفلت خارج حدود خطوطها وخارج مخططاتها وخارج برامجها. تنشق عليها. تتنفس خارجها. هكذا يكون الانفلات هو هروب واعٍ من الخطوط المعدة لك سلفاً أو المتوقعة منك حالاً أو المقبولة منك مستقبلاً. الانفلات هو برنامجك الخاص، هو أنفاسك المنبثقة من جوف إنسانك، لا من جوف خطك. بهذا المعنى أفهم عبارة سيوران حين يقول «أن أتنفس، أليس هذا كافياً».

خارج الجماعات هناك قواعد النحو أيضاً، يمكننا أن نفهمها أيضاً ضمن مفهوم الانفلات. القواعد برامج للكلام. لكن هناك كلام يبقى خارج القواعد. كان يسميه النحاة «الشاذ»، وهي تسمية لا تعني أنه غير صحيح، ولا أنه خاطئ، بل تعني أنه لا يخضع لبرنامج القواعد. أنه متنفس خارج هذا البرنامج. وحين يتمكن هذا (الشاذ) من أن يكوثر من أمثاله، يجبر اللغة على أن تغيِّر قواعدها، ولا تسألوا حول هذا اللغة العربية، بل اسألوا لغات العالم كلها.

ولأن هذا (الشاذ) هو مشروع لشيء جديد، شيء من قبيل ما يتمناه حمزاتوف (يخضع فيه النحو للغة، لا اللغة للنحو)، فإن علم اللغة الحديث أو اللسانيات، وضع له اسما لا يحمل حكم قيمة (خلاف تسمية الشاذ التي تحمل حكماً تبخيسياً يشي بالنبذ). فأسماه «المتبقي». حين تتعرض إلى حالة اختناق، فإن المتبقي من أنفاسك النقية، تلك المنفلتة من التشبع بثاني أكسيد الكربون، تكتب لك حياة جديدة. كذلك المتبقي من الكلام، يكتب للغة حياة جديدة، لأنه يمدها بنَفَسٍ جديد. نَفَس يتيح لها أن تنفلت على «نحو» حرٍّ مبدع.

والأمر أيضاً مع الإنسان. من يبقى منفلتاً (بوعي) خارج قواعد الجماعات ونحوها وبرامجها، يكتب للبشرية حياة جديدة، ونفساً جديداً. فإن تكون منفلتاً من البرنامج، لا يعني أن تكون من غير برنامج. لكن يعني أن برنامجك هو متبقيك، لا يصب في «نحوٍ» يُنتَظر منك، بل من «نَفَسٍ» تُخرِجُه نقاوة الإنسان فيك..

هوامش

[1] http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5180

[2] http://www.doroob.com/?p=19063

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7255

 

فراشة باسمة

كيف نفهم التفاهة بشكل غير تافه؟
إنها ليست لعبة لفظية، بل لعبة فكرية ومفهوم فلسفي. باسكال هو المنظر الفلسفي لفكرة التفاهة، ويعني بها خلط نسق أو مجال أو مستوى بآخر متمايز عنه. يحدد 3 أنساق متمايزة: نسق القلب، ونسق الذهن، ونسق البدن، من يخلط واحداً من هذه الأنساق بآخر يوقع نفسه في التفاهة. مثلاً، المعلّم الذي يطلب من تلاميذه أن يحبوه لأنه أستاذهم الفاضل الذي يمنحهم المعرفة، يوقع نفسه في التفاهة، لأن المعرفة التي يقدمها تختص بمجال الذهن، فهي مسألة فكرية، والحب مسألة تتعلق بالمشاعر والتقبّل، وجعل الأول شرطاً لحدوث الثاني خلطٌ أعوج وتافه. مثال آخر، أن يخلط صاحب مؤسسة تجارية بين عمله الذي يقوم على طلب الربح وبين غاية أخلاقية أخرى تختص بالوطن، كأن يقول مثلاً: إن الهدف من إرساء هذا المشروع التجاري هو خدمة الوطن والمواطن. أو أن مترشحاً للمجلس النيابي يقول: إنني أرشح نفسي استجابة لرغبة الناس في أن أمثلهم. أو أن ناصحاً يقول لمجموعة من الجياع والمحرومين: جوعكم امتحان من الله. أو أن داعية يقول في وصف زلزال أو كارثة بيئية وقعت في مكان ما من الأرض: هذا غضب الله على الفساد والفسق المنتشر في الأرض. هذه نماذج للتفاهات التي لا تخلو منها الخطابات الاجتماعية.

لكن لماذا نعتبرها تفاهة؟ لماذا لا نعتبرها غشاً أو خلطاً أو كذباً؟
هناك سببان. الأول أن باسكال فيما اعتقد أراد أن يستخدم التعبير الأكثر إيجاعاً لإدانة الخلط والغش والكذب. فالتفاهة لا تخلو من أن يداخلها شيء من هذه المفاهيم. والسبب الآخر، أن مفهوم التفاهة يعبر عن السطحية، سطحية الربط بين الأشياء. فالعقل هو عملية ربط وتركيب، وبمقدار ما يكون ربطك محكماً ومقنعاً، يكون عقلك أبعد عن التفاهة. التفاهة هي الوجه الآخر لعدم القدرة على استخدام العقل استخداماً محكماً. نطلق على الشخص الذي يخلو خطابه من فهم عميق لعلاقة الأشياء أو أسبابها: تافه وسطحي، لأنه لم يمسك بالعلاقات الحقيقية والأسباب الحقيقية التي تنتج مشكلات أو ظواهر سياسية واجتماعية تحتاج إلى فهم عميق.

هل الوقوع في التفاهة مقصود ومتعمد دائماً؟
التفاهة ليست بالضرورة خلط متعمد ومقصود. فالمرجعيات الفكرية التي تتحكم في أذهان الأفراد في مجتمع ما أو عند جماعة معينة، لها دور كبير في الانزلاق نحو الخلط. ليس هذا فقط، بل لها دور في تعميم هذا الخلط وتثبيته ونقله من جيل إلى جيل، أي في تداول التفاهة. التداول بما يتضمن من نشر وتثبيت وتعميم ونقل وإضافة، يعمل على إرساء التفاهة وتأصيلها حتى تبدو عبر الزمن وكأنها حقيقة غير قابلة للنقاش. ربط الزلازل والكوارث الطبيعية مثلاً بغضب الله هو خلط نسمعه في كل مرة نشهد فيها حدثاً مشابهاً، الخلط نسمعه متردداً على ألسنة الصغار والكبار والمتعلمين والأميين فضلا عن الدعاة ورجال الدين. مثل هذا الخلط صار أقرب إلى الحقيقة الدينية في ثقافة مجتمعاتنا. ليس هذا فقط، بل إنك حين تحاول فضح سطحيته وكشفها تُتهم أنك غير مؤمن بقدرة الله وحكمه أو أنك راض على الفساد المنشر على الأرض، وهو خلط آخر وتفاهة أخرى، وهكذا نجد أن تداول التفاهة ينتج، عبر تثبيتها، المزيد من التفاهات التي تنبني عليها.

من هم الذين يمارسون التفاهة؟
ليس البسطاء هم من يمارسون التفاهة، فأولئك تفاهتهم ناتجة عن بساطة وعفوية تخصهم ولا تعتدي على الآخرين، بل غالباً لا يترتب عليها إلزام يمارس سلطته على الآخرين. البسطاء أقرب أن يكونوا ضحية لتفاهات الكبار الذين يديرون خطابهم الاجتماعي والسياسي والديني إدارة لا تحترم تمايز المجالات عن بعضها. تحدثنا في المقال السابق عن الزعيم الاسماعيلي حسن الصباح كيف كان يمارس خلطا بين إرساء نفوذه على أتباعه واستثماره الرغبة باسم الجنة. من يمارس التفاهة هم أصحاب السلطة والقوة والنفوذ سواء في المجال السياسي أو الديني أو الاقتصادي أو الاجتماعي. إنهم أصحاب القوة الذين يملكون صناعة الرأي العام والتأثير فيه. يتأثر به أتباعهم في الشارع وفي السوق وفي المنتديات وفي المساجد وفي المآتم وفي الكتب وفي وسائل الاعلام. كثير من التفاهات يثبتها الإعلام والرأي العام العالمي عبر ما يعيده ويجتره علينا بشكل يومي ليل نهار حتى لا نعود نميز الخلط الذي فيه ويبدو وكأنه ينطلق من نسق واحد.

ما علاقة التفاهة بالاستبداد؟
العلاقة بينهما هي الطغيان. ممارسة التفاهة على سدة السلطة استبداد محصلته الطغيان. الطاغية يخلط بين القوة والمحبة والطاعة. فهو حين يمسك بالسلطة ومقاليد الدولة يريد من الجميع أن يحبه ويثق به ويواليه ويطيعه لأنه الأقوى الذي يمتلك السيادة السياسية. القوة لديه هي الرابط الذي يقتضي أن يقابل بالحب والطاعة وخروج المسيرات ورفع الصور والأعلام التي تنصبه محبوباً للجماهير وأسيراً لقلوبها.

القانون لا يسلم من سيطرة الطاغية الذي يسخره بقوته، فيخلط بين قوة القانون وقانون القوة، أي قوة تسلطه هو على القانون، والتفاهة الكبرى التي يمارسها تتحق حين يخرج طغيانه استخراجاً قانونياً، فيصير القانون الذي مجاله العدالة مخلوطاً بالطغيان الذي مجاله الاستبداد.

ولعل قصة الحاكم الذي جعل جميع وزرائه ورعيته يصدقون أنه يلبس أجمل وأفخم الثياب في الوقت الذي كان عارياً، هو نوع من تفاهة القوة التي تخلط بين القوة والحقيقة، وتمنعك أن ترى بعينك أو تدرك بحواسك غير ما توهمك به القوة أو خاصة القوة أو حاشية القوة، ولم يفضح هذه التفاهة غير طفل مازال يحتفظ بفطرته المتحررة من داء تفاهة الكبار.

http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=60777

فراشة باسمة

“تاريخ العلم، هو صراع بين وحدة يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر في إطارها، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار” [1]

طوال التاريخ، كان العقل البشري مشغولاً بمحاولة تفسير الكون وفهمه. المحاولات تدرجت فيما قدمته بين يدي الكون من تفسيرات، ثم راحت في كل مرحلة، تتوقع من الكون أن يتماثل مع ما رسمته، وترفض كل تفسير لا يتوافق مع الصورة التي أقرتها وحددتها للكون. لكن الكون دائماً، كان له موقف آخر:

(1) في العصور القديمة، حيث الحضارتان البابلية والمصرية، كانت الآلهة، هي المعنية بتفسير الكون عن طريق الكهنة ورجال الدين. لا توجد مسافة بين العلم والدين. العلم هو ما يخدم الدين من حقائق وتفسيرات. وحدهم الكهنة هم أصحاب المعرفة المطلقة في العلم والدين، هم من خولتهم الآلهة لأخذ الناس إلى سراطها المستقيم. الكاهن يقدم تفسيراته الجاهزة، والناس تسأل لا لتفكر، لكن لتعتقد. أن تكون (مستقيماً) يعني أن تعتقد بما يميله عليك الكهنة، أن تفهم الكون وفق ما ترسمه لك. يستقيم أمر الكهنة مع أكثر الناس. لكن هل يستقيم الأمر نفسه مع الكون؟ ليس الكون في سلطة أحد ولا تابعاً له. لا يسير الكون باتجاه اثبات معتقد، بل باتجاه اثبات وجود. ينتفض الكون ليعلن حضوره الرافض لإجابات الكهنة وتفسيراتهم. هو لا يحاور استقاماتهم الجاهزة، بل ينحني بظواهره أكثر، يكسر يبوسة الإجابات الجاهزة أكثر، يفضح هشاشتها وجهلها وتناقضها. سيرفض عقل الانسان الاستمرار في (مستقيم) رمزي متهالك، وسينتقل إلى مرحلة جديدة.

 

 

(2) مع ظهور الفلسفة في العصر اليوناني، وحتى نهاية القرون الوسطى وأوائل القرون الحديثة، يحاول عقل الإنسان المتشبع بمبادئ فلسفة أرسطو، أن يفسر الظواهر الطبيعية بقياسها على سلوك الإنسان وباقي الكائنات الحية. يصف الكون البعيد والمطلق والمجهول والغامض بما يلمسه من جسد الكائنات القريب والمحدود والمحسوس والحاضر. يقابل بينهما: ما دام لكل عضو حيوي في جسم الانسان غاية، فكذلك كل ما في الكون يسير وفق غايات يحددها الرب. يحاول العقل (الغائي) تفسير ظواهر الكون المتعددة والمختلفة بما يعتقده من غايات الرب. يتوه الانسان في محاولة سبر غايات كل جزء من أجزاء الكون وظواهره وخروقاته. للكون دائماً مهارة أن يربك خطوطك المستقيمة المفترضة. يشاغبها بتشابكاته غير المتوقعة وغير المحسوبة. لا يكف الكون عن أن يريك تعدده في آفاقك الضيقة. أن يعددك في آفاقه الرحبة. تكف (الغاية) عن أن تكون تفسيراً مقنعاً. سيستهزئ بها العقل الذي ملّ عجزها عن التفسير. وسينتقل الانسان إلى مرحلة جديدة وعصر جديد.

(3) منذ القرن السابع عشر حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. تسيطر الفكرة الميكانيكية على الكون. يُدرك العقل عدم جدوائية أن ينحصر في الماورائيات والغيبيات والغايات. يتجه إلى التفكير المادي. يدخل العالم مرحلة الصناعات الدقيقة والآلات. الكون ليس شيئاً آخر غير آلة ضخمة. الظواهر الطبيعية يجري تفسيرها الآن بقياسها على سير الآلات البسيطة، لا على سلوك الإنسان. الكون (الآلة الضخمة) يُدار بنظام ودقة صارمين. يرى ديكارت أن آلة الكون، لا يتحرك جزء منها إلا تحت تأثير مباشر من قبل جُزيء آخر. تسيطر فكرة ميكانيكية الكون. المطلوب فقط هو اكتشاف طريقة عمل الكون، أو قانون الكون.

يكتشف نيوتن الجاذبية الأرضية. يحاول الوصول إلى قانون ثابت يحكم آلة الكون. يضع قوانين الحركة الكونية الثلاثة. يصفق العالم لنيوتن. يعتبره أعظم علماء الكون. يؤكد نيوتن أنه لوعرف مقدار الطاقة والحركة ومواقع الأشياء في العالم، لأمكنه معرفة الماضي والحاضر والمستقبل، لأن آلة الكون تسير في خط مستقيم يبدأ بالماضي وينتهي بالمستقبل مروراً بالحاضر في حركة خطية مطلقة. يعتقد العلم أنه حقق انتصاره الأبدي على الكون، وأنه قد وقع أخيراً على نظام آلة الكون وأمسك قانونها. يفاخر الرياضي الفرنسي (لاغرانج): “إن للكون قانونا واحدا، وقد اكتشفه نيوتن”[2]. ويفتخر اللورد كالفن: “لم يعد هناك المزيد الاكتشافه في الفيزياء الآن، ليس هناك إلا المزيد والمزيد من الدقة في القياسات”[3]. تصير قوانين نيوتن هي الخط المستقيم الذي تسير عليه كل من آلة الكون وآلة العلم.

الكون وكعادته المتردة على كل إطلاق، ينتفض مجدداً. يُفشل القانون (الواحد). يستمر في زلزلة العلوم التي تفرض عليه ما يجب أن يكون. يُخجلها كما أخجل الكهنة من قبل. لا فرق بين علماء الطبيعة والكهنة، ما دام جميعهم يريدون تقييده بقبضات قوانينهم ومعتقداتهم. يتسلل الكون مستنفدا امكانات هذه العلوم في تفسير الكون. يكشف لها عن حاجتها إلى إعادة النظر في مبادئها. تصير في حاجة إلى ما يصحح اعوجاجها. ستبدأ مرحلة جديدة، وعصر جديد، واختلاط آخر بين فهم الانسان وتمرد الكون.

(4) استمر تاريخ العلم صراعاً، بين إطار يراد إدخال أكبرعدد ممكن من الظواهر فيه، وبين ظواهر مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول في هذا الإطار. الصراع يأخذ شكل حوار أو رفض أو تمرد أو كشف أو تناقض أو تداخل أو جدل. كلما أتى العلم بإطار (قانون) جديد ليقحم الكون فيه، ازداد الكون تمرداً وتبعثراً وتفرقاً ليكشف أن هذا الإطار ما هو محطة عابرة في تاريخ فهمه ومعرفته، وأنه سائر إلى نحو آخر أكثر إلغازاً وإبهاماً.

هكذا نصل إلى المرحلة الأخيرة منذ حوالي 1875 إلى وقتنا الحاضر. يتراجع الاعتقاد بميكانيكية الكون وتحض فكرة ديناميكيته. الكون لا يعود آلة ضخمة كبيرة كما في المرحلة السابقة، ولا نظاماً دقيقاً صارماً يسير وفق قوانين طبيعية محتومة في حركة خطية مطلقة. الكون الآن هو مجموع التفاعلات المكونة له. هذا ما يذهب إليه آينشتاين الذي قوّض بنسبيته الأسس العلمية التي سبقته. فالمكان والزمان حسب آينشتاين لا وجود لهما خارج العناصر المادية  المكونة لهما والمتفاعلة فيهما. الفضاء الخالص لا وجود له، بل هو العدم بذاته، ولا يمكن تصوره إلا إذا كان يحتوي على النجوم والكواكب والسيارات والشهب والنيازك والاشعاع والسدائم والغاز والغبار وحقول التجاذب، وجود الفضاء مرهون بوجود محتواه من المادة والقوة، فمحتواه هو الذي يجعله هو هو، وهو الذي يسبغ عليه خصائصه. [1]

نسبية آينشتاين صاغت الكون بما يحتويه من مكونات، وما يعتريه من أحداث وانفجارات واعوجاجات واختراقات، لا بما يرصده له الانسان من قانون ثابت. آينشتين الذي أوقف حياته كلها على اكتشاف قوانين الطبيعة، يعترف أخيراً  “أشد الأشياء استغلاقاً على العقل في هذا العالم، أن العالم يمكن تعقله”. ينهزم العقل أمام الكون المستغلق على ان يُفهم أو يعقل أو يقنن ضمن قانون ثابت. فالثابت أنه ليس هناك ثابت في الفهم الإنساني للكون.

ربما أمكننا أن نقول، إن (الكون) ارتاح لوصول الانسان أخيراً لهذه النتيجة. وكأنه عبر تمرداته الطويله وصراعاته التي أوقع فيها عقل الانسان، كان يريد أن يوصله إلى مثل هذا. أن الكون وجودٌ قائمٌ في (حياة) لا في (آلة). أنه كائن متفاعل لا آلة صماء. القانون ليس سوى آلة، طالما أنه يريد أن يُلجم حركة الكائن الحرة والمتفاعلة. الكون لا يعبأ بما يريده منه الإنسان أن يكون. هو كائن فقط بما هو. وعلى عقل الانسان أن يتقبله كما هو، بكل ما فيه، لا كما يريد. يقول فرنل:”إن الطبيعة لا تعبأ بالصعوبات التحليلية ولا تكترث للصعوبات الفلسفية ولا لقوانين المنطق بل ولا لمقتضيات الفيزياء. إنها تعمل والسلام. أما القول بأن فكرة من الفكر لا تكون صحيحة إلا بمقدار ما تنطق عن عقولنا فهو هراء من هراء، لأن ذلك معناه أن الكون قد قُدّ بالضرورة وفقاً لمقولات عقلنا وإنه يحرص على الانسجام مع مطالب فكرنا. فليكن الكون ما يحلو له أن يكون، وما علينا إلا أن نسجل ما نسمع ونرى”[2].

 

(5) التحول بعلاقتنا مع الكون من (أن يكون وفق ما نرى) إلى علاقة (أن نسجل ما نسمع ونرى)، يجعل من الكون حضوراً دائم الدهشة والابداع والامتاع. دائم التجلي في حكمة وجمال خارقين. إن الكون المتحرك وفق ما يُراد له (الكون الآلة)، هو كون معروف سلفا من أين يبدأ وإلى أين يسير. ولهذا، هو فاقدٌ للقدرة على إدهاشنا، فاقد أن يكون حدثاً غير متوقع، فاقد أن يربك توقعاتنا واستنتاجاتنا. أما الكون الذي يتحرك وفق ما يُريد (الكون الحي)، فهو كون يبتكر نفسه بنفسه كل يوم، لهذا نحن في ترقب ما يفاجئنا ويدهشنا ويخترقنا ويسحرنا، نحن في تواضع ما يأتيه من أفعال وردود أفعال. لهذا كان آينشتاين يرى أن الاحساس الصوفي بنواميس الكون هو نمط عميق من التدين. هذا الاحساس يجعلك في دهشة ما لا تدرك وما لا تصل إليه. يقول:”إن أجمل انفعال يمكن أن تهتز له نفوسنا هو الانفعال الصوفي. فهو أصل كل فن، وكل حق. معرفتنا أن ما لا ندركه موجود حقاً ويتجلى حكمة وجمالاً، وأن ملكاتنا الفقيرة لا ترى منه غير أشد صوره فجاجة، هذه المعرفة وهذا الشعور، هما محور الشعور الديني الصحيح. بهذا المعنى، وبهذا المعنى وحده، اضع نفسي في مصاف الرجال المتدينين تديناً عميقاً”[3]

ملكاتنا الفقيرة لا ترى من الكون غير صورة سطحية فجة: آلة صماء مطيعة ومستجيبة ومنفذة لقرارات غيبية نافذة، أو لقوانين ثابتة مفترضة، لكنها ليست ترى منه ذلك الوجود الغامض الجميل المشبع بالحكمة، والنافذ بالبصيرة البعيدة، والقادر على التحكم والاختيار وفعل ما يريد وما يرى، مما قد لا ُيراد، ولا يُرى له.

 

(6) الإطار الذي أُريد طويلاً للكون أن يُقحم فيه، هو عينه الذي أُريد للإنسان (الأشبه بالكون من حيث الاستعصاء والاستغلاق والتمرد والتفرق والتبعثر والتشتت) أن يُقحم فيه عبر التاريخ أيضاً. يتشابه التاريخان حتى يبدوان منسجمين ومتطابقين تماماً. تاريخ الإنسان صراع مماثل بين إطار (جماعة، ثقافة، معتقد، نظام) يراد إدخال أكبر عدد من الأنفاس فيه، وبين أنفاس مبعثرة متفرقة تتمرد على الدخول فيه. وكما أن فهم العالم وتعقلنه صعب مستغلق، كذلك الإنسان الذي هو عالم صغير، صعب أن يفهم وأن يحصر في إطارات ثقافية تفرض عليه مسارات حياته وتفكيره.

تقرر اُطر الثقافات والجماعات: الإنسان إبن شرعي لقانون واحد فقط، ولإطار واحد فقط، و ما سواه خارج عن شرع الفطرة التي تسير عليها الخليقة. تحمل كل ثقافة (وكل جماعة) إطارها الواحد وتمضي به نحو العالم. تحاول، لتقنع العالم بمثالية إطارها، أن تفسر الانسان وفق نموذجها، أن تُدخل أكبر عدد من الانفاس في (غايات) إطارها.

تمرد الكون أوصل العلم إلى استحالة التعامل معه كآلة ضخمة، أو كإطار ثابت، بل كوجود حر فاعل متفاعل. لكن هل استطاع الانسان أن يوصل الأُطر التي تريد ضمه في داخلها، إلى استحالة التعامل معه كآلة؟ وأنه تماماً مثل الكون، يفعل ما يعي ويُريد، وأن علينا فقط أن نسجل ما نسمع ونرى، وننشغل بفهم الإنسان والعالم، لا الحكم على أي منهما؟

هل ستكف الأُطر عن أن ترى الانسان بغير تلك الصورة (الفجة): أنه غير قادر على السير دون (إطارها) المحدد له سلفاً، والمطلوب منه أن يكون على مقياس نموذجه أبداً؟! هل ستتمكن بملكاتها الفقيرة والعاجزة والمحدودة، أن تدرك الجمال الكامن في فكر وروح وقلب الإنسان، أن ترى الحكمة في تمرده الذي يصنع العالم، ويثري وجودات الكون؟!

هوامش:

[1] آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص64

[2] www.el7ad.com/smf/index.php?topic=76700.0;wap2

[3]http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D9%85

[4]، [5]، [6] آينشتاين. محمد عبد الرحمن مرحبا. منشورات عويدات. ص 130، 83، 15.

وصلات:

الكون بوصفه متمرداً (1) http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12131

الكون بوصفه متمرداً(2) http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12167

فراشة باسمة

مشاركة في ندوة الاتحاد النسائي البحريني تحت عنوان: المرأة في صراعها الطويل: هكذا يريدوني وهكذا أريد نفسي.

سأتناول هنا بعض الإشكالات القائمة في ثقافة المجتمع تجاه المرأة. واسمحوا لي أن أبدأ بجريمة قتل حدثت مؤخراً في البحرين أعتقد أنها تكشف بشكل كبير سوأة هذه الثقافة. 

في تهم الشرف

دعونا نتوقف عند التلقيات الأولى لجريمة قتل الشابة البحرينية (إيمان صالحي) في 2018، دعونا نستذكر كيف وصلنا خبر جريمة قتلها على وسائل التواصل المجتمعي وقبل أن يصدر الخبر الرسمي عن وزارة الداخلية. في الوقت الذي كنا ما نزال في صدمة خبر الجريمة ونتساءل عن صدقه أو عدمه، كانت القصص تأتي تباعاً. القصة الأولى: قضية شرف. القصة الثانية: أنها كانت تهدد القاتل بفضح علاقة غير شرعية معه. القصة الثالثة: أن القاتل شخص طيب وخلوق، لكن القتيلة كانت تصر أن تذهب عند باب بيته كل مرة تلتقي فيها بأشخاص! وأنه كان ينهاها في كل مرة دون فائدة. لا أفهم لماذا عند باب بيته ولماذا تأخذ معها صغيرها ذو الست سنوات، لكن تلك هي من ضمن القصص التي وصلتنا.

كل هذه القصص وصلتنا، بينما جثمان الفتاة ما يزال ملقى هناك على الأرض. وكلها لعبت الدور الكبير في تلقينا الأول للجريمة بل حتى شعورنا الأول تجاه القتيلة قبل أن نعرف من هي.

ثلاث قصص مختلفة تشترك جميعها في شيء واحد فقط، أن المقتولة هي الجانية والقاتل هو المسكين، وأي جناية! إنها جناية في الشرف والأخلاق والعفة. إنها التهمة الأبسط التي يمكن توجيهها لأي امرأة، بل أكثر من ذلك، إنه التفكير الأول الذي تذهب إليه عقولنا وتحليلاتنا.

من الذي أطلق هذه القصص؟ سيقول البعض هم أفراد معدودين. 

 سأقول لا، إنه المجتمع الذي أطلق هذه القصص، المجتمع الذي صاغ عقول هؤلاء الأفراد، وجعلهم ينطقون من خلاله. هذه باختصار النظرة الكامنة في المجتمع تجاه المرأة.

يقوم المجتمع بـ«تذويت» أفراده، أي جعل ذواتهم جزءاً من ذاته، فالتذويت في اللغة هو جعل الشيء جزء من الذات، وفي الفلسفة يعني إنتاج الذات عبر إخضاعها لمعايير. هذه المعايير تجعل أفراد المجتمع جزءاً من ذاته، أي صور متكررة لما يريدهم أن يكونوا عليه.


صورة جماعية للاتحاد النسائي والمشاركين في الندوة

في تذويت المرأة

لأن المجتمع الخليجي هو مجتمع ذكوري تقليدي، فهو يضع المعايير التي تلبي تطلعاته الخاصة، ليجعل كل شيء جزءاً من ذاته (ضلعه). والمرأة التي تنشأ في هذه البيئة التقليدية تُنتج نفسها وفق هذه المعايير، وتنوع طرق تشكيل ذاتها وفق النموذج الذي يرضاه لها. إنها تخضع لمعايير المجتمع ومبادئه المُلزمة حيال نفسها وحيال الآخرين. فعندما يرسّخ المجتمع مثلاً، معيار أن الزوجة الفضلى أو الأم المثالية هي تلك التي تجعل كل وظيفتها في الحياة التضحية من أجل زوجها وأبنائها وأن تفني حياتها كاملة لهم، حتى لو كان ذلك على حساب طموحها وذاتها ووجودها، فإن المرأة الممتثلة لمعيار هذا المجتمع والمتماهية معه، تقوم بتشكيل ذاتها لكي تكون وفق نموذج تلك الأم المثالية والزوجة الفاضلة، والتي لا هدف لها في الحياة غير الذوبان الكامل في أسرتها، مقابل الإنكار الكامل ذاتها.

المرأة التي تهتمّ بذاتها وكيانها ووجودها وطموحها الشخصي ومشاركتها المجتمعية إلى جانب أسرتها، تبدو وفق هذا النموذج وكأنها أنانية، أو مستخفة بالدور (التضحوي العظيم) التي خلقت له وخُصّت ومُجّدت.

إنه نموذج منتج عرفياً وتاريخياً؛ يحدّد لتلك لمرأة مقاييس الأنوثة والقيمة والأخلاق والشرف والستر والتدين والالتزام، ويؤطر حركتها وسلوكها العام، كما يحدّد نظرتها تجاه نفسها والآخرين. يقدّم هذا (النموذج) وكأنه ميزة ممنوحة للمرأة أو كأنه تفضيل يقدّمه المجتمع للمرأة عرفاناً لها بدورها الحقيقي ومهمتها المقدسة.

وكأمثلة أخرى على التوقعات القيمية التي تضاف للنماذج المصاغة، يصف هذا المجتمع المرأة التي تلتزم بلبس العباءة السوداء والنقاب بأنها نموذج للعفة والستر والشرف، والتي لا تختلط بالرجال بأنها جوهرة مصونة، والتي لا يُسمع لها صوت أو رأي بالحياء، والتي تخضع لأذى زوجها وسوء طباعه وكأنه نصيبها المحتوم بالمجاهدة، والتي ترضى بواقعها المرّ (الذي يمكن التمرد عليه وتغييره) بالصبورة، وهكذا..


في الحجاب

في 2014 كنت في زيارة إلى متحف البحرين الوطني. وعند خروجي قريباً من مواقف السيارات لفتني منظر امرأة من الخلف، كانت تتربع على الأرض مشغولة بقراءة كتاب، فيما طفليها الصغيرين يلعبان حولها. بدا لي مظهر المرأة من الخلف وكأنها أجنبية، خاصة مع شعرها الأشقر القصير والقميص الصيفي القصير الذي ترتديه مع بانطلون (جينز). حسناً، هذا ليس كافياً لأظنّ ذلك، لكن ربما كان كافياً بالنسبة لي أنني لم يسبق أن شاهدت امرأة خليجية تجلس في هكذا وضع وتقرأ عند مدخل مكان عام، وهي ممارسة قد تكون طبيعية في المجتمعات الغربية، لكنها ليست كذلك في مجتمعاتنا العربية. باختصار، أحببت المشهد وسعدت به كثيراً ولم أفكر أن منع كاميرا هاتفي وهي تلتقط بعض الصور بهدف وضعها في الانستغرام والتعليق عليها.

كانت التقاطاتي من الخلف وكانت بعيدة بعض الشيء. لكني تفاجأت عندما أدارت المرأة رأسها بعد أن سمعت صوت الكاميرا، وقالت بلهجة خليجية: ماذا تصورين؟ ولماذا تصورين؟ بدت في غاية الانزعاج. 

 بابتسامة محرجة قلت: “هل ازعجتك؟ اعتذر.. لقد أسعدني منظرك وأنت ذاهبة في القراءة”. ردت علي بانزعاج أكثر: “وهل غريب أن يقرأ أحدهم؟!”. قلت معتذرة: أوه ليس غريباً طبعاً، إنه جميل وملهم فحسب، إنه مشهد لا يتكرر في بلداننا لهذا يبدو غريباً ويسحق الاحتفاء. أضفتُ مبررة: لم أعرف أنك عربية ولم أصورك من الأمام، لا تقلقي سأمسح الصور فوراً..

هدأ انزعاجها بعد أن أدركت حسن نيتي، ولم يطل الأمر حتى تعارفنا، وعرفت أنها روائية من إحدى الدول الخليجية (غير السعودية). سعدنا من تلك الصدفة التي جمعت بين امرأتين لهما اهتمام ثقافي متقارب، ودخلنا في حوار ممتع عرفت من خلاله أنها كانت تبحث في مكتبة المتحف حول موضوع يخصّ عملها الإبداعي القادم، ودللتها بدوري على بعض المكتبات العامة في البحرين حيث يمكنها الحصول على كتب قد تفيدها.

لاحقاً، عرفت سبب انزعاجها الشديد من الصور التي التقطتها، فهي لا تظهر في بلدها بالهيئة التي شاهدتها عليها في البحرين، بل ترتدي العباءة السوداء مع غطاء الشعر (الشيلة) وبهما تحضر جميع الفعاليات الثقافية التي تشارك فيها، وهي ترتديهما لأن عرف مجتمعها وبيئتها يفرضان عليها ذلك، لا لأنه لديها أي قناعة دينية بلبسهما. لذلك حين تسافر خارج بلدها إلى بلد آخر أكثر تسامحاً مع لباس المرأة، أو وسط غريب عنها، فإنها حينئذٍ فقط تصير ذاتها الحقيقية كما تريدها وكما تقتنع بها.

ليست تلك حالة استثنائية، وليس سرّاً أننا نعلم أن فئات كثيرة من النساء الخليجيات يتعاملن مع نمط اللباس المفروض عليهن، والحجاب خصوصاً باعتباره فرضاً عرفياً لا دينياً. وأن أعداداً كثيرة من النساء الخليجيات، خصوصاً من يأتين من بيئات أكثر تشدداً، يلقين حجابهن ونقابهن بلا تردد، عندما يضعن أولى خطواتهن خارج بلدانهن، لكنهن ما زلن غير قادرات على فعل ذلك في مجتمعاتهن بسبب إما سياسة الدولة التي تفرض عليهن غطاء الشعر أو النقاب، أو بسبب بيئاتهن المحافظة وأوساطهن التي تعتبر خروج المرأة سافرة بلا حجاب أو عباءة تمرداً على الشرع ومخالفة للدين وخدشاً لحياء المجتمع.

في أوساطنا المجتمعية عايشنا كثيراً من الصراعات التي خاضتها بعض النساء -فتيات صغيرات أو نسوة بالغات- مع عوائلهن وأوساطهن تمرداً على ارتداء الحجاب أو النقاب أو حتى العباءة السوداء، اعتبرن ذلك تقييداً لحرياتهن وتعارضاً مع قناعاتهن الشخصية والفكرية. البعض تمكنّ من فرض إرادتهن وسط تحفظ عوائلهنّ، والبعض الآخر عجزن عن ذلك واضطررن للمسايرة والخضوع للضغط الاجتماعي، وأخريات تصالحن مع الوقت مع هيئتهن العامة وتعايشن معها، فيما ظلّت فئات كبيرة من النساء تبتكر طرائق مختلفة لجعل ارتداء الحجاب أقل تعقيداً وإحكاماً، ليقف عند حد الاحتشام العام. وبالطبع هذا لا ينفي أن الغالبية العظمى من النساء الخليجيات يرين في الحجاب فرضاً دينياً ويحرصن طوعاً على ارتداءه مع تباين التعاطي الشكلي معه بين تشديد أو تخفيف.

تخف حدّة الصراع حول ارتداء الحجاب داخل الدول الخليجية الأكثر تسامحاً مع حرية المرأة مثل البحرين والكويت، وتتلاشى إلى حد كبير داخل البيئات الثرية والليبرالية داخل هذه الدول بشكل خاص، لكنه يبقى موضوعاً صعب الولوج فيه داخل البيئات القروية والمتدينة المتشددة. وبشكل عام تلتزم النسوة الخليجيات بحدود من الحشمة، كلٌ بالقدر المقبول في وسطها الأسري والاجتماعي.

مع عدد من الناشطات والمدافعات عن المرأة

في الاختلاط

التحولات الاقتصادية التي شهدتها المجتمعات الخليجية، وانتشار التعليم وحصول المرأة على الشهادات الجامعية والشهادات العليا بشكل واسع، فرض حضور المرأة في المشهد الاقتصادي حتى صارت مشاركتها أمراً طبيعياً ومفروغاً منه بعد أن كانت مرفوضة في كثير من الأوساط. لكن، هل صاحب ذلك تحولاً على صعيد الثقافي فيما يتعلّق بالأعراف وأسلوب الحياة؟ هل التحولات الاقتصادية واكبت في بلداننا الخليجية تحولات فكرية وثقافية؟

فما زال الفصل بين الجنسين في العمل هو السائد في المملكة السعودية، وما تزال بعض المجتمعات الخليجية أو فئات عريضة منها، تفضل أن تعمل المرأة في المهن التي تفصل بين الجنسين مثل التعليم، وما تزال المرأة التي تعمل في الحقل التعليمي مفضلة كزوجة عند فئات كبيرة من الشباب الخليجي المقبل على الزواج.

تؤكد القاصة السعودية أمل البشراوي أن أغلب مجتمعها “ينظر إلى المهن المختلطة كإثم تقوم به الأقليات المنفتحة ولا يجري فيها العُرف القبلي”. ورغم الانفتاح النسبي للمجمتع البحريني، ترى الشاعرة البحرينية منى الصفار أن “المجتمع البحريني كأي مجتمع خليجي ذكوري لا يزال ينظر للاختلاط بمنظور متحفظ رافض، ولا تزال الزوجة المدرّسة هي المفضلة في المقارنة مع الوظائف الأخرى خصوصاً لما تمثله شريحة المجتمع القروي الأكثر محافظة من مجتمع المدينة على الأغلب والتي تمثل غالبية من نسبة السكان في البحرين”.

وفي حين صارت المجتمعات الخليجية تحرص على تعليم أبناءها في المدارس الخاصة بدلاً من الحكومية، وهي ظاهرة غزت هذه المجتمعات خلال العقود الأخيرة بعد أن كانت تختص بأبناء الجاليات الأجنبية والطبقة الثرية غالباً. فإن هذه المجتمعات كيّفت، أو لنقل ذوّتت، هذه المدارس بما يتلاءم مع واقعها الذي تريده فيما يتعلّق بمسألة الاختلاط. فالمدارس الخاصة نشأت في أصلها مختلطة في الغالب على خلاف المدارس الحكومية التي تفصل بين الجنسين، وقد أنشأت أجيالاً جديدة أكثر انفتاحاً على الحياة واختلاطاً بالجنس الآخر وقدرة على التعامل معه ومع ذاتها، لكن المجتمعات الخليجية التي تريد لأبنائها إتقان اللغات الاجنبية من أجل (التواصل) مع العالم، لا تقبل لبناتها (التواصل) مع الجنس الآخر، فعملت على (موائمة) هذه المدارس مع بيئتها بإنشاء مدارس خاصة تفصل بين الجنسين. وفي الوقت الذي تسمح فيه عائلات لأبنائها الذكور من إكمال درساتهم في المدارس الخاصة المختلطة، فإنها تقوم بنقل بناتها بعد الصف الدراسي الثالث (مع بلوغ الفتاة سن التكليف) أو بعد المرحلة الابتدائية إلى مدارس خاصة غير مختلطة أو إلى مدارس حكومية.

أيضاً، تحرص االمجتمعات الخليجية، خاصة الطبقة الوسطى والثرية منها، على ابتعاث أبناءهم وبناتهم لاتمام دارستهم الجامعية وتحصيل الدراسات العليا في الجامعات الغربية، وهو أمر يفترض أن يساهم في تحريك وعي جديد عند الجيل الجديد عموماً، وعند الفتاة الشابة تجاه نفسها ووجودها، عبر مقارنة تكوينها الشخصي والفكري والاجتماعي بمثيلاتها في هذه الدول وإعادة انتاج ذاتها وفق معايير إنسانية عامة أكثر تفتحاً.

لكن إلى أي مدى نجح ذلك فعلاً في إحداث تغيير نوعي في ذات المرأة؟ يبقى سؤالاً يثيره استاذ علم الاجتماع باقر النجار في كتابه «المرأة الخليجية وتحولات الحداثة العسيرة»: رغم انخراط المرأة في التعليم العالي في البلدان الخليجية، إلا أن التساؤل المطروح هو “هل استطاع هذا الانجاز أن يغير من ذات المرأة في شيء؟ أو أن يدفعها من دائرة الرجل وقيمه وأعرافه؟ يردف: “التعليم قد ساعد الرجل كما المرأة في ولوج سوق العمل الحديث والتخفيف نسبياً من قيود الموروثات الاجتماعية القائمة، إلا أنه فشل في إحداث تغيير نوعي في ذات المرأة كما الرجل، ما زال الاثنان ولربما المرأة بصورة أكبر، مشدودين للذات التقليدية الحافظة لتوزيع القوة في المجتمع، فلا الرجل يرغب أن يثور عليها، إذ بها تتحقق استمرارية هيمنته، ولا المرأة تتجاسر بالتمرد عليها”.

حضور الصديقات أميرة عيسى وهدى المحمود وهناء بوحجي
فراشة باسمة

يتحدّى طبيب الأسنان عقيل الموسوي نفسه، يدخل عالم الرواية بمهارة طبيب حاذق، يستخدم أدواته المعروفة في جرّاحة الفمّ والأسنان: مرآته الصغيرة التي تكشف موضع النخر في الأسنان، ومسباره الذي لا غنى له عنه في سبر غور النخر وعمقه ومقداره، وما قد ينتج عنه من انهيار الأسنان وتلفها. بهذه الأدوات نفسها يقتحم عقيل الموسوي عالم الرواية، لكن برؤية الباحث في التاريخ والقارئ والناقد، يحاول أن يسبر غور مناطق في التاريخ الإنساني والإسلامي، يلجها بذات مرآته الكاشفة التي تبحث عن المواضع المنخورة التي ما زالت تضرب في تعصّب إنساننا، لا عصب أسناننا، ثم بذات مسباره، يطرق مناطق في هذا التاريخ المشحون بالصراعات الفكرية والعقائدية والسياسية، محاولاً سبر غور هذا النخر.

بعد 4 أعوام عن روايته الأولى “آريامه نامة” 2017، يصدر عمله الروائي الثاني “دارا الزرادشتي” 2021. في العملين اختار بلاد فارس ميداناً لبحثه وسرده وشخوصه في حقبتين زمنيتين مختلفتين. لكن الملفت هذه المرة هو ما حققه من انتقالة نوعية كبيرة في عمله الروائي وتمكنه من الأدوات الروائية.

تدور أحداث رواية “دارا الزرادشتي” في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري)، ينقلنا بطل الرواية دارا عبر رحلته الفكرية والعقائدية وسط أحداث سياسية وصراعات عقائدية مضطربة، نطوي معه 83 عاماً كاملة منذ لحظة ولادته حتى لحظة مقتله، نقطعها في أكثر من 400 صفحة. نبدأ من حيث مسقط رأسه مدينة (يزد) ونشأته زرادشتياً ينتمي إلى واحدة من العوائل التي تنسل الكهانة أباً عن جدّ. تنتظر دارا مهمة (الموبذ) التي سيمررها والده له ليكون خلفه في زعامة الطائفة. 

كانت الزرادشتية ديناً رسمياً لعدد من الإمبراطوريات الفارسية، قبل أن تغزو جيوش المسلمين بلاد فارس في القرن السابع الهجري فيما عرف بالفتوحات الإسلامية، ليصير الإسلام دين الدولة ويعانى الزرادشتيون من التمييز والمضايقة والاضطهاد. “نحن أهل هذه الأرض، جاء المسلمون فأمسينا تحت حكمهم أهل ذمة، ندفع لهم أثمان الأمان جزية، ضيوف لكننا في عقر دارنا” يقول والد دارا.  تتزايد حدّة المضايقات، فيوجّه الموبذ (والد دارا) الطائفة للنجاة بأنفسهم والفرار إلى الهند، فيما يبقى هو ليكمل مهمّة تأهيل ابنه دارا ليصير الموبذ التالي. يوطّد الأب النصوص والتعاليم الزرادشتية في كيان دارا الصغير. يكبر الموبذ في داخله، ويكبر تقديسه للنار والنور. النار طقس طهارة والنور أصل الخير. يتعلّم دارا من والده القصص التي تصطفي ملّة آبائه وأجداده، مقابل ما تُنقص من العقائد الأخرى، تصاغ رؤيته لها باعتبارها ملّل منسلّة من الزرادشية أو متحدية لها أو قاهرة. “علمني أبي قصص فرق مارقة انسلت من ملتنا: المانوية والزروانية والمزدكية، علمني عن ملل تحدّت عقائدنا بعلوم لاهوتها: اليهودية، والنصرانية، ولم ينس أبداً الديانة التي قهرتنا بجيوشها: الإسلام”. 

يبلغ دارا سن التكليف فيلفّ والده الزنار المقدّس حول خصره في طقس خاص: “هذا عدّتك للدين” ثم يمنحه الكتاب “هذا عدّتك للكهانة”، ويكون عليه أن يلتحق بالطائفة في الهند ليكون موبذها الجديد، لكن يأتي رد دارا الصادم: “لن أرحل. في فارس سأبحث عن معنى لوجودي”. يفارق الأب الحياة حزيناً، لتبدأ رحلة دارا، يطوف مدن فارس وقراها وصحاريها، من يزد إلى شيراز إلى نيسابور إلى قلعة آلموت إلى مراغة. 

يكون المانوي الذي يلتقيه في القافلة في الطريق من يزد إلى شيراز، أول صوت مختلف يسمعه دارا ويصدم حقائقه التي ورثها عن طائفته. سيتعرّف من خلاله على ماني الذي قتله أسلافه الموابذة الزرادشتيين بطريقة وحشية بتهمة الزندقة والهرطقة، سيسمع من نصوصه وأفكاره ما يجعله يخجل من سلالته التي تفخر بقتله وترى في ذلك إنجازاً عظيماً. يعيش دارا هزّته الأولى. 

في شيراز يمرّ بأحداث كثيرة، يعيش غربته فيما تستفز صلاة المسلمين مشاعره، تأسره، ينصت إلى صلاتهم باعجاب، لكنه يبقى يخفي زناره تحت ثيابه خوفاً من معرفة معتقده. تقوده الأحداث إلى التعرّف إلى الشاعر الشيخ سعدي الشيرازي، تتوطّد علاقته به ويرى فيه صورة متسامحة للإسلام ويتعلّم منه اللغة العربية، يتحرر تدريجياً من كره المسلمين، قبل أن يدخل الإسلام على يد سعدي ويصير مسلماً شافعياً. 

لا يخلع دارا زنّاره، ولا ينقلب على عقيدته، ولا يغادرها، بل يرى في دخوله الإسلام “نوراً على نور”، فالنور هو الخير وهو الأصل الذي تقوم عليه الأديان. يتعلّق بهذه الآية التي يراها تعزّز النور الأول في داخله (النور الزرادشتي) دون أن تلغيه، وتجعله يصل إلى أن ليس عليه أن يغادر نوره الأول ليدخل في نور آخر جديد، بل أن يبحث عن أنوار جديدة يضيفها إلى نوره الأول. أن يراكم أنواره.  

بوحي هذه الأنوار يكمل دارا رحلته إلى نيسابور وآلموت ومراغة، وبها يتعرّف إلى فريد الدين العطار (المتصوف) ثم الشيخ البلخي (المعتزلي) ثم الطوسي (الإسماعيلي)، فكلما وجد نوراً دخل فيه: “ولدتُ زرادشتياً من آل (كردير)، ثم أسلمت على يد الشيخ سعدي، وقال لي الشيخ البلخي أني معتزلي، ثم تدروشت، ورأيت النور المحمدي في حياة الخواجة العطار، صرت ثائراً اسماعيلياً، وانتهيت أخيراً لأكون شيعياً”. ربما بدت لي تحولات دارا خلال الرواية غير مقنعة أحياناً، شعرت بأنه ينقصها عمق ما أو مقدمات أكثر قوّة، وجدته كلّما تعرّف إلى واحد من الشخصيات المعروفة (سعدي، البلخي، العطار، الخواجة الطوسي) دخل في معتقده دون تردد أو مسافة من حيرة. ربما نجد له عذراً أن تحولاته تلك لم تكن في الجوهر، أي أنها ليست نسفاً لعقيدة ودخولاً في عقيدة مناقضة لها، بل تكمل كل واحدة الأخرى “نور على نور”. 

سنعيش مع دارا كل تحولاته تلك وسط سلسلة طويلة الأحداث والصراعات وقصص الاضطهاد والقتل، سيبقى الاضطهاد العقائدي الذي بدأت به الرواية، حاضراً طوال الرواية في صور مختلفة، فالزرادشتية التي عانت من اضطهاد المسلمين لها، مارست اضطهاد المانوية قبل ذلك، ثم سنرى اضطهاد المغول للمسلمين وقتلهم الوحشي لهم في بغداد وغزنة وطوس ونيسابور وآلموت وتخريبها وحرق الكتب قبل أن يعتنقوا الإسلام، ثم بعد دخولهم الإسلام، سنشهد اضطهادهم لأصحاب الملل الأخرى، ولن تكف الرواية أن ترينا صوراً لاضطهاد المسلمين لبعضهم البعض: أهل الظاهر تجاه المتصوفة وأهل الباطن، الأشاعرة تجاه المعتزلة، والسلاجقة الأشعريين تجاه الشيعة الاسماعيليين. ثم اضطهاد دارا وقتله بتهمة كونه زرادشتياً شيعياً اسماعيلياً باطنياً.